تراكم النفايات الطبية.. قنبلة بيئية وصحية تهدد قطاع غزة

تراكم النفايات الطبية.. قنبلة بيئية وصحية تهدد قطاع غزة
#الحماية_حق #cdmcgaza

ميسون كحيل

في خضمّ الحرب المستمرة على قطاع غزة، تتكشف أزمة بيئية وصحية خطيرة لا تقلّ تهديدًا عن القصف والدمار، تتمثل في التراكم المتسارع للنفايات الطبية داخل المستشفيات والمراكز الصحية. وتفاقمت هذه الأزمة مع انهيار منظومة إدارة النفايات نتيجة تدمير البنية التحتية، والنقص الحاد في الوقود اللازم لتشغيل المحارق وآليات النقل، إلى جانب القيود التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي على حركة الطواقم وإدخال الوقود والمعدات.

يقول رائد الثلاثيني، مدير التمريض في مستشفى القدس بمدينة غزة، إن الحرب فرضت واقعًا استثنائيًا على القطاع الصحي، حيث تتعامل الطواقم الطبية يوميًا مع كميات كبيرة ومتنوعة من النفايات الناتجة عن الضغط الهائل على المستشفيات وامتلاء أقسام الطوارئ والعمليات. وتشمل هذه النفايات نفايات طبية عامة مثل القفازات والكمامات غير الملوثة، والشاش النظيف، وعبوات الأدوية الفارغة، إلى جانب نفايات شبه منزلية لا تشكل خطرًا مباشرًا.

ويضيف أن الخطر الأكبر يكمن في النفايات المعدية شديدة الخطورة التي تحتوي على مسببات الأمراض، مثل الشاش والضمادات الملوثة بالدم، وعينات المختبر، وبقايا العمليات الجراحية، فضلًا عن النفايات الحادة كالإبر والمشارط، التي تشكل تهديدًا مباشرًا على سلامة الطواقم الطبية والمرضى، وتنذر بتفشي الأمراض في ظل غياب آليات التخلص الآمن منها.

يوضح أن تراكم هذه النفايات ساهم في زيادة انتشار العدوى بين أفراد الطواقم الطبية، وارتفاع معدلات الأمراض المعدية، مثل الالتهابات الجلدية، والعدوى البكتيرية، والتهابات الجهاز الهضمي، وأمراض الجهاز التنفسي داخل المجتمع، فضلًا عن تفشي الحشرات الناقلة للأمراض وتكاثر القوارض والفئران، ما يفاقم المخاطر الصحية في بيئة تعاني أصلًا من الاكتظاظ وانهيار الخدمات.

ورغم محاولات الطواقم المدرَّبة على جمع النفايات وفرزها باستخدام الوسائل المتاحة، إلا أن استمرار الغارات الجوية وصعوبة الحركة ونقص الوقود أعاقت عمليات النقل والتخلص الآمن، ما أدى إلى تراكم النفايات داخل مرافق صحية تعمل فوق طاقتها الاستيعابية. ويحذر الثلاثيني من أن استمرار هذا الوضع دون تدخل عاجل قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على تفشي الأمراض والأوبئة.

في ممرٍ ضيّق خلف قسم الطوارئ في مستشفى الأمل في خان يونس جنوبي قطاع غزة، يقف عامل نظافة خمسيني، يرتدي معطفًا بلاستيكيًا مهترئًا وقفازاتٍ رقيقة لم تعد تقيه تمامًا. ينحني بحذر شديد وهو يلتقط أكياسًا حمراء ممتلئة بالشاش الملطخ بالدم وبقايا الضمادات، يربطها بعقدة محكمة قبل أن يضعها في حاوية معدنية صدئة.

تتصبب قطرات العرق من جبينه رغم برودة المكان، وتبدو على وجهه ملامح قلق دائم، إذ يعرف أن أي وخزة إبرة أو تمزق في الكيس قد تنقل إليه عدوى لا يملك وسيلة للوقاية منها. يمضي في عمله بصمت، متجنبًا النظر طويلًا إلى محتويات الأكياس، كأن هذا الصمت هو خط دفاعه الأخير في مستشفى يعجّ بالألم ويعاني هو الآخر من الاختناق بالنفايات.

ومع خروج عدد كبير من المستشفيات عن الخدمة بسبب القصف أو الأضرار الجسيمة، لجأت جهات صحية وإنسانية عربية ودولية إلى إنشاء مستشفيات ميدانية كحلٍّ اضطراري لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الجرحى والمصابين. وتُقام هذه المستشفيات في مناطق يُعتقد أنها أكثر أمانًا نسبيًا، وتعمل بإمكانات محدودة لتقديم الرعاية الطارئة، ما يفرض تحديات إضافية، لا سيما في إدارة النفايات الطبية الخطرة.

من جانبه، يوضح الدكتور رامي أبو حمد، المدير الطبي لمستشفى المواصي الميداني التابع لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في جنوب قطاع غزة (خان يونس)، أن المستشفى ينتج ما يقارب مئتي كيلوغرام من النفايات الطبية أسبوعيًا منذ اندلاع الحرب التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وهو ما يعادل ضعف الكميات التي كانت تُنتَج قبلها، نتيجة الارتفاع الكبير في أعداد الجرحى والمصابين.

ويشير إلى أن النفايات تُجمع حاليًا في غرفة مخصصة ومحكمة داخل أسوار المستشفى، بعيدًا عن المرضى والأطفال، ويتم نقلها عند توفر الإمكانيات بشكل أسبوعي عبر شركة خاصة إلى مكبات النفايات. إلا أن القصف المستمر من جيش الاحتلال الإسرائيلي، ونقص الوقود نتيجة القيود الإسرائيلية على إدخال المشتقات النفطية إلى القطاع، وتعطل البنية التحتية بسبب القصف والأضرار الواسعة في الطرق والشبكات، تسبب في تعطيل عمليات النقل. كما أن الوصول إلى مكبات النفايات محدود أو ممنوع، إذ يقع المكب الرئيسي وعدد من مواقع الطمر داخل ما يُعرف بالـ”الخط الأصفر” الخاضع لسيطرة الاحتلال الإسرائيلي، ما اضطر المستشفى في بعض الأحيان إلى الاحتفاظ بالنفايات لفترات أطول من المسموح بها صحيًا.

ويؤكد أبو حمد أن هذا الواقع يفرض مخاطر صحية وبيئية كبيرة داخل المستشفى ومحيطه، أبرزها احتمال انتشار الأمراض البكتيرية والفيروسية، والالتهابات الجلدية والجهاز التنفسي، مشيرًا إلى أن تجاوز هذه المخاطر يتم بصعوبة شديدة. ويشدد على حاجة المستشفيات العاجلة إلى توفير حاويات آمنة للنفايات الطبية، وأكياس مخصصة لفرزها وفق المعايير المعتمدة، وملابس واقية للعاملين، إضافة إلى ترميم وتأهيل غرف تخزين النفايات داخل المرافق الصحية.

ويوضح أن توفر هذه المستلزمات يواجه عائقًا كبيرًا بسبب الحصار الإسرائيلي المستمر على القطاع، والذي يمنع إدخال المواد الأساسية والمعدات الطبية، بما في ذلك الحاويات والأكياس والملابس الواقية، ما يزيد من تعقيد إدارة النفايات ويضاعف المخاطر الصحية.

وتشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أنه منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى نهاية نوفمبر/تشرين الثاني 2025، جرى توليد نحو 900 ألف طن من النفايات الصلبة في قطاع غزة، جرى تفريغها في مواقع مؤقتة بعد انهيار منظومة إدارة النفايات، كما ارتفع المعدل اليومي للنفايات إلى ما بين 3,300 و3,850 مترًا مكعبًا، مقارنة بنحو 1,300 متر مكعب يوميًا قبل الحرب.

في السياق ذاته، يقول رائد مقاط، مدير دائرة الصحة والبيئة في بلدية غزة، إن إدارة النفايات الطبية تمثل تحديًا هائلًا للبلدية في ظل الحرب، خصوصًا بعد خروج المحرقة الرئيسية في منطقة جحر الديك جنوب المدينة عن الخدمة نتيجة القصف الإسرائيلي المكثف منذ بداية الحرب في السابع من أكتوبر 2023.

ويبين مقاط إلى أن هذا الوضع يفرض على البلدية صعوبات كبيرة في جمع النفايات من المستشفيات والمرافق الصحية ونقلها بشكل آمن، ويجعل من الصعب الحفاظ على معايير السلامة العامة والوقاية البيئية، خاصة مع استمرار تدمير الطرق وشبكات البنية التحتية، ونقص الموارد الأساسية مثل الوقود والمعدات.

ويُؤكد مقاط أن النفايات الطبية تُفرز داخل المستشفيات باستخدام الحاويات الخاصة، إلا أن إمكانيات جمعها محدودة للغاية، إذ لا تتوفر سوى سيارة واحدة مخصصة لجمع النفايات الطبية، يشغّلها مجلس الخدمات المشتركة لإدارة النفايات الصلبة في محافظات قطاع غزة، الجهة الرئيسية المسؤولة عن جمع وترحيل النفايات والأنقاض، في ظل عدم قدرة البلديات على التدخل المباشر في هذا الملف.

ويشير مقاط إلى أن توفر سيارات ومعدات إضافية تعرقلها الخسائر الكبيرة في الأسطول نتيجة القصف الإسرائيلي خلال الحرب، والذي أدى إلى تدمير العديد من سيارات ومعدات جمع النفايات التابعة للبلديات، ما يضاعف صعوبة إدارة النفايات الطبية وحماية السلامة العامة.

ويحذر مقاط من أن عدم معالجة هذه النفايات يشكل خطرًا مباشرًا على الصحة العامة، إذ قد يؤدي إلى انتقال الأمراض من المصابين إلى البشر أو الحيوانات، خاصة الكلاب الضالة، ما يرفع احتمالية انتشار أمراض خطيرة (مثل ماذا) تهدد حياة المواطنين.

ويضيف أن الحلول الحالية تقتصر على تخزين النفايات في أماكن مخصصة إلى حين إعادة تشغيل المحارق أو إيجاد بدائل مناسبة، في ظل مساعٍ أولية تقودها جهات دولية لإقامة مشروع متكامل لمعالجة النفايات الطبية، لا يزال في مراحله الأولى.

يوضح البروفيسور عبد الفتاح عبد ربه، أستاذ العلوم البيئية والبحرية في الجامعة الإسلامية بغزة، أن النفايات الطبية تشمل كل ما يخرج من المستشفيات والعيادات من ضمادات وسرنجات وأدوات حادة وملفات ورقية، إضافة إلى الأنسجة البشرية الناتجة عن عمليات البتر خلال الحرب.

ويؤكد أن هذه النفايات تُصنّف ضمن النفايات الخطرة التي تتطلب معالجة خاصة، مشيرًا إلى أنه قبل الحرب كانت تُدار عبر محارق أو خلايا مخصصة داخل المكبات، بينما يتم اليوم في كثير من الأحيان خلطها مع النفايات البلدية العادية وإلقاؤها في مكبات عشوائية غير مبطنة.

ويبين عبد ربه أن خطورة هذه المكبات تكمن في تسرب العصارة الملوثة بالبكتيريا والفيروسات والمعادن الثقيلة إلى التربة والخزانات الجوفية، ما يهدد البيئة والصحة العامة على المدى الطويل، إضافة إلى تعريض العاملين في جمع النفايات والنباشين لخطر الجروح والعدوى نتيجة وجود أدوات حادة ومخلفات طبية خطرة.

ويشير المسؤولون إلى أن غياب خطة مستدامة لإدارة النفايات الطبية يعود بشكل رئيسي إلى القيود المفروضة على إدخال المعدات والمواد الأساسية، وتدمير البنية التحتية، واستمرار القصف، ونقص الموارد البشرية والتمويل. هذه العوامل مجتمعة تحول دون نقل النفايات بشكل منتظم ومعالجتها بأمان، ما يضاعف المخاطر الصحية والبيئية في القطاع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى