(الجدري) يجلد أجساد (شيماء وأطفالها) تحت وقع الحرب

(الجدري) يجلد أجساد (شيماء وأطفالها) تحت وقع الحرب

دير البلح – هيا بشبش:

محتجزةٌ داخل خيمتها القماشية المهترئة خوفًا من عدوى المرض، بعد انقضاءِ صيفٍ لاهب طبعت حرارته آثارها بحبوبٍ وبثور على جسدها وأجساد أطفالها الذين اضطرت لمنعهم من مغادرة الخيمة!

“لم أعد أستطيع الخروج من خيمتي خوفًا من انتقال عدوى المرض بعد إصابتي وصغاري بالجدري والذي عانيت منه طيلة الصيف”، بهذه الكلمات تصِف شيماء أبو حمودة (23 عامًا) كيف تسبب النزوح بإصابتها مع صغارها بالجدري.

شيماء، شابّة كانت تسكن معسكر جباليا شمال قطاع غزة، وبعدما شن الاحتلال الإسرائيلي حربه على قطاع غزة يوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023م، وتحت وطأة القصف الحربي والقذائف المدفعية اضطرت للنزوح إلى مدينة دير البلح وسط قطاع غزة بعدما أجبر الاحتلال المدنيين على النزوح من شمال القطاع إلى جنوبه يوم 13 أكتوبر، لتعيش مع زوجها وأطفالها في خيمةٍ بأحد مخيمات النزوح، وتضع مولودها الثاني في يونيو 2024م.

تضيف وهي تشير إلى وجه صغيرها الذي ملأته آثار الحبوب: “تنقّلت طيلة شهور صيف عام 2024م، بين عيادات الوكالة التابعة لوكالة الغوث (أونروا) والتي وجدتها فارغة من العلاج؛ وأخرى تابعة للجمعيات المحلية ولم أستجِبْ للعلاج الذي كتبه لي الطبيب، لجأت في النهاية لعياداتٍ خاصة، وجرّبت وصفاتٍ بدائيةٍ على أمل الشفاء أو على الأقل التخفيف من بعض أعراضه مثل ارتفاع درجات الحرارة والقيئ، ولكن دون فائدة، وفي النهاية استفدت من علاجٍ اشتريته من صيدليةٍ خاصة بعدما وصفه طبيبٌ مختص”.

تصف شيماء أيامها الأولى بعد الولادة: “كانت الحرارة داخل الخيمة شديدة؛ خاصة بالنسبة لأمٍ وضعت مولودها حديثًا، انتقلت مع رضيعي لخيمة جيراننا كونها تقع تحت شجرةٍ مرتفعة، فكان هواؤها أفضل نوعًا ما، أمضيت أيام الصيف متنقلةً من مكانٍ لآخر بين الخيام باحثة عن ظلٍ لي ولطفليّ”.

حاول زوج شيماء (محمود أبو حمودة) تخفيف حرارة الصيف عن عائلته بإحاطة الخيمة ببعض سعف النخيل، لكن كما تقول شيماء: “لم تثمر جهود زوجي، بل ظهرت الأمراض الجلدية تدريجيًا بيننا، وفي كل مرة عدوى جديدة تختلف عن سابقتها، تبدأ بأحدنا وتنتقل للآخرين، آخرها وأقساها الجدري الذي أنهكني أنا وصغاري وما زالت آثار الحبوب ظاهرة على أجسادنا”.

وكانت منظمة الصحة العالمية أعلنت عام 1980 القضاء على الجدري في كل أنحاء العالم بفضل تلقي اللقاحات الخاصة به، ولكن بعد أكثر من (43) عامًا؛ ومع تواصل الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، فإن مصادر طبية فلسطينية، أعلنت وفق تصريحٍ نشرته وكالة الأنباء الرسمية (وفا)، إن الأمراض الجلدية تفتك بأطفال قطاع غزة نتيجة عدم توفر أدوات التنظيف.

وقالت إن من بين هذه الأمراض الجدري المائي إلى جانب أمراضٍ غريبةٍ أخرى، ظهرت بسبب سوء الأوضاع الصحية والبيئية، وانتشار الحشرات وتكدّس النفايات وتسرب مياه الصرف الصحي.

وكانت منظمة الصحة العالمية، حذرت في نوفمبر/ تشرين الثاني 2023م، من تفشي أمراضٍ معديةٍ في قطاع غزة، وقالت في بيان نشرته على موقعها الالكتروني حينها إنه بلغ عدد المصابين بجدري الماء نحو (1000) مصابًا في قطاع غزة.

عودة إلى شيماء، التي عانت في بداية إصابتها من ارتفاعٍ حادٍ في درجات الحرارة، وطفح جلدي ظهر على وجهها وانتشر في باقي جسدها، توضح: “كنت أشعر بألمٍ في العضلات والمفاصل، وبالإرهاق والتعب الشديدين، فقدت شهيتي تمامًا وملأتْ الحبوبُ جسدي ونتج عنها حكّة مزعجة”.

وأكملت: “عانى طفلاي معي من ذات المرض، ولكن أعراض المرض عليهما كانت أقلّ، كما أن فترة شفائهما كانت أسرع، ومع ذلك مع زال طفلي الرضيع يعاني من مرضٍ جلديٍ في رأسه حتى الآن، رغم محاولاتي المتكررة بعلاجٍ جديدٍ كل مرة”.

تشير شماء مرة أخرى إلى طفحٍ جلديٍ يظهر على رأس رضيعها الذي لم يتجاوز ستة شهور، قائلة: “أضع له المراهم وفي كل مرة أعرضه على طبيب يقوم بتغيير نوع العلاج، صحيح أن نسبة الطفح الجلدي أقلّ لكنها لم تختفِ بعد”.

فقدت شيماء الرغبة في الخروج من خيمتها خوفًا من عدوى جديدة، هذا الأمر كما تصفه أصبح مثل (الفوبيا) بالنسبة لها، خاصة مع اعتقادها العميق إنها لن تشفى أبدًا ما دامت تعيش في خيمة”.

تتنهد بعمق وهي تختم حديثها: “لا أعلم متى سينتهي هذا الكابوس، لكن آمل أن تنتهي الحرب ونعود لمنازلنا”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى