د.مايسة حلس.. حين تحولت الخيام إلى مدارس والركام إلى أمل

د.مايسة حلس.. حين تحولت الخيام إلى مدارس والركام إلى أمل

غزة- هند محمد أبو مغصيب

د.مايسة حلس.. حين تحولت الخيام إلى مدارس والركام إلى أمل
#الحماية_حق

في خيمة صغيرة بمخيم النصيرات، جلست مايسة حلس تراقب وجوه الأطفال النازحين وهم يتجمعون حول دفاتر متناثرة على الأرض. لم تكن هناك مقاعد دراسية ولا سبورة ولا جدران تحمي المكان، لكن فكرة واحدة كانت حاضرة بقوة: التعليم يجب ألا يتوقف، حتى في قلب الحرب.

لم تكن تلك الخيمة مجرد مأوى مؤقت، بل كانت بداية قصة مختلفة لأكاديمية كرّست حياتها للتعليم، قبل أن تجد نفسها تحاول إنقاذه وسط النزوح والدمار.

مايسة يوسف حلس، الأكاديمية والتربوية من حي تل الهوى بمدينة غزة، تحمل درجة البكالوريوس في التاريخ، إلى جانب درجتي الماجستير والدكتوراه في المناهج وطرائق التدريس. وعلى مدار أكثر من 17 عامًا عملت في قطاع التعليم، قبل أن تتولى إدارة مدرسة “نفوذ الخير” الخاصة، واضعة التعليم في قلب مشروعها المهني والإنساني.

لكن الحرب قلبت المشهد بالكامل، ففي الأيام الأولى، اضطرت لمغادرة منزلها في تل الهوى متجهة نحو جنوب قطاع غزة. تركت خلفها تفاصيل حياة بنتها على مدار سنوات طويلة، بحثًا عن مكان أكثر أمانًا لعائلتها. واستقرت مؤقتًا في رفح، حيث ظنت أن النزوح قد يكون محطة عابرة، لكن الحرب كان لها مسار آخر.

فقد أدى قصف منزل مجاور إلى إصابتها إصابات خطيرة، شملت فقدان البصر مؤقتًا وتشوهات في الوجه، لتدخل مرحلة علاج طويلة استمرت نحو شهرين.

تستذكر تلك الأيام قائلة: “شعرت أنني خرجت من حياتي القديمة بالكامل.. وكأن الضوء اختفى فجأة من عيني.”

وبينما كانت تحاول التعافي، كانت الحرب تتسع، ومعها تتسع دائرة النزوح. وجدت نفسها مضطرة للانتقال إلى خيمة في مخيم النصيرات، رغم أنها لم تتخيل يوماً أن تصبح الخيمة مكانًا للعيش، وتصف أولى أيامها هناك: “في البداية شعرت أن كل شيء انتهى، لكن الأطفال لم يكن لهم ذنب أن يتوقف تعليمهم.”

 في تلك اللحظة بدأ التحول الحقيق؛ كانت تنظر إلى الأطفال النازحين وهم يقضون أيامهم بلا دراسة أو أنشطة أو أي شعور بالاستقرار. ومع مرور الوقت، تحولت الفكرة إلى مبادرة صغيرة. جمعت عدداً من الأطفال، وفرشت الدفاتر على الأرض، وبدأت أول حصة تعليمية داخل الخيمة.

شيئًا فشيئًا، أخذ عدد الأطفال يزداد، وتحولت المبادرة إلى مشروع تعليمي واسع استوعب أكثر من 1200 طالب وطالبة في مراحل مختلفة، يعمل فيه 11 معلمة ضمن طاقم إداري وتعليمي بلغ 15 موظفاً، قبل أن تنتقل التجربة لاحقاً إلى بركسات أكثر تنظيمًا، ورغم الإمكانيات المحدودة، والطاولات والكراسي المصنوعة يدوياً، استمرت العملية التعليمية في التوسع.

تقول: “لم يكن لدينا شيء تقريباً… لكن كان لدينا يقين واحد: أن التعليم يجب ألا يتوقف”، ومع استمرار المشروع، تمكنت من تأسيس مدرسة جديدة ضمت نحو 300 طالب وطالبة موزعين على ستة صفوف، في محاولة لحماية الأطفال من الانقطاع عن التعليم ومنحهم مساحة آمنة وسط أجواء الحرب.

وخلال الهدنة الأولى، عادت إلى مدينة غزة، حاملة معها الحلم نفسه، وهناك حولت منزل والدها إلى مدرسة مكونة من 12 صفاً دراسياً استوعبت نحو 850 طالباً وطالبة، وحصلت على اعتماد من مديرية التربية والتعليم غرب غزة.

غير أن الحرب عادت لتقتحم المشهد من جديد، فقد تعرض المبنى للقصف ودُمّر بالكامل، لتجد نفسها أمام بداية جديدة أخرى.

تروي بأسى: ” كل مرة كنا نبدأ من جديد، وكأننا نتعلم كيف نبني من الذاكرة لا من الحجر.”

ورغم الخسائر المتلاحقة، لم يقتصر دورها على التعليم. فقد أطلقت سلسلة من المبادرات الإنسانية شملت توفير مياه الشرب لمخيمات النازحين، والمساهمة في إيصال المياه إلى شمال قطاع غزة، وإنشاء تكية طعام في غزة والبريج، وتوزيع الملابس والأحذية والخيام والقسائم الشرائية والطرود الغذائية على الأسر المحتاجة.

لكن أكثر ما بقي عالقاً في ذاكرتها لم يكن حجم العمل، بل لحظات الضعف الإنساني التي عاشتها خلال النزوح.

وتستعيد أول ليلة داخل الخيمة قائلة: “في أول ليلة داخل الخيمة، شعرت أن كل شيء انتهى وابنتي سألتني: كيف سنعيش هنا؟ ولم أجد جواباً.”

وتوضح أن ذلك السؤال ظل يرافقها طويلاً. كانت تنظر إلى أطفالها وإلى الخيمة التي أصبحت عالمهم الجديد، وتشعر أن سنوات من الاستقرار والعمل تلاشت فجأة. لكن كل صباح كان يحمل معها محاولة جديدة للإجابة، ليس بالكلمات، بل بالفعل.

كما تتذكر طفلاً من طلابها فقد عائلته بالكامل خلال الحرب، ورغم ذلك ظل متفوقاً وموهوباً في الشعر والفن.

وتقول إن قصته كانت تذكيراً دائماً بأن الأطفال، رغم كل ما يمرون به، ما زالوا قادرين على التمسك بالحياة.

ولم توقف الحرب مسيرتها الأكاديمية أيضاً، بل دفعتها إلى إعادة توجيه اهتماماتها البحثية نحو التعليم في الطوارئ والصمود التربوي، فشاركت في توثيق هذه التجارب ضمن كتاب “المبادرات التعليمية في زمن الطوارئ”، وأسهمت في كتاب “نساء في جحيم الحرب” الذي وثق معاناة النساء خلال النزاعات.

كما تعاونت مع مؤسسات دعم نفسي وتعليمي، وساهمت في توثيق تجارب الطلبة ضمن مشاريع إنسانية وكتابية، في محاولة لتحويل الألم إلى معرفة، والمعاناة إلى شهادة على ما جرى.

وترى مايسة حلس أن ما حدث لم يكن مجرد انهيار في البنية التعليمية، بل اختباراً حقيقياً لمعنى أن يكون الإنسان معلماً في زمن الحرب.

وتختتم حديثها قائلة: “الحرب أخذت منا بيوتاً ومدارس وأشياء كثيرة لا يمكن تعويضها، لكنها لم تستطع أن تأخذ إيماننا بالتعليم. كنت أرى في كل طفل يجلس داخل الخيمة رسالة بأن الحياة ما زالت قادرة على الاستمرار. بالنسبة لي، لم يعد التعليم مجرد مهنة، بل أصبح وسيلة لحماية الأطفال ومنحهم الأمل. الصمود الحقيقي ليس أن ننجو فقط، بل أن نواصل بناء ما تهدم، وأن نصنع للحياة معنى حتى وسط الدمار”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى