حين تصبح الخيمة قيداً

هند محمد أبو مغصيب
في إحدى خيام النزوح على الأطراف الغربية لمدينة دير البلح وسط قطاع غزة، يجلس علاء أبو اصليح (25) عاماً في خيمة مع عائلته ، يتأمل في واقعٍ فرضه الاحتلال الإسرائيلي عليه قسراً، بعيداً عن أحلامه ودراسته وحياته التي كاد يوازنها رغم إعاقته الحركية.
كان يعيش علاء قبل حرب السابع من أكتوبر2023 على قطاع غزة، في بيئة مستقرة نسبياً ولكن منذ بدء العدوان الإسرائيلي على غزة توقفت حياته بالكامل كما وصف علاء.
اضطر للنزوح لأنه يعيش في المناطق الشرقية لمدينة دير البلح، وهي المنطقة الأقرب للسياج الفاصل مع الاحتلال، كانت محطة النزوح الأولى لعلاء وعائلته مرهقة جسدياً وما زاد من معاناته وجود شقيقته التي تعاني هي الأخرى من إعاقة حركية، كما انهم فقدا كرسيهما المتحرك بعد أن أجبرهم الاحتلال على مغادرة منزلهم بسرعة، ومعه فقدا الأمل بالتحرك بسهولة في بيئة لا تراعي احتياجاتهم الأساسية.
نزح علاء تسع مرات داخل قطاع غزة وفق أوامر جيش الاحتلال، دون الحرية في اختيار مكان النزوح، حيث كانت تُفرض مناطق يزعم الجيش أنها آمنة. وفي كل مرة عانى هو وعائلته مشقة النزوح، خاصة بعد فقدانه كرسيه المتحرك وصعوبة توفر المواصلات، ما زاد من معاناته في التنقل.
في ديسمبر2023 اضطر علاء للنزوح، وضع شقيقته على نفس الكرسي، بعد أن قام والده بابتكار كرسي بديل من أجل مساعدتهم على التنقل، للبحث عن مأوى جديد بعد أن أجبرهم الإحتلال على إخلاء المنطقة بالكامل والذهاب إلى مدينة رفح أقصى جنوب القطاع والتي تبعد عن وسط القطاع حوالي 40 كيلو متراً، يقول علاء: ” أشعر وكأننا خارج حسابات الجميع لا أحد يفكر كيف نتحرك، كيف ننام، كيف نعيش في خيمة لا تصلح لحياة طبيعية فكيف لشخص من ذوي الاعاقة أن يتأقلم معها؟ “.
وأضاف والد علاء: ” حياة علاء وشقيقته لا تشبه الحياة السوية، لأن الخيمة التي نعيش بها صغيرة جداً بالكاد تكفي لخمس أشخاص، ناهيك عن احتياجات أبنائي وهم من ذوي الاعاقة وبحاجة إلى كرسي متحرك جديد وخيمة مهيأة ورعاية تحترم كرامتهم الإنسانية”.
وعلق علاء: “ما فيها أي تجهيزات تسهل علينا الحركة أو تجعل حياتنا أسهل، احنا محتاجين مساحة أوسع وأرضية ثابتة وبالصيف الخيمة تتحول إلى فرن صغير والتهوية ضعيفة وهذا يزيد من تعبنا خاصة مع إعاقتي، وفي الشتاء البرد بيوصل للجسم بسرعة ما في تدفئه ولا عزل وبنمرض بسرعة بسبب هالظروف والأرضية الرمل تسبب تقرحات جسدية ولا يوجد حمام مهيأ”.
رغم صعوبة الحياة والحصار الخانق ومحاولات الإحتلال العديدة في فصل قطاع غزة عن العالم عن طريق: قطع الانترنت لأسابيع، واستهداف أبراج الإرسال، ومحاولة حجب كل وسائل التواصل والإنترنت. إلا أن علاء كان يملك من الإصرار والعزيمة ما يدفعه لإكمال مسيرته الدراسية.
علاء خريج وسائط متعددة وتصميم جرافيكي، فقام باستغلال وقته بكل ما هو مفيد وأهمها التحق بالجامعة من جديد بتخصص الخدمة الاجتماعية؛ ليكمل دراسته إلكترونياً، بعد أن فقد الأمل في حياته المهنية.
يقول علاء: ” كنت أعمل في إحدى المؤسسات المحلية التي كانت تراعي أشخاص ذوي الاعاقة، وما ان بدأت حرب طوفان الأقصى انقطع التواصل، وبعد ان لاحظت أن المؤسسة واصلت عملها بعد شهرين من الانقطاع تواصلت مع الإدارة وفوجئت بأنه تم استثنائي من العمل لأن مقر المؤسسة الجديد لا يوائم أشخاص ذوي الإعاقة، واعتذرت مني الإدارة لأنها لن تتمكن من توظيفي مجدداً”.
في حالة علاء أبو اصليح، يبرز غياب واضح لدور المؤسسات الدولة والمحلية في دعم وحماية الأشخاص ذوي الإعاقة. فبينما تتركز الجهود على توفير المساعدات العاجلة للسكان بشكل عام، تبدو احتياجات هذه الفئة المهمة مهملة او غير مُلباة بشكلٍ كافٍ.
قلة التنسيق، ونقص الموارد المخصصة، وعدم وجود خطط واضحة تراعي خصوصية ذوي الإعاقة، أدت إلى تهميشهم وزيادة معاناتهم، خصوصاً خلال فترات النزوح المتكرر والحصار.
هذا الغياب لا يقتصر على تقديم الخدمات الطبية أو النفسية فقط، بل يشمل أيضاً توفير بيئات معيشية آمنة، وإمكانية الوصول إلى المساعدات، وفرص الاستقلالية والكرامة.
إن هذا التجاهل يفاقم من التحديات التي تواجهها الفئة ويضعها في مهب المخاطر دون حماية حقيقية من المجتمع الدولي والمحلي.
علاء لا يطالب الكثير، فقط: كرسي متحرك جديد، خيمة مهيأة لاستيعاب أشخاص ذوي إعاقة، ورعاية تحترم كرامة الإنسان، يختم علاء حديثه بألم: “مشكلتي مش في اعاقتي، مشكلتي إنهم مش شايفيني أصلا”.





