“أرامل غزة” وحدهن في مواجهة التحديات والمسؤوليات!

"أرامل غزة" وحدهن في مواجهة التحديات والمسؤوليات!
#الحماية_حق #cdmcgaza

أماني شنينو_غزة

إنّ ما تُعانيه السيدات الأرامل ليس منفصلاً عن الواقع العام الذي يعيشه أهل قطاع غزة بعد حرب دامية استمرت لعامين، ورغم انتهائها بهدنة مُتفق عليها، إلا أن معطيات الحياة لا تزال صعبة وسيئة، وللأرامل خصوصية وتحديات استثنائية؛ حيث تغيرت حياتهن بشكل جذري بعد فقدان الزوج المعيل ليحملن على عاتقهن عبء الإعالة والمسؤولية، ويتضاعف بوجود أبناء صغار في ظل واقع إنساني واجتماعي واقتصادي متأزم. توازياً، مع تقديرات هيئة الأمم المتحدة للمرأة في غزة الآن، هناك أسرة من كل سبع أسر تقودها امرأة.

أرملة بدون “شهادة وفاة”

بابتسامة ملؤها الألم، قابلتنا جواهر علي (28 عاماً)، خريجة بكالوريوس في التربية الخاصة، تجلس في منزل عائلتها في شمال غزة، وهي تحتضن طفلها الوحيد. قصة جواهر حكاية وجع بدأ منذ اليوم الأول للحرب حين فقدت زوجها، لتبدأ رحلة صمود قاسية في شمال القطاع.

تقول جواهر “فقدتُ زوجي في أول يوم للحرب، كانت صدمة لا يستوعبها عقل. في البداية، كنت أرفض التصديق، كنت أمسك هاتفي وأرسل له رسائل على الواتساب، أحكي له عني وعن طفلنا الذي لم يتجاوز عمره حينها الشهرين، كنت أنتظر أن تظهر علامتا القراءة، أن يطمئننا، لكن الرسائل بقيت معلقة تماماً كحياتنا”.

وعن الصراع الاجتماعي والقانوني الذي تواجهه مع عائلة زوجها، تضيف بمرارة: “أصعب ما في الأمر هو الإنكار، أهل زوجي يرفضون حتى الآن استخراج شهادة وفاة له، ويمنعوننا من ذكر اسمه في البيت بحجة عدم إغضاب والدته. حتى حين كانت تصل جثامين الشهداء من طرف الاحتلال، لم يذهب أحد للبحث عنه سوى أخيه الصغير. أشعر أن حزني مكبوت وممنوع من الاعتراف الرسمي”.

هذا عدا عن نظرة المجتمع والضغوط التي تتعرض لها، فتقول جواهر: “ينظر الناس إليّ بشفقة ويرددون: ‘نصيبها مثل نصيب أمها’. أمي ترملت وهي صغيرة مثلي وكان لديها 5 أطفال، واليوم التاريخ يعيد نفسه معي. وبدلاً من السند، أواجه عروض زواج استغلالية ممن يبحثون عن ‘فرصة’ لأنني أرملة وحيدة، حتى طفلي، استمررت في رضاعته طبيعياً لمدة سنتين و3 أشهر، خوفاً من أن يأخذوه مني إذا فُطم!”.

تختتم جواهر حديثها بتأثر شديد ودمع يملأ عينيها قهراً: “لقد عشت اليتم مرتين؛ المرة الأولى حين استشهد والدي في حرب 2009 وكان عمري 11 عاماً، والمرة الثانية الآن مع ابني الذي سيكبر يتيماً كما كبرت. إنها الحرب التي لا تكتفي بخطف أحبتنا، بل تسرق منا حتى حقنا في البدء من جديد”.

“نظرات الشفقة تُحيطني”

قابلنا باسمة أبو شليح، صحفية فريلانسر وأم لطفلين، 40 عاماً، تحكي كيف حوصرت مع عائلتها في الشيخ رضوان، شمال قطاع غزة، بعد فشل محاولات النزوح للجنوب. اشتد الحصار وسُرقت سيارتهم بما فيها من أوراق زوجها المريض بالسرطان، الذي استُشهد لاحقاً إثر قذيفة أصابته داخل المنزل في شهر ديسمبر2023.

عجزت عن طلب النجدة بسبب خطورة المنطقة، وتدهورت حالته حتى تمكّن طبيب من زيارته بعد انسحاب الاحتلال من تلك المنطقة في نهاية يناير، لكنه أخبرها بصعوبة شفائه. نُقل إلى مستشفى الشفاء، وهناك التقط فيروساً لم يحتمله جسده، ليرتقي شهيداً في 11 يناير 2024، بعد رحلة من المرض والحصار.

تقول باسمة: “داهمتني الأسئلة من كل جانب بعد استشهاد زوجي، كنت وحدي تماماً في غزة، بعد نزوح أهلي للجنوب، ولم يبقَ لي أحد سوى شقيق زوجي وأختي البعيدة التي تكافح لأطفالها. لم أستوعب الفقد، ولا كيف أدفنه وسط الحصار والموت، فساعدني أحد الأصدقاء بذلك، ودفنّاه في المقبرة بجانب والدته التي استشهدت قبله بـ 12 يوماً، باستهداف من قِبل الاحتلال، وكان حزنه عليها قد دمّره نفسياً حتى رحل”.

تضيف باسمة: “بعد غيابه واجهت وحدة مرعبة، وحيرةً كبيرة في إدارة شؤون البيت بعد استشهاد زوجي، إذ لم أكن أعلم إن كانت المساعدات تُسجل باسمه أم باسمي، وسط تساؤلات كثيرة عن كيفية توفير المصروف، خاصة أنه لم يكن يعمل قبل استشهاده بسبب الحصار. عشنا أشهراً قاسية في ذروة المجاعة، دون غذاء لأطفالي، بحثت عن مساعدة من المؤسسات دون جدوى، ومن ثم تواصلت مع أهلي في الجنوب وأرسلوا لي بعض المال”.

يُذكر أنه تسبب القصف المكثف وأوامر الإخلاء في نزوح نحو 1.9 مليون فلسطيني قسراً، اتجه معظمهم إلى الجنوب بحثاً عن الأمان. وقد ترافق هذا النزوح مع سياسة تجويع ممنهجة ناتجة عن إغلاق المعابر، مما دفع بالسكان “الذين بقوا في الشمال” إلى حافة المجاعة وأدى لظهور حالات وفاة بسبب سوء التغذية، وسط انهيار كامل للمقومات الإنسانية.

وكانت ذروة المجاعة في غزة، في الفترة ما بين يوليو وأغسطس 2025؛ حيث تم الإعلان رسمياً ولأول مرة عن حالة “المجاعة” (المرحلة الخامسة من التصنيف الدولي) في محافظة غزة، بحسب تقرير التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) الصادر بتاريخ 22 أغسطس 2025، والمدعوم ببيانات منظمة الأغذية والزراعة (FAO) والأمم المتحدة.

تحديات وخذلان

تصف باسمة تحول نظرة المجتمع نحوها بعد فقدان زوجها، حيث اختلط التعاطف بشفقة “تكسر النفس”، لكنها اختارت التماسك مدفوعة بدعم عائلتها ومسؤوليتها تجاه طفليها. تقول: “كوني إعلامية، كان عليّ أن أتماسك رغم الخذلان والبكاء المرير؛ ففرص العمل في شمال غزة انعدمت، والتحدي الأكبر بات أخلاقياً واجتماعياً”.

لم تقتصر معاناة باسمة على الجانب المادي، بل امتدت لتطال كرامتها المهنية والاجتماعية، حيث تروي بصراحة: “صُدمت بتغير لغة الخطاب لدى البعض؛ بدأت ألحظ محاولات لتجاوز حدود اللباقة، وكأن استقلالي كأرملة يمنحهم الحق في ‘الاستقواء’ عليّ بالمال أو النفوذ”. واجهت باسمة هذه المحاولات بحزم، واضعةً حدوداً صارمة لمن حاول استغلال وضعها الجديد.

صراع الحماية والمسؤولية

على صعيد الأسرة، تعيش باسمة موازنة صعبة بين خوف شقيقها الزائد عليها وبين حاجتها للسعي. فبينما كان يطالبها بالبقاء بعيداً عن طوابير المساعدات خوفاً عليها، كانت هي تواجه الواقع بقولها: “أنا مجبرة على طرق الأبواب من أجل أطفالي الأيتام، فلا يمكنني الانتظار دون فعل شيء، والمسؤولية الآن تقع على عاتقي وحدي”.

تختزل باسمة مأساتها اليومية في منطقة “الشيخ رضوان” بالنظر إلى مستقبل ابنها التعليمي في ظل دمار المرافق، وتتساءل بمرارة: “المدارس مدمرة أو متهالكة، كيف سيكمل ابني سنته الأولى في المرحلة الابتدائية وإلى أين سآخذه ليحصل على حقه في التعليم في ظل هذا الانعدام الكامل للمرافق التعليمية”.

تعكس قصتا جواهر وباسمة ما وثّقه تقرير هيئة الأمم المتحدة للمرأة (2024) حول “آليات التكيف القسرية”، حيث تُجبر الأرامل على خيارات صعبة كـ “زواج السلف” أو مواجهة الاستغلال، في مقايضة اجتماعية قاسية تضعهن بين مطرقة الحفاظ على حضانة أطفالهن وسندان الضغوط المعيشية والاجتماعية المتزايدة.

يتفاقم هذا المشهد المأساوي مع الارتفاع الحاد في أعداد الضحايا؛ إذ تشير تقديرات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إلى أن الحرب رفعت عدد الأيتام في القطاع إلى نحو 57 ألف طفل، من بينهم 40 ألفاً فقدوا أحد والديهم أو كليهما، فيما بقي آخرون وحيدين تماماً بعد إبادة عائلاتهم بالكامل.

يؤكد عوض ساق الله، مسؤول ملف الأيتام بوزارة التنمية الاجتماعية، أن الحرب أحدثت قفزة حادة وغير مسبوقة في أعداد الأرامل حيث أنه تبعاً لبيانات المنظومة الوطنية التابعة لوزارة التنمية الاجتماعية، فقد بلغ عدد النساء اللواتي أصبحن أرامل نتيجة الحرب نحو 13,500 امرأة، موزّعات على مختلف محافظات قطاع غزة، وهو رقم يفوق بكثير المتوسط السنوي المسجّل في الأعوام السابقة للحرب، حيث كانت الزيادة السنوية تُقدَّر بآلاف أقل وعلى فترات زمنية أطول.

يقول عوض: “تُظهر الإحصائيات الأولية تمركزاً للأرامل في محافظات غزة والشمال ضمن الفئة العمرية (20-45 عاماً)، مما أدى لبروز فئة من النساء المعيلات في سن مبكرة وزيادة الطلب على برامج الحماية والمساعدات”

تعذّر على وزارة التنمية الاجتماعية تنفيذ برامج تمكين اقتصادي في الوقت الراهن. ويعود ذلك بشكل أساسي إلى ضعف إدخال المساعدات والتمويلات المخصصة للبرامج التنموية، إضافة إلى القيود المفروضة على الحركة، وتدمير البنية التحتية، بحسب عوض.

يؤكد المحامي بكر التركماني منسق التحقيقات والشكاوى في الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، على أن الواقع الجديد الذي فرضه العدوان على قطاع غزة أنتج مجموعة معقدة من المتغيرات والظروف التي مست حقوق النساء بشكل مباشر لاسيما الأرامل.

الحضانة في القانون

وفيما يخص إشكالية الحضانة بين النص القانوني والضغط الاجتماعي، يوضح التركماني أنه لا يوجد مبرر قانوني أو شرعي يسمح بنزع الحضانة من الأم بسبب عملها؛ فليس في القانون نص يمنع الحاضنة من ممارسة حقها في العمل. أما بخصوص انتقال الحضانة في حال الزواج، فيشير إلى أن قانون الأحوال الشخصية يحدد الحضانة للأم حتى سن معينة، وفي حال زواجها تنتقل الحضانة مباشرة إلى ‘أمهات النساء’ (الجدة لأم)”.

الأزمة الاقتصادية وأثرها على الأرامل

يُحلل التركماني الانعكاسات المعقدة للواقع الاقتصادي المتردي على وضع الأرامل، موضحاً أن انهيار المنظومة المعيشية فرض ضغوطاً مزدوجة؛ حيث باتت عائلات الأرامل عاجزة عن استيعابهن مع أطفالهن نتيجة فقدان المساكن وانعدام الموارد. كما يشير إلى وجود عجز حقيقي في تحصيل الالتزامات المالية والنفقة، وهو ما يجعل المطالبة بهذه الحقوق القانونية “أمرًا متعذر التطبيق” في ظل الانهيار الاقتصادي الشامل الذي يعصف بالقطاع.

يُنبِّه التركماني إلى فجوة خطيرة، وهي أن الكثير من الممارسات التي تقع بحق الأرامل والنساء في المجتمع الفلسطيني تُنسب زوراً للقانون أو الشريعة الإسلامية، بينما هي في الحقيقة مجرد “عادات وتقاليد” تُفرض على النساء وتجبرهن على التنازل عن حقوقهن، مشدداً على ضرورة التفريق بين ما يفرضه الدين والقانون وبين ما يفرضه المجتمع كأعراف بالية”.

‎العوائق الإجرائية والتحديات القانونية أمام حقوق الأرامل

يذكر المحامي بكر التركماني التحديات التي تواجه الأرامل في قطاع غزة، واصفاً “الوصول إلى المعلومات” بالعائق الأكبر؛ حيث يسبب فقدان الوثائق الثبوتية، وضبابية التزام البنوك بالكشف عن حسابات الشهداء، شللاً في إجراءات حصر الإرث وتوزيع المستحقات. بالإضافة إلى وجود تحدٍ قانوني مستحدث يتمثل في “المفقودين والمختفين قسراً”؛ إذ يضع غياب التوصيف القانوني لزوج السيدة (شهيد، أسير، أم مفقود) عقبات أمام تحديد استحقاقاتها المالية والمدنية.

 كما ينتقد حصر “الولاية المالية” في يد “العصبة من الرجال”، مؤكداً أن الواقع يتطلب منح الأم الحاضنة الأهلية الكاملة لإدارة أموال أطفالها القصر، تماشياً مع دورها الفاعل ومصلحة الصغار الفضلى.

ويرى أن خصوصية مرحلة ما بعد الحرب تفرض إعادة نظر شاملة في الفلسفة التشريعية؛ فالمعايير التي سادت “وقت السلم” لم تعد صالحة للقياس في ظل الواقع الراهن. ويشدد على أن صياغة القوانين يجب أن تنطلق من مبدأ “الثقة الكاملة” في أهلية المرأة وقدراتها.

يؤكد التركماني على أن رعاية الأرامل ليست خياراً ثانوياً، بل هي “دور إلزامي وأصيل” يقع على عاتق الدولة والجهات الرسمية، وتحديداً وزارة التنمية الاجتماعية. ويرى أن الدولة هي الملاذ الأخير لضمان صمود هذه الفئة وحمايتها من التهميش بعد حرب الإبادة، بعيداً عن ذرائع نقص التمويل أو ضعف الإمكانيات.

قانون الحماية الاجتماعية

يُضيف عوض، المُختص بقضايا الأرامل والأيتام:” لا يوجد حالياً تعديل قانوني نافذ يضمن الاستحقاق الفوري والدائم لأرامل الحرب خارج قوائم الانتظار، إلا أن وزارة التنمية الاجتماعية تدرس هذا التوجه لمواجهة الواقع الاستثنائي. وحالياً، تكتفي الوزارة بإجراءات مؤقتة تمنح الأولوية للأرامل في برامج المساعدات المتاحة، مع التأكيد على أن تطوير قانون الحماية الاجتماعية بات ضرورة ملحة ترتبط بالاستقرار السياسي والاقتصادي والتحول من الإغاثة الطارئة إلى السياسات المستقرة”.

التدخلات النفسية

ومن الجانب الرسمي، تشير المتحدثة باسم وزارة التنمية، عزيزة الكحلوت، إلى تقديم خدمات تفريغ نفسي لمواجهة “الصدمات المركبة” للأرامل، بالتوازي مع رقابة ميدانية مشددة لرصد أي مظاهر تهميش أو استغلال، مؤكدة أن الوزارة تنتهج مساراً وقائياً يدمج بين الإغاثة وحماية الكرامة الإنسانية في ظل الظروف الاستثنائية.

واقع الأرامل في غزة اليوم يفوق حدود التدخلات المتاحة؛ حيث يواجهن أزمات مُركبة تفرضها تقاليد “ظالمة” وقانون هش يفتقر لتشريعات تواكب المستجدات الطارئة على المجتمع الغزي. لذا، يبقى التمكين النفسي والاقتصادي هو المسار الأمثل لمواجهة هذه التحديات، وصولاً إلى تتويج مسؤولياتهن بعدالة قانونية مُنصفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى