الموت الصامت يترصد مرضى غزة بفعل حرمانهم من الدواء

محمد لبد
تعاني المشافي والنقاط الطبية المنتشرة في محافظات قطاع غزة من نقص حاد في الأدوية، والمستلزمات الطبية بفعل إصرار الاحتلال الاسرائيلي على منع دخولها إلى القطاع المحاصر في انتهاك واضح وصريح لكافة المواثيق، والأعراف الدولية.
وأكد د. يوسف أبو الريش وكيل وزارة الصحة أن معاناة المرضى تتفاقم يوماً بعد يوم بفعل القيود الإسرائيلية على دخول الإمدادات الطبية والأدوية، مشيراً إلى نفاد ما يقرب من نصف الأدوية الأساسية ومستلزمات الطوارئ في المشافي والنقاط الطبية التي انخفض عددها إلى الحد الأدنى بفعل الاستهدافات المباشرة من قبل الاحتلال منذ بداية الحرب على غزة في السابع من أكتوبر لعام 2023م.
وأوضح أن المنظومة الطبية تكافح من أجل توفير البدائل البدائية ومنها تمديد صلاحية بعض الأدوية بشكل اضطراري لإنقاذ حياة المرضى، في حين تضطر بعض مراكز الرعاية الفائقة، وأقسام الجراحة والعمليات إلى اتخاذ إجراءات مؤلمة، كبتر أطراف المرضى، وإجراء عمليات جراحية دون تقديم جرعات تخدير للمرضى تخفف من آلامهم.
أرقام صادمة
وحذر علاء حلس مدير الرعاية الصيدلانية في وزارة الصحة الفلسطينية من الانهيار الوشيك للمنظومة الصحية والدوائية في قطاع غزة، مؤكداً أن تقرير الأدوية الصادر عن وزارة الصحة وثق ما نسبته 55% من الأدوية الأساسية في المستشفيات رصيدها صفر، بينما بلغت نسبة الأصناف غير المتوفرة من المستهلكات الطبية أكثر من 71%.
ولفت إلى تراجع قدرات غرف العمليات والعناية المركزة نتيجة اختفاء 39% من الأدوية اللازمة لها، كما فقدت المستشفيات 56% من أدوية علاج مرضى الكلى و74% من أدوية السرطان وأمراض الدم، إضافة إلى توقف شبه كامل لعمليات القلب المفتوح، وجزء واسع من جراحات العظام التخصصية.
وأوضح حلس أن أكثر من 67% من مستلزمات غسيل الكلى غير متوفرة، مما أدى إلى تقليص عدد الجلسات ووقف بعضها، وهو ما يهدد حياة المرضى بشكل مباشر.
بدائل صعبة
ويوثق المواطن محمد صالح رحلة المشقة والمعاناة في توفير علاج الأعصاب لابنته “أريج” 7 سنوات المصابة بضمور خَلقي في المخ بالقول: “لم أترك شارع ولازقاق في غزة إلا مشيت فيه بحثاً عن صيدلية، أو نقطة طبية، أو حتى بسطة لبيع الأدوية لتوفير علاج بنتي لكن دون جدوى”.
ويضيف:” وصل بي الحال إلى خيار خيالي وصعب للغاية، وهو البحث لأيام طويلة وبمعدات بدائية بين حُطام منزلي المدمر بفعل الحرب عن صندوق الأدوية الذي تركناه في المنزل قبل أن ننزح من شدة القصف إلى منطقة مواصي خانيونس جنوب قطاع غزة”.
ويتابع:” بعد جهد جهيد وجدت الدواء منتهي الصلاحية منذ أكثر من 4 أشهر، وتواصلت مع الطبيب المعالج لأريج، وأبلغني بإعطائها الدواء مجبراً في ظل عدم توفره وانعدام البدائل، وحاجة بنتي الملحة له، بعد أن كانت أيام طويلة لا تنام من شدة الألم، والتشنجات العصبية التي تعاني منها، ونحن نبكي قهراً وألماً على عجزنا لتوفير أي شيء يخفف من أوجاعها”.
ويكمل صالح حديثه: “الآن بعد مرور شهرين نقترب من مرحلة الخطر فالدواء على وشك النفاد في ظل عدم توفر أي بديل بفعل إغلاق المعابر وعدم إدخال الأدوية إلى قطاع غزة منذ بداية الحرب”.
ويناشد صالح المؤسسات الدولية بالتحرك العاجل لرفع الحصار عن غزة، وإدخال الأدوية، ووقف المقتلة بحق المرضى الأبرياء على حد تعبيره.
الموت البطيء
بدوره قال مدير عام وزارة الصحة في غزة، د. منير البرش:” إن 350 ألف إنسان مصاب بأمراض مزمنة كالسكري والضغط والربو وأمراض الدم الوراثية وغيرها، يعانون الأمرين جراء عدم توفر الأدوية الأساسية لهم وبعض الحالات الصحية تدهورت بسرعة ووصلت إلى حد مفارقة الحياة”.
وأضاف البرش:” 12500 مريض بالسرطان يواجهون الموت المحقق بفعل عدم توفر العلاجات الخاصة، وجرعات الكيماوي، وجلسات الاشعاع الطبي، والمسكنات اللازمة للتخفيف من آلامهم”، لافتاً إلى أن 64% من الأدوية الخاصة بعلاج مرضى السرطان نفدت، كما أن أجهزة التشخيص والكشف المبكر عن الأورام تعمد الاحتلال تدميرها خلال عمليات القصف والاقتحام البري لمدن ومحافظات قطاع غزة.
وفيما يخص ملف التحويلات الطبية والعلاج في الخارج أشار البرش، إلى أن 1000 مريض فارقوا الحياة خلال انتظار فتح معبر رفح البري، مؤكداً أن 22 ألف مريض، و170 ألف جريح خلال الحرب بحاجة ماسة إلى علاج فوري خارج قطاع غزة.
ولفت مدير عام وزارة الصحة في غزة إلى أن ملفات المرضى أضحت في عهدة الأمم المتحدة، ومنظمة الصحة العالمية، كجهات دولية مخولة باتخاذ اجراءات التنسيق مع الاحتلال واجلاؤهم عبر المعابر المغلقة منذ أكثر من عامين على التوالي ليخرجوا لتلقي العلاج المطلوب.
حرمان تحت وطأة الضرورة
ويعبر حامد موسى 65 عاماً المصاب بمرض السكري، وارتفاع ضغط الدم عن قهره الشديد من عدم حصوله على أدويته من المستوصف الطبي التابع لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين “الأونروا” القريب من مكان سكنه.
ويفيد موسى: “كنا قبل الحرب نستلم الأدوية بشكل منتظم ومطلع كل شهر، والأمر سهل للغاية إضافة إلى الكشف الطبي الدوري من قبل الكوادر الطبية في عيادة الأونروا، لكن اليوم لا نستطيع الحصول على أي علاج حتى لو كان مسكن لآلم الصداع، وحياتنا تحولت إلى جحيم لا يطاق.
ويضيف موسى: “التجويع الذي مارسه الاحتلال بحق أهالي قطاع غزة خلال شهور الحرب الطويلة كان بمثابة نقمة على عموم الناس، ونعمة لنا كمرضى فأنا لأشهر طويلة لم أستلم علاج الضغط نظراً لعدم توفره، إضافة إلى أني كنت أتناول مجبراً وجبة واحدة فقط في اليوم بفعل المجاعة، وهذه الوجبة خالية من الأملاح ، والدسم والسعرات الحرارية، ولا تؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم”.
واتهمت منظمة العفو الدولية في تقرير صادر عنها في شهر أغسطس من عام 2025 أن إسرائيل تنتهج سياسة التجويع الممنهجة بحق أهالي قطاع غزة، فيما حذرت الأمم المتحدة من أن القطاع بات على شفى مجاعة وشيكة.
ويتابع: ” في ظل منع الدواء، وعدم توفره أتعامل مع أمراضي بالحرمان، وعدم تناول كثير من الأطعمة التي أشتهيها خوفاً من ارتفاع الضغط أو ارتفاع منسوب السكر في الدم، فأنا أشتهي كثير من الأكلات لكن خوفي من تدهور حالتي الصحية يجعلني أفضل الحرمان والجوع على الأكل”.
جراحة بدون تخدير
ويوثق د. فادي لبد أخصائي التخدير والعناية المركزة في مجمع الصحابة الطبي حالات صعبة تعامل معها خلال الأيام الأخيرة في ظل الواقع الكارثي والمأساوي المتمثل في نقص المسكنات، ومواد التخدير اللازمة لإجراء العمليات الجراحية المركبة، والمعقدة.
ويقول د. فادي: “نقص المسكنات والإمكانات الطبية أجبرتنا مؤخراً على التعامل مع الجرحى، والمرضى بتخدير موضعي، وتخدير نصفي، كما أن أصعب وأقسى الحالات التي تعاملت معها خلال الحرب إجراء عمليات بتر للأطراف دون تخدير المريض”.
ويضيف: “عدم توفر الأدوية والمسكنات الطبية اللازمة يؤثر على المريض سلبًا إلى درجة قد تصل حدّ الوفاة، ومن تلك المضاعفات زيادة النشاط العصبي مع ما يصحبه من اختلال بالمؤشرات الحيوية، بالإضافة إلى زيادة استهلاك الأكسجين في القلب والأنسجة وزيادة الخطورة على مرضى القلب”.
معاناة مرضى الكلى
ويواجه مرضى الكلى في غزة أوضاع كارثية بفعل النقص الحاد في أدوية فقر الدم، وتقليص عدد جلسات الغسيل الكلوي الدورية، أو توقفها في بعض الأحيان، لعدم توفر الأجهزة الكافية والطاقة اللازمة لتشغيلها.
وتؤكد وزارة الصحة ارتفاع أعداد الوفيات بين هؤلاء المرضى، بفعل القيود المفروضة على سفرهم لتلقي العلاج في الخارج.
وتناشد “نجاح عبد الهادي” 36 عاماً والمصابة بمرض الكلى المزمن بضرورة تدخل المؤسسات الصحية العالمية للضغط على حكومة الاحتلال لإدخال “حقن إبريكس” الضرورية لها في علاج فقر الدم مؤكدة أنها لم تتلقى هذا المصل وهي وآلاف مرضى الكلى منذ أكثر من 5 أشهر.
وطالبت عبد الهادي منظمة الصحة العالمية بضرورة العمل على خروجها من قطاع غزة لتلقي العلاج في الخارج لافتة إلى أن وضعها الصحي يتدهور يوماً بعد يوم بفعل استمرار إغلاق المعابر.
تدمير ممنهج
وتسببت هجمات الاحتلال الإسرائيلي المتعمدة على المستشفيات والكوادر الطبية في غزة في شلل تام للنظام الصحي، ووفقًا لتقارير صادرة عن منظمة الصحة العالمية، تعرضت المنشآت الصحية وسيارات الإسعاف في غزة منذ 7 أكتوبر 2023 لأكثر من 516 هجومًا منظماً.
وأسفرت تلك الهجمات عن استشهاد أكثر من 1000 من العاملين في المجال الصحي، بينما يقبع حوالي 300 منهم في سجون الاحتلال.
وقصف الاحتلال ما لا يقل عن 164 منشأة صحية، وأخرج 81 مركزًا صحيًا، و38 مستشفى عن الخدمة بالكامل، وأكدت وزارة الصحة أن بين المستشفيات التي تم استهدافها بشكل مباشر من قبل آليات وطائرات الاحتلال: مستشفى الشفاء، المستشفى الإندونيسي، مستشفى القدس، ومستشفى الأهلي العربي (البابتيست).





