أملاك الغائبين في غزة… بين نزوح قسري وفوضى تستبيح البيوت

أملاك الغائبين في غزة… بين نزوح قسري وفوضى تستبيح البيوت
#الحماية_حق #CDMCGAZA

بقلم :سلمى العجلة 

في أعقاب الحرب التي شنها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة في السابع من أكتوبر 2023، لم تتوقف الخسائر عند حدود الأرواح والمباني المدمرة، بل امتدت إلى ما هو أبعد: الحق في الملكية الآمنة. ومع تعطل المحاكم وتفكك المنظومة الإدارية، برزت ظاهرة الاستيلاء على أملاك الغائبين، سواء كانوا مصابين يتلقون العلاج خارج القطاع، أو عائلات اضطرت لمغادرة غزة قسراً. في ظل هذا الواقع، تحوّلت الشقق والمحال التجارية إلى ساحات نزاع مفتوحة، تغيب فيها سلطة القانون، وتعلو قوة الأمر الواقع.

“عدت لأجد غرباء يسكنون بيت عائلتي”
حلا هاني (اسم مستعار)، شابة فلسطينية من غزة، أُصيبت في يناير 2024 بشظايا عميقة في الكبد والطحال إثر قصف استهدف خياماً مجاورة لخيمتهم في مواصي خان يونس، بعدما نزحت عائلتها قسراً من مدينة غزة عقب أوامر الإخلاء التي أجبر بها الاحتلال سكان القطاع على النزوح إلى الجنوب،في ذلك القصف، فقدت حلا والدها وإخوتها الخمسة، ولم ينجُ سواها برفقة والدتها.

نُقلت حلا في تحويلة طبية إلى مصر، حيث أمضت نحو خمسة أشهر بين عمليات جراحية متتالية وعلاج طبيعي طويل. خلال فترة العلاج، تلقت مساعدات مالية من جمعيات داعمة للمصابين، غير أن هذا الدعم تراجع تدريجياً مع خروجها من المستشفى، لتجد نفسها ووالدتها في مواجهة أعباء الغربة دون مصدر دخل ثابت.

تقول حلا: “كنت نظن أن منزلنا في حي تل الهوا، غرب مدينة غزة، قد دُمّر بالكامل، لا سيما مع تصدّر مشاهد القصف لذلك الحي نشرات الأخبار منذ الأيام الأولى للحرب. لقد غادرنا منزلنا من دون أن نعرف مصيره، معتقدين أنه أصبح في عداد الركام.”

ويجدر بالذكر أن نسبة الدمار في حي تل الهوا تفوق 80%، وذلك وفق تصريح سابق لنائب رئيس لجنة حي تل الهوا عماد حرز الله، الذي أشار إلى أن الدمار شمل قطاعات حيوية واسعة، إذ دُمرت نحو 1000 وحدة سكنية بالكامل، بينما تعرضت 13,000 وحدة أخرى لأضرار متفاوتة، منها 5,000 وحدة “بليغة لا تصلح للسكن”.

فيما قدرت تقارير تابعة للأمم المتحدة أن حوالي 92% من المنازل في قطاع غزة تأثرت بالدمار، مع تشريد أكثر من مليون شخص، وكانت أعلى نسب الدمار في مدينة غزة والمناطق الشمالية والوسطى.

وسط هذا الخراب الواسع، كان لحلا نصيب من مفارقة غير متوقعة، بعد إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 وعودة الأهالي تدريجياً، علمت من صديقة لها أن العمارة التي تضم شقتها لا تزال قائمة، موضحةً: “استقبلت الخبر بفرح ممزوج بالأمل، شعرنا أنه رزق قد آتانا من السماء، لم يكن بالحسبان. أصبح بإمكاننا الآن تأجير الشقة لتأمين دخل يعينني ووالدتي في غربتنا.”

وتضيف: “غير أن الصدمة باغتتنا لاحقاً، حين تبيّن أن عائلة أخرى تقطن الشقة وترفض مغادرتها بحجة أنها بلا مأوى، معتبرة أن ‘لا أصحاب لها’.”

ومنذ ذلك الحين، لم تتمكن حلا من استعادة شقتها أو تحصيل بدل انتفاع عنها، في ظل تعطل آلية قضائية فاعلة تنصفها بسبب الحرب، وفقدان كل من كان لها ولوالدتها سنداً يطالب بحقهم، لتبقى عالقة بين خسارة العائلة وتعليق الحق، في معركة جديدة لاستعادة ما تبقى من حياتها، لتختتم حديثها بأسى ممزوج بيأس: “راحوا اللي كانوا رح يجيبولنا حقنا.”

محل في حي الرمال وإيجار يُحصَّل خفية
في حالة مشابهة لعائلة مكوّنة من ستة أفراد غادرت غزة إلى مصر، بدأ أفرادها البحث عن فرص عمل، غير أن ارتفاع الإيجارات وتكاليف المعيشة بالموازاة مع انخفاض الأجور أثقل كاهلهم.

كان رب الأسرة يملك محلاً تجارياً لبيع الأحذية في حي الرمال، وبعد توقف الحرب، ترددت أنباء بأن العمارة التي تضم المحل لم تتعرض لدمار كلي، وعندما أرسل أبناء عمه لمعاينة الموقع، تبيّن أن العمارة سليمة ولم تُهدم.

حاولت العائلة التواصل مع صاحب العمارة لدخول الشقة بغرض تأجيرها وتحويل عائدها للأسرة، إلا أنه تلاعب في البداية مدعياً أن الشقة بها أضرار كثيرة وغير صالحة للسكن، ثم أقر لاحقاً بوجود مستأجرين فيها، وقال إنه “لا يستطيع إخراجهم”.

تقول العائلة إن صاحب العمارة كان يؤجّر المحل ويتقاضى أجرته، بينما يُوهمهم بأنه غير قابل للانتفاع، وأبلغهم لاحقاً أنه لن يُخلي العقار إلا في حال بيعه، لا تأجيره، ما فاقم الخلافات التي لا تزال مستمرة حتى الآن، خاصة وأن العائلة ما زالت تحاول التفاوض واللجوء إلى الحل السلمي.

خذلان العائلة
في شهادة مؤلمة، تروي غادة جمال (اسم مستعار)، مصابة فلسطينية فقدت زوجها وطفلتها الرضيعة في الحرب إثر قصف تعرضوا له خلال نزوحهم من مدينة غزة إلى بيت والد زوجها في النصيرات، وتعرضت لبتر في قدمها.

تقول غادة: “لم أفقد زوجي وابنتي فقط، بل فقدت الإحساس بالأمان كله،خرجت إلى مصر برفقة والدتي لاستكمال العلاج بعد عملية البتر، وكنت أظن أن أقسى ما مر عليّ قد انتهى، لكن فوجئت لاحقاً بأن والد زوجي في غزة قام بتأجير شقتي الزوجية والتصرف في دخلها دون استشارتي أو إبلاغي.”

وتضيف: “لم يصلني من عائلة زوجي أي مبلغ يعينني في غربتي أو يساعدني على تكاليف العلاج، رغم أن الشقة هي مصدر دخلي الوحيد بعد استشهاد زوجي، شعرت أنني أُسلب حقي بصمت، وأنا بعيدة لا أملك وسيلة للاعتراض أو القدرة على فتح نزاع جديد، ظروفي الصحية وغربتي وحاجتي للاستقرار كلها قيود تكبلني.”

تؤكد غادة أن ما يثقل كاهلها لا يقتصر على الخسارة المادية، بل شعور عميق بالخذلان من أقرب الناس إليها، حيث تقول: “كنت أظن أن عائلته ستكون سندي بعد فقده، لا أن أجد نفسي في مواجهة استغلال جديد. أنا لا أطلب أكثر من حقي، لكن لا أملك ترف الدخول في صراع عائلي قد يضاعف أوجاعي.”

تعكس شهادة غادة واقعاً مركّباً تعيشه بعض المصابات، حيث يتقاطع ألم الفقد مع إعاقات دائمة، في ظل فراغ وتعطل قانوني يجعل حقوقهن عرضة للتجاوز، في وقت يكنّ فيه بأمس الحاجة إلى الحماية والدعم.

الإحصاءات الكبرى وتأثيرها على المجتمع

وفق وزارة الصحة في غزة، بلغ عدد الشهداء منذ بداية الحرب حوالي 71,419 شهيداً، مع إصابة أكثر من 171,318 آخرين بحلول أوائل 2026. وتشير التقديرات إلى قرابة 2,613 عائلة تم “محوها بالكامل”، أي فقدت كل أفرادها.

في خضم التحولات العاصفة التي تمر بها غزة، يبرز سؤال العدالة كأحد أكثر الأسئلة إلحاحاً وحساسية، وتؤكد المحامية ملاك السكني أن تعطّل المحاكم لا يعني مجرد تأجيل الجلسات، بل خلق فراغ قانوني أخلّ بميزان الحقوق وأضعف ثقة الناس بالعدالة، بعدما تحوّلت النصوص -على حد قولها- من أدوات مُلزمة إلى وعود مؤجلة التنفيذ، وتصف المشهد بـ”عدالة متعثرة وحقوق معلّقة”، في ظل تجميد آلاف القضايا وغياب المرجعية القضائية الرسمية.

وترى السكني أن أخطر تداعيات هذا الواقع هو صعود منطق القوة والنفوذ لحسم النزاعات أحياناً على حساب المستندات والعقود، كما تحذر من الاعتماد المتزايد على القضاء العشائري كبديل اضطراري معتبرة أنه رغم دوره الاجتماعي، لا يمكن أن يعوّض قضاءً مؤسسياً يضمن المساواة.

وتلفت إلى أن الخلل يبدو أكثر وضوحاً في قضايا الميراث والملكية، حيث يُدفع الطرف الأضعف، وغالباً المرأة، إلى التنازل عن جزء من حقه تحت ضغط اجتماعي يُغلّب الترضية على الإنصاف الكامل.

انهيار النظام القضائي في غزة

في هذا السياق أصدر المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في ديسمبر 2025 تقريراً وثّق فيه حالة الانهيار شبه الكامل للنظام القضائي في قطاع غزة جراء الحرب، حيث أشار التقرير إلى أن القصف الإسرائيلي المكثف على قطاع غزة أدى إلى تدمير المحاكم الشرعية ومكاتب النيابة العامة ووزارة العدل، ما أوقف عمل النظام القضائي وأحال آلاف القضايا إلى تجميد تام. وبيّن التقرير إلى أن الاستهداف لم يقتصر على البنية المادية، بل طال المنظومة العدلية ذاتها، مع فقدان آلاف الملفات، ما خلق فراغاً قانونياً وفجوة عدلية عميقة، وجعل الكثير في حالة قانونية ضبابية تعيق إثبات حقوقهم أو استكمال قضاياهم.

ورغم هذا المشهد، تختتم المحامية ملاك السكني حديثها بأن العدالة، وإن تعثرت، لا تموت؛ فتعطّل المحاكم لا يلغي قيمة الحق، بل يضاعف مسؤولية الدفاع عنه، بوصفه التزاماً مهنياً وأخلاقياً، إلى أن يستعيد كل صاحب حق حقه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى