أ.منال البحيصي.. أكاديمية تلاحق حلم الدكتوراه بين النزوح وركام الحرب
أ.منال البحيصي.. أكاديمية تلاحق حلم الدكتوراه بين النزوح وركام الحرب
غزة- أنغام يوسف الأسطل

“نحن شعب يحب الحياة، ويؤمن أن الاستمرار شكل من أشكال المقاومة. حتى في أصعب الظروف، كنت أشعر أن عليّ أن أواصل دوري تجاه الطلبة، لأن فكرة الاستسلام لم تكن مطروحة”.
بهذه الكلمات تختصر الأكاديمية والمحاضِرة الجامعية منال البحيصي رحلتها مع الحرب والنزوح، وهي الرحلة التي أرجأت حلمها بالحصول على درجة الدكتوراه، لكنها لم تنجح في إطفاء شغفها بالعلم والتعليم.
قبل ساعات قليلة من اندلاع الحرب على قطاع غزة، كانت منال البحيصي تقترب من تحقيق حلم أكاديمي انتظرته سنوات طويلة. ففي مساء السادس من أكتوبر/تشرين الأول 2023، بدت ملامح طريقها نحو الدكتوراه واضحة، بعد أن اجتازت الامتحان الشامل وكانت تستعد لاستكمال خطواتها البحثية الأخيرة.
تقول منال البحيصي: “كنت أرى مستقبلي الأكاديمي بوضوح، وأخطط للمرحلة المقبلة من البحث العلمي، لكن صباح السابع من أكتوبر غيّر كل شيء. استيقظت غزة على أصوات الصواريخ والقصف والدمار، وتحولت الطموحات إلى أحلام مؤجلة إلى أجل غير معلوم”.
وتضيف: “أصبح السؤال الذي يلاحقني يوميًا: هل سننجو أم سنموت قبل أن نحقق ما نسعى إليه؟ شعرت أن الطريق الذي بنيته خلال سنوات طويلة انهار فجأة، وأصبحت أفكر فقط في كيفية النجاة وسط الخوف والموت والدمار”.
وتروي منال البحيصي، البالغة من العمر 55 عامًا، أن رحلة النزوح بدأت منذ الأيام الأولى للحرب، حين اضطرت مع أسرتها إلى مغادرة منزلها والتوجه إلى منطقة الزوايدة وسط قطاع غزة بعد اشتداد القصف وأوامر الإخلاء الإسرائيلية.
أمضت هناك أربعة أشهر قبل أن تتعرض المنطقة التي نزحت إليها لاستهداف مباشر، ما دفعها للنزوح مرة أخرى إلى مدينة دير البلح، حيث أقامت أكثر من عام. وتقول: “منذ تلك اللحظة بدأت رحلة جديدة عنوانها البحث عن النجاة والطعام والمياه، بعدما كانت حياتي تدور حول التعليم والبحث العلمي”.
ويُعد تولي منال البحيصي منصب عميد قسم إدارة المال والأعمال في الكلية الجامعية التابعة للجامعة الإسلامية محطةً بارزة في مسيرتها الأكاديمية، إذ جاء تكليفها بهذا المنصب تتويجًا لنجاحها وتميزها العلمي، وفي الوقت ذاته كانت تواصل رحلتها الأكاديمية بصفتها طالبة في برنامج الدكتوراه المشترك بين الجامعة الإسلامية وجامعة الأزهر، تخصص إدارة الأعمال.
وتوضح: “كنت من الدفعة الثانية في البرنامج، وكان من المفترض أن أحصل على درجة الدكتوراه عام 2024. قبل الحرب بأسبوع فقط اجتزت الامتحان الشامل، لكن الحرب غيّرت المكان والزمان وكل تفاصيل الحياة. وجدت نفسي نازحة بلا مأوى مستقر، وبعيدة عن الجامعة وطلبتي وزملائي الأكاديميين”.
وخلال النزوح، أقامت منال البحيصي في شقة سكنية تعود لأقاربها، ضمت أكثر من 130 فردًا تحت سقف واحد، الأمر الذي جعل الحياة اليومية شديدة الصعوبة.
وتقول: “انعدمت الخصوصية والهدوء تمامًا. تغيرت اهتماماتنا من متابعة الأعمال الأكاديمية إلى توفير الطعام والمياه وشحن الهواتف وتوزيع المهام اليومية. أصبح الحصول على أبسط مقومات الحياة تحديًا يوميًا”.
وتضيف أن الحرب عطلت العملية التعليمية بشكل شبه كامل في بداياتها، خاصة مع الانقطاع المتكرر للاتصالات والإنترنت، ما جعل التواصل مع الطلبة والزملاء الأكاديميين مهمة شاقة.
ومع إطلاق مبادرات التعليم الإلكتروني لاستكمال المسيرة التعليمية للطلبة، وجدت نفسها أمام تحديات جديدة. وتقول: “كان السؤال الأهم هو كيف يمكن الاستمرار في التعليم في ظل نزوح الطلبة واستشهاد عدد منهم وتدمير الجامعات؟ ورغم كل ذلك، حاولنا استعادة ما يمكن استعادته، واستأنفنا التعليم الإلكتروني للحفاظ على حق الطلبة في التعليم”.
وتوضح أن العودة إلى التدريس لم تكن سهلة، إذ احتاجت إلى جهاز حاسوب ومصدر للكهرباء وشبكة إنترنت مستقرة، وهي أمور كانت نادرة خلال الحرب.
وتتابع: “المنزل الذي كنت أنزح فيه لم يكن مناسبًا للتدريس أو تسجيل المحاضرات. كنت أقطع مسافات طويلة سيرًا على الأقدام للعثور على مكان يوفر الكهرباء والإنترنت حتى أتمكن من رفع المواد التعليمية والتواصل مع الطلبة”.
وتضيف: “بعد معاناة طويلة تمكنت من الحصول على ساعتين فقط من الكهرباء يوميًا من أحد المزودين وبسعر مرتفع. أصبحت هاتان الساعتان بمثابة جدول عمل كامل، أستخدمهما لشحن الأجهزة وتنزيل المحاضرات وإرسال الملفات وتسجيل الشروحات التعليمية”.
وفي خضم هذه الظروف، اضطرت منال البحيصي إلى تأجيل استكمال رسالة الدكتوراه. وتقول: “ضغوط العمل والنزوح وصعوبة الوصول إلى المصادر العلمية والتواصل مع المشرف الأكاديمي جعلت استكمال البحث العلمي أمرًا بالغ الصعوبة. لكنني لم أتوقف عن أداء واجبي الأكاديمي تجاه الطلبة”.
وبعد عام ونصف تقريبًا من النزوح، عادت منال البحيصي إلى مدينة غزة خلال الهدنة الإنسانية التي شهدها القطاع مطلع عام 2025.
وتقول: “عدت إلى غزة مشيًا على الأقدام، وكانت العودة إلى استكمال الدكتوراه شكلًا آخر من أشكال المقاومة. الحرب دمرت الكثير من تفاصيل حياتنا، لكنها لم تستطع أن تنتزع منا الأمل”.
ورغم الأضرار التي لحقت بمنزلها جراء القصف، استأنفت العمل على مشروعها البحثي، مستمدة إصرارها من إيمانها بأهمية العلم ودوره في بناء المجتمع.
ومؤخرًا، حصلت منال البحيصي على موافقة اللجنة المشرفة على عنوان رسالتها، وتستعد لاستكمال مراحل البحث العلمي تمهيدًا لمناقشتها.
وتؤمن أن الأحلام الحقيقية لا تموت مهما اشتدت الظروف، قائلة: “الحرب تدمر الأحلام قبل البيوت أحيانًا، لكنها لا تستطيع قتل الإرادة. ما زلت أؤمن أن يوم مناقشة رسالتي سيأتي، وسيكون فرحي به كما كان يوم حصولي على درجة الماجستير”.
وتتطلع منال البحيصي إلى اللحظة التي ترتدي فيها ثوب الدكتوراه، ليس بوصفها إنجازًا شخصيًا فحسب، بل رسالة تؤكد أن التعليم في غزة قادر على البقاء والصمود، حتى وسط الركام.






