زوجها مفقود منذ أغسطس/آب.. داليا تصرخ: (من يومها وأنا بدوّر عليه)

زوجها مفقود منذ أغسطس/آب.. داليا تصرخ: (من يومها وأنا بدوّر عليه)

غزة – هبة الشريف

“غاب محمد وأخباره ومن يومها وأنا بدوّر عليه، كنت بعتمد عليه بكل شي والآن أنا لحالي”.

بهذه الكلمات، بدأت الشابة داليا سويلم (34 عامًا) الحديث عن فقدانها لزوجها محمد سويلم (39 عامًا) والذي اختفت آثاره وأخباره منذ تاريخ 3 أغسطس/آب 2024م، حين عاد لتفقّد بيتهم في رفح، تاركًا إياها في حالة من الحيرة والقلق عليه، وفي عهدتها أطفالها الأربعة.

في خيمة مصنوعة من القماش وقطع النايلون، تعيش حاليًا داليا مع صغارها ناجي (10 أعوام)، مجد (9 أعوام)، جوري (4 أعوام) ولانا (ثلاثة شهور)، فهي وليدة الخيمة، وضعتها أمها بعدما نزحت من رفح يوم 27 مايو/أيار 2024م.

تقول داليا: “كنت أعيش أنا وزوجي حياة بسيطة (مستورة)، زوجي رجل (بيترزق) يعمل في أي شيء لا يقول للعمل لا، لكن تغيرت حياتنا بعد فقدانه وفقدان الأمان”.

يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023م شن الاحتلال الإسرائيلي حربًا على قطاع غزة، ثم أجبر مئات آلاف المدنيين من سكّان شمال القطاع على النزوح إلى جنوب القطاع، منذ بداية الحرب التي حصدت على مدار عام أرواح أكثر من 42 ألف ضحية حسب توثيق وزارة الصحة الفلسطينية، ويوم 7 مايو/أيار 2024م بدأ اجتياحه لمدينة رفح مجبرًا سكّانها على النزوح إلى مناطق أخرى، تمامًا كما حدث مع عائلة داليا التي كانت تسكن الحي السعودي غرب مدينة رفح.

تكمل داليا: “حملنا أغراضنا ولم نجد مكانًا نقضي به ليلتنا الأولى فاضطررنا للرجوع إلى الحي السعودي، رغم الخطر والقذائف حولنا من كل صوب، وفي اليوم التالي (طلعنا من دارنا ما حملنا معنا اشي الشاحنة بتكلف مبلغ كبير واحنا ما معنا).

من مكانٍ لآخر، نزحت داليا وعائلتها حتى استقرّ بهم الحال في منطقة تدعى منطقة العطّار في خانيونس، حيث أقاموا خيمتهم.

تكمل: “يوم 3 أغسطس/آب 2024م، عاد زوجي كغيره من الشباب إلى منطقة سكننا سيرًا على الأقدام لتفقّد بيتنا ظنًا منه أنه سيحظى بشيء يقي أطفالنا برد الشتاء القادم، فنحن خرجنا دون وعي، لم نحمل أي ملابس معنا، انتظرت أن يعود ولكن لم يعد ولا أعرف عن مصيره شيئًا”.

داليا: كان لابس بلوزة أخضر زيتي وبنطلون كحلي وطاقية وشبشب بني

“كان لابس بلوزة أخضر زيتي وبنطلون كحلي وطاقية وشبشب بني”، هذه هي الأوصاف التي قدّمتها داليا للجهات المختصة من أجل البحث عن زوجها محمد ولكن لم تصلها أي معلومة تريح قلبها، تقول: “قدمت أوصافه للكل عشان يساعدوني ألاقيه”.

وكغيرها من النساء المعيلات فهي تعاني من أجل توفير لقمة العيش لصغارِها دون أن تكون عالة على أحد في ظل انشغال كل إنسان بهمومه.

تقضي داليًا قرابة نصف ساعة ذهابًا ومثلها إيابًا وصولًا للبحر لتجلب منه مياه للاستخدام المنزلي في محاولة لتوفير ثمن شراء المياه التي تجاوز سعرها مبلغ 50 شيكلًا للكوب، وتجلب مياه الشرب من الجهات التي تتبرع بها لمخيمات النازحين.

داليا: حتى لقمة تغذيني بعد الولادة ما لقيت

تتنهد وتكمل: “يوم 1 يونيو/حزيران 2024م، (ولدت طفلتي بالخيمة بوضع لا بصلح لأم ولا لرضيعة)، أعاني من الحر الشديد داخل الخيمة، وانعدام الخصوصية والراحة اللازمة لما بعد الولادة، حتى ملابس طفلتي لم أتمكن من توفيرها لندرتها وغلائها وشحّ المتواجد منها، تركنا كل شيء في بيتنا بسبب للقصف ونزحنا دون أي مقومات حياة”.

تضيف: “حتى لقمة تغذيني بعد الولادة ما لقيت، فش إلا المعلبات وأكل التكيات، وزني نزل للنص”.

عطفت سيدة على داليا فحظيت بقطعتي ملابس تقوم بلبسهما تباعًا، أما احتياجات طفلتها من حليبٍ وحفاضات فهي تبيع بعض ما يصلها من طرود غذائية كي توفر جزءًا من هذه الاحتياجات، وغالبًا تضطر لاستخدام قطع من الملابس البالية بديلٍ للحفاضات التي أصبحت باهظة الثمن.

إيمان عاشور (34 عامًا)، هي رفيقة داليا وابنة خالها التي تشاركها تفاصيل حياتها، تؤكد إن داليا لا تحب أن تكون عالة على أحد وترضى بالقليل، تكمل: “أقضي معظم وقتي مع داليا فأنا زوجة شهيد، نشكي همومنا لبعضنا فالحياة أثقلت علينا كثيرًا في هذه الحرب، لديّ طفلة وحيدة وهي لديها أربع أطفال، نفقاتها مضاعفة عني، توصيني دومًا بمحاولة توفير قطع من القماش الذي أستغني عنه من أجل طفلتها رغم تسلّخ جلد الطفلة الدائم ولكن لا يوجد بديل”.

تتابع: “داليا فقدت الأمان بمجرد فقدان زوجها وبقاء مصيره مجهولًا، وهي تعاني كثيرًا كلما سأل عنه أطفالهم، لا تعرف كيف تشرح الأمر لهم”.

ووثقت اللجنة الدولية للصليب الأحمر على موقعها الالكتروني أنها تتواصل مع 8065 عائلة من عائلات 9068 فلسطينيًا أُبلغ عن فقدهم في غزة، لجمع المعلومات المهمة التي تساعد في الكشف عن مصيرهم وأماكن وجودهم.

طفلها الأكبر ناجي (10 سنوات)، تدخّل بعصبية قائلًا: “بستنى أبويا يرجع تاني راح يجيب الأغراض من الدار ورح يرجع”.

يعمل ناجي حاليًا في بيع المثلّجات التي ازداد إقبالُ الناس عليها بسبب الحر الشديد في ظل انقطاع الكهرباء، لكن وقوفه في الشمس طوال النهارِ جعله مرهقًا على مدار الساعة بدلًا من أن يكون على مقاعد الدراسة كباقي أقرانه في كل أنحاء العالم.

يقول: “بعد يوم عمل طويل مربحي 5 شيكل ما بكفي لشي، لكن بحاول أساعد بأي حاجة”.

ناجى من الطلبة المتفوقين في دراسته، إذ حصل على معدّل 95%، وكأي طالب متفوق لديه الكثير من الطموحات لحياته، حاولت أمّه إرساله إلى المدرسة البديلة القريبة من مكان خيمتهم، لكنه يرفض باستمرار، يعقّب باكيًا: (بستنى والدي يرجع بدي أضلّ أساعد إمي في غيابه، بديش أروح المدرسة).

تتدخل داليا: “لا أقوى على إخبارهم إن والدهم مفقود، كلهم بانتظاره، ولديهم أملٌ بعودته”.

تكمل: “حتى أعمام الأولاد وضعهم المادي صعب جدًا، بالكاد يستطيعوا إعالة أسرهم، تشردت العائلة وكل واحد نازح في مكان”.

ويقضي القانون الدولي الإنساني بأن تتخذ أطراف النزاع جميع الإجراءات المستطاعة للاستدلال على الأشخاص الذين يُبلغ عن فقدهم نتيجةً لنزاع مسلح، وأن تزود أفراد عائلاتهم بأية معلومات لديها عن مصيرهم.

ويتنافى ما تعرّضت له داليًا أيضًا مع اتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين وقت الحرب، والتي تحظر استهداف المدنيين والتهجير القسري لهم، كما نصّت في المادة (17) على نقل النساء النفاس من مناطق النزاع إلى مناطق آمنة، وأكدت المادة (23) على كفالة وصول الأغذية الضرورة والملابس للنساء الحوامل والنفاس، ويضمن القانون الدولي حماية مزدوجة للنساء نظرًا لاحتياجاتهن المرتبطة بالأنجاب، وقد نص قرار مجلس الأمن الدولي (1325) بشأن المرأة والسلام على ضرورة اتخاذ تدابير خاصة لحماية النساء والفتيات وقت النزاع المسلح.

وعن مخاوف أولادها تقول داليا: “يتشبثوا بي كلما سمعوا صوتًا قويًا، جميعهم أطفال ويشعرون بالرعب مما يجري، أنا الآن الأم والأب والحِمل ثقيل عليّ، جوري لا تفارقني أبدًا وتشعر بالرعب الدائم، حتى صوت الشاحنات يرعبها، نحن الكبار نموت خوفًا فما بالكم الأطفال”.

تختم متسائلة: “لا أعرف ماذا سأفعل في الشتاء، لا أمتلك ملابس شتوية لأطفالي”.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى