مشاريع ومبادرات نسائية تُواجه انهيار مقومات الحياة في غزة

أماني شنينو_ غزة
لم ينجُ اقتصاد غزة من الحرب، حيث بلغت معدلات الفقر والبطالة مستويات غير مسبوقة، لتبرز المشاريع والمبادرات النسائية المنزلية كطوق نجاة يحمي مئات الأسر من الانهيار، في ظل إغلاق كبرى المنشآت وتدمير أكثر من 85% من القطاع التجاري وفقاً لـ مركز الإحصاء الفلسطيني (نوفمبر 2025).
وقد قفزت نسبة البطالة إلى أكثر من 80% بعد أن كانت 45% قبل الحرب. وبحسب تقرير “أونكتاد”، محت الحرب أثر 69 عاماً من جهود التنمية البشرية، فيما تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن غزة قد تحتاج لـ 70 عاماً للعودة إلى مستويات ما قبل أكتوبر 2023 دون تدخل دولي ضخم لإعادة الإعمار.
مطبخ في “خيمة”
تقول جيهان حسونة، المعروفة بلقب “الشيف أم حسن” :”قصف الاحتلال بيتي مرتين خلال الحرب، وأسكن حالياً الخيام وأرفض أن أستسلم”.
بدأت رحلة أم حسن (45 عاماً) في عام 2020، حين قررت تحويل موهبتها في الطهي إلى مشروع صغير يسند عائلتها المكونة من 11 فرداً. وبدعم من زوجها وعائلتها، كبر مشروع “مأكولات وحلويات الشيف أم حسن” ليصبح علامة تجارية محلية موثوقة، تشارك في المعارض وتلبي طلبيات المناسبات الكبرى كالأفراح، حتى بدأت تحلم بافتتاح مطعمها الخاص.
لم تكن الحرب تتماهى مع أحلام أم حسن؛ ففي النزوح الأول، فُقد منزلها ومعملها الصغير بكل ما فيه من معدات. لم تستسلم، حصلت على دعم بسيط من مؤسسة داعمة للمشاريع الصغيرة، وبدأت من جديد، ليعاجلها القصف مرة ثانية في نهاية 2024م ويدمر منزلها الثاني وما تبقى لها من أدوات.
تقول أم حسن: “ذهبت المعدات مرتين، لكن الشغف لم يذهب. حتى في أصعب لحظات النزوح، كنت أصنع الكعك والمعمول والقطايف بأبسط الإمكانيات.. لم أفقد الأمل بالله يوماً “
تعيش أم حسن اليوم في خيمة مستقلة بمدينة غزة، وحيث يغيب الغاز أو يرتفع ثمنه ليفوق القدرة، قامت بتحويل فرنها ليعمل على نار الحطب. عادت رائحة المعجنات والكعك لتفوح من تحت القماش، وعادت صفحتها على مواقع التواصل الاجتماعي لتمتلئ برسائل الزبائن الذين اشتاقوا لمذاق طعامها ونظافته الذي “يُصنع من القلب”.
حيث يقوم الاحتلال الإسرائيلي لمرات متكررة، بإغلاق المعابر ومنع دخول غاز الطهي، والسلع الأساسية، في انتهاك صريح للمواثيق الدولية وتفاهمات وقف إطلاق النار.
تؤكد أم حسن أن الجودة ليست في الآلات، بل في النفس والاتقان:” ُواجه تحديات نقص المواد الخام وغلاء الأسعار وغياب الأجهزة اللازمة، لكن ما يدفعني للاستمرار رغم كل ذلك إلحاح الزبائن وثقتهم العالية في جودة وتغليف أطباقها، وأسعى جاهدة لإعادة بناء المشروع ليكون أقوى مما كان قبل الحرب”.
“فن من تحت الركام”
تجمع الفنانة رشا نجم (39 عاماً) بين خبراتها في إدارة الأعمال، الفنون الجميلة، والدعم النفسي لإطلاق مبادرة إنسانية في قطاع غزة، تهدف إلى تحويل بقايا البيوت المدمرة إلى رسائل أمل وصمود.
فكرة المبادرة وأهدافها
تنطلق رشا من رؤية “الركام” كذاكرة وقصص للأطفال، وليس مجرد دمار مادي. تهدف المبادرة إلى: الدعم النفسي: تحويل مشاعر الخوف وفقدان الأمان لدى الأطفال إلى طاقة إبداعية، وإشراك الطفل في التلوين والرسم على الحطام، ليتحول من “ضحية” إلى “صانع للجمال، والتمكين الأخلاقي: حيث ترفض رشا تسويق المعاناة أو استغلال الألم من خلال التصوير والاستعراض الاعلامي، وتركز بدلاً من ذلك على تعزيز ثقة المشاركين بأنفسهم.
يعتمد المشروع على ثلاث مراحل متكاملة: التعامل مع الركام كأثر لتجربة حية، ودمج الحطام في أعمال بصرية تحمل رسائل إيجابية، إرفاق كل عمل فني بقصة تحول الفقد إلى استمرارية، من خلال الرسم والتلوين.
التحديات والطموح
رغم أن المشروع يُدار حالياً بجهد وتمويل شخصي محدود، إلا أن رشا تطمح لإيجاد تمويل مستدام وإطار قانوني يحمي فكرتها. بناء شراكات استراتيجية تخدم الصحة النفسية للأطفال بعيداً عن الاستعراض الإعلامي. وتحويل المبادرة إلى منصة دولية لتدريب الفنانين على العمل في مناطق النزاعات حول العالم.
تحديات المشاريع والأعمال الريادية
يرى محمد مقداد، مدير العمليات في مؤسسة إنقاذ المستقبل الشبابي SYF، أن الطريق من “الفكرة” إلى “السوق” مليء بالعقبات التي تتطلب ما هو أكثر من مجرد الموهبة.
ويُشير إلى أن المؤسسة تسعى إلى سد الفجوة بين المهارة اليدوية والنجاح التجاري، عبر تحويل المواهب إلى أنشطة اقتصادية مدروسة من خلال المسارات التالية:
- التدريب والتطوير الإداري
يركز الدعم على “الاستثمار في العقل الإداري” عبر ثلاثة محاور أساسية:
- التخطيط المالي: تعليم لغة الأرقام، إعداد الميزانيات، والتحليل المالي لضمان الاستدامة.
- بناء الهيكل: وضع خطط عمل منطقية ودراسة احتياجات السوق الفعلية.
- التسويق الرقمي: التدريب على بناء العلامات التجارية، التصوير الاحترافي، وإدارة المتاجر الإلكترونية.
- الدعم اللوجستي والتمويلي
تقديم موارد ملموسة لتجاوز عقبات التأسيس، وتشمل:
- القروض الحسنة: توفير تمويل بدون فوائد ودعم عيني بالمعدات الأساسية (كآلات الخياطة وتجهيزات المطابخ).
- حاضنات الأعمال: توفير مساحات مخصصة للإنتاج وعرض المنتجات للبيع.
- صناعة الفرص والتشبيك
- تدريب السيدات على “فن طرق الأبواب”، والذي يتضمن المهارات الاحترافية لكتابة مقترحات التمويل وتقديمها للجهات المانحة.
ويُشير مقداد إلى أنه تنجح 20%-30% من المشاريع في تحقيق دخل مستقر وتوسيعه، رغم التحديات الاقتصادية، مما يثبت جدوى الاستثمار في المهارات الإدارية بجانب المهارات الفنية.
دور وزارة الاقتصاد
في ظل المشهد الاقتصادي المعقد، تبرز المشاريع الصغيرة والريادية التي تقودها النساء كركيزة أساسية للاقتصاد المنزلي، بحسب المحلل والخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر.
ويُوضح:” أن الحصار لم يكن يوماً عائقاً كلياً أمام إرادة النساء؛ فبالرغم من القيود، انطلقت عشرات المشاريع من داخل المنازل، وتطورت من مبادرات فردية إلى مشاريع متوسطة تشغل عشرات الأيدي العاملة النسائية. إلا أن الحرب الأخيرة جاءت لتقضي على الكثير من هذه النجاحات، مما دفع بمعدلات البطالة العامة للقفز بصورة مُضاعفة”.
ويؤكد أبو قمر أن ما يميز المشاريع النسائية هو قدرتها الفائقة على “التأقلم”؛ حيث نجحت لسنوات في تجاوز إغلاق المعابر عبر الاعتماد على موارد محلية، لا سيما في قطاعات المعجنات، الخياطة، والتطريز، وهي مجالات لا تتطلب مواد خام معقدة من الخارج.
ويضيف: “المطلوب اليوم هو تفعيل دور وزارة الاقتصاد ودائرة شؤون المرأة لإيجاد أسواق ترويجية لهذه المنتجات، بما يعزز الإنتاجية ويفتح بيوتاً مستورة، خاصة في ظل وصول معدلات الفقر إلى مستويات قياسية تتجاوز 90%”.
وحول السياسات المالية الحالية، ينتقد أبو قمر غياب الحوافز الحقيقية، مؤكداً أن مجرد “الإعفاء من الضرائب” في وقت الحرب ليس كافياً لضمان صمود هذه المشاريع. فالمشاريع الصغيرة لا يمكنها البقاء دون دعم مادي مباشر، خاصة وأن أغلب التمويل الدولي والمحلي اتجه مؤخراً نحو “العمل الإغاثي الطارئ” (الطعام والمأوى) على حساب المشاريع التنموية والريادية.
قبل الحرب، كانت المبادرات النسائية تشكل أكثر من 23% من إجمالي المشاريع الصغيرة والمبادرات، سواء عبر الجمعيات أو المنح الحكومية. ولكن، وبسبب ظروف الحرب القسرية، انخفضت هذه النسبة بشكل حاد، نتيجة تغير الأولويات الاقتصادية ونمط الاستهلاك لدى الأسر.
ويختتم الخبير الاقتصادي حديثه بالإشارة إلى أن التضرر لم يقتصر على قطاع بعينه، بل شمل مجمل الحالة الاقتصادية، مما يستوجب إعادة النظر في آليات دعم صمود النساء اقتصادياً باعتبارهن المحرك الأساسي للاقتصاد المحلي في أصعب الظروف.
أدت الحرب المستمرة من قبل الاحتلال الإسرائيلي، إلى تدمير ممنهج للبنية التحتية الاقتصادية في غزة؛ حيث توقفت غالبية من المنشآت الاقتصادية والمصانع والورش الحرفية عن العمل تماماً. ووفقاً لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، انهار الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تجاوزت 84%، ما حوّل القطاع من اقتصاد يحاول الصمود إلى منطقة تعتمد كلياً على الإغاثة الطارئة وسط فقدان تام للسيولة النقدية والقدرة الشرائية.






