صحفيات غزة بين القصف وضغط المجتمع

نغم كراجة – غزة

في غزة، لا تتوقف الحرب عند حدود القصف. هناك جبهة أخرى، أقلّ وضوحًا وأكثر رسوخًا، تواجهها الصحفيات يوميًا؛ استهداف جندري غير مرئي يتجلى في التحرش اللفظي، والتشكيك المجتمعي، والضغط الأخلاقي، والوصم المرتبط بخروج المرأة إلى الميدان. هنا، يتحول العمل الصحفي من مهمة مهنية إلى مساحة مساءلة مستمرة لوجود المرأة نفسها.

في سياق تُعدّ فيه هذه الحرب من الأكثر دموية بحق الصحفيين، لا تواجه الصحفيات الخطر المباشر فقط، بل شبكة معقدة من الضغوط الاجتماعية والنفسية، تدفع كثيرات إلى إعادة التفكير في الاستمرار، رغم الكفاءة والخبرة.

في غرب مدينة غزة، تعيش الصحفية منى بكر، أم لأربعة أطفال، يومًا مثقلًا بالتوتر والخوف حيث يتحول العمل الصحفي خلال الحرب إلى مواجهة يومية مع القصف والقلق والفقد، تقول إن أصعب ما عاشته خلال الشهور الماضية لم يكن فقط الوصول إلى أماكن الاستهداف والتغطية بل ذلك الخوف المستمر الذي كان يرافقها على أطفالها أثناء وجودها في الميدان.

وتوضح: “كنت أخرج للتغطية وقلبي معلق بأطفالي طوال الوقت، أخشى أن يحدث قصف وأنا بعيدة عنهم أو ألا أتمكن من العودة إليهم حتى أثناء عملي كنت أتابع الأخبار والاتصالات باستمرار فقط لأطمئن أنهم ما زالوا بخير”.

وتضيف أن الحرب استنزفتها نفسيًا بشكل كبير خاصة مع تكرار مشاهد الدمار والضحايا، والعمل لساعات طويلة وسط انعدام الأمان والظروف القاسية التي يعيشها الصحفيون في غزة.

وتشير منى إلى أن هذا النوع من الضغط المتراكم لا ينفصل عن طبيعة عملها كصحفية في الميدان خلال الحرب حيث تتداخل المسؤولية المهنية مع ثقل التجربة الإنسانية اليومية، في سياق لا يتيح فصلًا واضحًا بين الخطر والعمل والحياة الشخصية.

وتضيف أن معاناتها تضاعفت بعد فقدان والدها في بداية حرب السابع من أكتوبر، نتيجة الإهمال الطبي وانهيار المنظومة الصحية، مؤكدة أن رحيله ترك أثرًا نفسيًا بالغًا عليها، لا سيما أنه كان الداعم الأول لها في حياتها المهنية، والشخص الذي منحها الثقة للاستمرار في العمل الصحفي رغم كل التحديات.

هذا الضغط لا يتوقف عند التجربة الفردية، بل يمتد إلى الصحة النفسية. توضح المستشارة النفسية لطيفة شتات أن ما تتعرض له الصحفيات هو شكل من العنف النفسي غير المباشر المرتبط بالنوع الاجتماعي، يتراكم بصمت حتى يصل إلى الاحتراق النفسي.

تقول إن الوصم والتشكيك المستمر يضعان الصحفية في حالة استنفار دائم، ويولّدان ما تصفه بـ”القلق المزمن”، حيث يصبح التوتر حالة دائمة، لا مرتبطة بحدث واحد، بل ببيئة كاملة من الضغط.

وتضيف أن أخطر ما في هذا العنف هو طبيعته غير المرئية، إذ يدفع الصحفية إلى الرقابة الذاتية، فتبدأ بتعديل سلوكها المهني لتجنب النقد، “وهنا يتحول الضغط الخارجي إلى قيد داخلي مستمر”.

في السياق الاجتماعي، ترى الناشطة نسرين أبو عمرك أن الحرب تعيد إنتاج أدوار تقليدية للنساء، حيث يُطلب منهن العودة إلى أدوار أكثر تحفظًا، ويُنظر إلى وجودهن في المجال العام كاستثناء يحتاج إلى تبرير. وتؤكد أن الصحفيات يواجهن ضغطًا مضاعفًا، لأن عملهن يتم في فضاء عام وخطر في آن واحد.

أما على المستوى الحقوقي، فتشير الناشطة رندا قدادة إلى أن ما تتعرض له الصحفيات يندرج ضمن إطار الحماية التي نصت عليها اتفاقية جنيف الرابعة، والتي لا تقتصر على الحماية الجسدية، بل تشمل أيضًا الكرامة والسلامة النفسية، ورفض التمييز.

وبحسب بيانات وتقارير صادرة عن نقابة الصحفيين الفلسطينيين، يعمل الصحفيون في قطاع غزة في بيئة شديدة الخطورة، مع تصاعد الاستهداف المباشر لهم ولعائلاتهم، وغياب الحد الأدنى من الحماية والسلامة المهنية. وتشير النقابة إلى أن العشرات من الصحفيين فقدوا حياتهم خلال التغطيات، فيما يواصل الآخرون عملهم تحت تهديد دائم، في ظل تدمير المؤسسات الإعلامية وصعوبة الوصول إلى أماكن آمنة.

كما تؤكد التقارير أن الصحفيين يعيشون حالة توتر دائم وخطر مستمر، نتيجة التغطية اليومية لمشاهد العنف والفقد، إلى جانب معايشتهم الشخصية للحرب، ما يجعل العمل الصحفي أقرب إلى حالة استنزاف نفسي ومهني متواصل، في ظل غياب الدعم الكافي أو فترات التعافي.

على مستوى الشهادات، تروي “سارة” (اسم مستعار، 29 عامًا) كيف تحولت لحظة عمل إلى مواجهة مباشرة مع تحرش لفظي وتهديد: “كنت أصوّر داخل مركز إيواء، وفجأة بدأ أحد الأشخاص بتعليقات غير لائقة وهدد بكسر الكاميرا… شعرت أنني غير محمية”.

وتضيف أن التجربة امتدت إلى الفضاء الرقمي، حيث تلقت رسائل مشابهة من حسابات مجهولة، ما جعلها أكثر حذرًا، وأثّر على قدرتها على العمل بحرية.

أما “ليان” (اسم مستعار، 34 عامًا)، فتتحدث عن وصمة اجتماعية لاحقتها بعد تغطية ميدانية، حين انتشرت مقاطع لها مرفقة بتعليقات تنتقد وجودها. “لم يعد الحديث عن عملي، بل عن سلوكي كامرأة”، تقول، مضيفة أن هذا دفعها أحيانًا لرفض تغطيات لتجنب الضغط.

في المحصلة، تكشف هذه التجارب عن طبقة غير مرئية من العنف، لا تُوثّق غالبًا، لكنها تترك أثرًا عميقًا على الصحفيات. بين القلق المزمن، والرقابة الذاتية، والشعور بالذنب، يتشكل واقع صامت يعيد تشكيل حضور النساء في الإعلام.

وفي بيئة كهذه، لا يصبح استمرار الصحفية في عملها مجرد أداء مهني، بل فعل مقاومة يومي في مواجهة حرب تُرى… وأخرى لا تُرى، لكنها لا تقل قسوة.

انتتجت هذه المادة الصحفية ضمن أنشطة مبادرة “تعزيز الحماية والدعم النفسي-الاجتماعي للصحفيات في قطاع غزة في سياق الطوارئ”، التي ينفذها مركز التنمية والإعلام المجتمعي (CDMC) بالشراكة مع مؤسسة كير الدولية.

ويُذكر أن المركز هو مؤسسة إعلامية وتنموية فلسطينية تعمل منذ أكثر من عقدين على توظيف الإعلام كأداة للتغيير الاجتماعي والدفاع عن حقوق الإنسان وتعزيز قيم المواطنة والعدالة والحرية، من خلال تمكين الفئات المجتمعية من أدوات التعبير الرقمي الفعّال، خاصة في البيئات المتأثرة بالنزاعات والحروب.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى