في حضن مستشفى الرنتيسي.. معاناة الأمهات وأطفال غزة في مواجهة قسوة الشتاء

في حضن مستشفى الرنتيسي.. معاناة الأمهات واطفال غزة في مواجهة قسوة الشتاء
#لحماية_حق #cdmcgaza

غزة – هبة ابو عقلين 

في أروقة مستشفى الرنتيسي للأطفال شمال غزة، تتضافر معاناة المرضى وذويهم مع واقع إنساني متردٍ بعد عامين من الحرب، وتشير تقديرات الجهات الإنسانية إلى أن غالبية المدنيين يقيمون في خيام وملاجئ مؤقتة، بعد ان دمرت بيوتهم ،ويواجهون صعوبات متزايدة مع اشتداد موجات البرد ونقص الخدمات الأساسية.

كما لاحظ مركز التنمية والإعلام المجتمعي  أثناء زيارته للمستشفى بتكرار مشاهد الأمهات الحاملات بأطفالهن بأذرع مرتجفة، تملأ الممرات بأصوات السعال والتنفس المتقطع، كما تبين أن الشتاء القارس يفرض وجوده بقسوة على أجساد صغيرة أضعف من أن تصمد .

وتعكس الإحصائيات الرسمية تأثير الشتاء القاسي على صحة الأطفال في غزة، إذ أفادت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) بأن برد الشتاء يزيد خطر الإصابة بالعدوى التنفسية وأمراض الجهاز التنفسي لدى الأطفال الذين يعيشون في مساكن مؤقتة وغير معزولة، خاصة مع ضعف الخدمات الصحية والملاجئ البدائية، مع تسجيل حالات وفاة بين الأطفال نتيجة انخفاض حرارة الجسم في ظل أوضاع مأوى غير آمنة.

تجلس الأم إيمان أبو نصر (23 عامًا) على طرف ممر بارد داخل مستشفى الرنتيسي للأطفال شمال غزة، تمسك بيد طفلتها ريتال (9 أشهر)، وقد بدا التعب والإرهاق على ملامحها بعد أيام طويلة من المبيت المستمر بجانب سرير صغير محاط بالأجهزة الطبية.

تقول إيمان إن الطفلة تعاني من التهاب صدري حاد منذ أسبوع كامل، وتزداد حالتها سوءًا مع كل انخفاض في درجات الحرارة خلال فصل الشتاء.

وتوضح إيمان أن الأسرة نزحت منذ الأيام الأولى لاندلاع الحرب على غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023  من قبل الاحتلال الاسرائيلي وتدمير منزلهم في حيِّ النصر، وأنهم يعيشون الآن في خيمة عجزت عن تجاوز 6 أمتار مربعة تضم اربعة أفراد، في منطقة قريبة من ميناء غزة وعلى مقربة من الشاطئ، ما يجعلهم أكثر تأثرًا بالرياح الباردة والرطوبة التي ترفع إحساس البرودة.

وتضيف: “الخيمة ضيقة جدًا، لا تزيد مساحتها عن مساحة غرفة صغيرة، ننام جميعنا فيها… عندما تهب الرياح القادمة من البحر نشعر بالبرد حتى داخل الخيمة، ولا يوجد بطانيات كافية

إيمان، التي كانت تواجه التحديات وحيدة في البداية بعد اعتقال زوجها فايز أبو نصر لأكثر من عام، وجدت نفسها عاجزة عن تأمين أبسط مقومات الحياة لابنتها، خاصة الدفء والحماية من برد الشتاء القارس،

بعد الإفراج عنه، لم يخفف الأمر من صعوبة حياتهم اليومية، إذ أصبح عليها مشاركة زوجها مسؤوليات البقاء في الخيمة الضيقة، توفير الطعام، وحمل الطفلة المصابة، وسط شح الموارد وانقطاع الكهرباء والمياه.

تقول بصوت خافت مثقل بالهموم: “لا أجد راحة أو نوم، أذهب وأعود إلى المستشفى مع كل منخفض جوي، وكأن البرد يعيد العدوى مرة تلو الأخرى، ومع كل يوم أشعر أن مسؤولياتنا تزداد، حتى بعد عودة زوجي من الأسر.”

هي معاناة تزداد يومًا بعد يوم، حيث لا تجد من يخفف عنها عبء رعاية طفل مريض وسط ظروف قاسية، محاطة بأطفال آخرين يعانون مثل ريتال، في مكان لا يتسع للأمهات ولا يوفر الدفء الكافي، قصة إيمان ليست فقط قصة أم تحارب المرض لأجل طفلتها، بل هي مرآة لمعاناة آلاف الأسر في غزة التي تواجه قسوة الشتاء وسط أزمة إنسانية متصاعدة كما وضحت إيمان. 

وتعاني المستشفيات في قطاع غزة من نقص حاد في الوقود لتشغيل المولدات وأنظمة التدفئة والتبريد، ما يفاقم معاناة المرضى والأسر داخل الأقسام، حسب ما أشارت له تقارير منظمة الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) إلى أن إغلاق المعابر وقيود إدخال الوقود منذ بداية الحرب أدت إلى نفاد مخزون المشتقات النفطية في العديد من المرافق الحيوية في غزة، بما في ذلك المستشفيات، وأن الكميات التي تُسمح بدخولها لا تكفي لتلبية الاحتياجات الأساسية.

ويضيف التقرير أن نقص الغذاء والمساعدات أدى إلى ارتفاع حالات سوء التغذية بين الأطفال، إذ يقدر أن أكثر من 50% من الأطفال تحت سن الخامسة في مناطق النزوح يعانون من نقص التغذية الحاد والمعتدل، وفق تقرير وزارة الصحة الفلسطينية ومنظمة اليونيسف.

بسبب ذلك، دأبت إدارة مستشفى الرنتيسي على العمل بمولدات كهربائية تعمل على فترات محدودة، مما يجعل التدفئة غير كافية خاصة في غرف الإصابات والأمهات اللواتي يقمن بجانب أطفالهن المرضى.

يقول مدير مستشفى الرنتيسي للأطفال في غزة د. جميل سليمان :أن نزلات البرد أصبحت من أبرز الأسباب التي تدفع الأهالي لإحضار أطفالهم إلى المستشفى هذه الفترة، بسبب تدهور ظروف المعيشة داخل الخيام وانعدام التدفئة تمامًا ،الأطفال، خصوصًا الرضع، لا يحتملون هذا البرد، ومع تكرار المنخفضات الجوية، بتنا نشهد تزايدًا كبيرًا في الحالات.

ويضيف : المستشفى يعمل في ظل ظروف قاسية بعد أن تم تدميره ثلاث مرات خلال الحرب، وكان آخرها الأشد، حيث ألقيت علينا روبوتات متفجرة دمرت ثلث المستشفى بشكل كامل، بما في ذلك أجهزة طبية دقيقة نحتاجها لعلاج الأطفال ،ورغم إعادة ترميمه جزئيًا، إلا أننا نواجه يوميًا عجزًا حادًا في الأدوية والتحاليل.

يكمل د. سليمان :ما يحدث خارج المستشفى ينعكس علينا يوميًا؛ الخيام الباردة، سوء التغذية، وانعدام النظافة، كلها عوامل تجعل الأطفال أكثر عرضة للإصابة، وتزيد من تفاقم حالاتهم عند وصولهم إلينا.

كما شاهد CDMC  قسم الحضانة بمستشفى الرنتيسي للأطفال، تتضاعف  فيه معاناة حديثي الولادة في ظل موجات البرد القارس التي تضرب قطاع غزة، ويصل العديد من الأطفال إلى القسم وغالبيتهم يعانون من التهابات صدرية حادة، نتيجة العيش في خيام تفتقر إلى أدنى مقومات الدفء،الأمر الذي يجعل عملية شفائهم أبطأ ويزيد من تعقيد حالتهم الصحية، لا سيما في ظل النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية.

تشير د. ميادة جندية، رئيسة قسم الحضانة في مستشفى الرنتيسي للأطفال، إلى أن هناك ازديادًا ملحوظًا في أعداد الأطفال المرضى، خاصة مع المنخفضات الجوية المتكررة التي تضرب قطاع غزة. وتوضح أن انخفاض درجات الحرارة يجعل مدة شفاء الأطفال أطول، خصوصًا مع النزلات الصدرية الشديدة التي تتطلب علاجًا مكثفًا.

وتضيف د. جندية: “اضطررنا لاستخدام بدائل طبية محدودة جدًا بسبب نقص الأدوية، التي يمنع الاحتلال إدخالها إلى القطاع.”

وتؤكد أن حالات الأطفال المرضى تضاعفت بنسبة 100% مقارنة بفترة ما قبل الحرب، مشددة على أن انعدام التدفئة في الخيام يفاقم وضعهم الصحي، خاصة الأطفال دون عمر الثلاثة أشهر الذين يعتمدون بشكل كبير على حرارة البيئة المحيطة بهم.

أ. هاشم السقا، رئيس قسم خدمات المرضى، يقول: “نستقبل يوميًا بين 250 و300 حالة، أغلبها لأطفال دون العامين يعانون نزلات صدرية والتهابات معوية نتيجة سوء التغذية وظروف الخيام.”

ويحسب وزارة الصحة الفلسطينية ومنظمة اليونيسف، يعاني أكثر من 50% من الأطفال تحت سن الخامسة في مناطق النزوح من نقص التغذية الحاد والمعتدل، نتيجة الحصار ونقص المساعدات الغذائية.

إن ما يحدث في مستشفى الرنتيسي من تدمير متكرر، ونقص في الأدوية، وحرمان الأطفال من الرعاية الصحية، يُعد انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي الإنساني، الذي يؤكد في المادة (18) من اتفاقية جنيف الرابعة على أنه: “تُحترم وتحمى المستشفيات المدنية في جميع الأوقات من قبل الأطراف المتنازعة.” حسب ما ورد في القانون الدولي الإنساني. 

مع استمرار الحرب ونقص الموارد الأساسية، يظل مستشفى الرنتيسي للأطفال في غزة ملاذًا وحيدًا للآلاف من الأطفال النازحين، الذين يعيشون في خيام باردة تفتقر لأدنى مقومات الحياة. 

 بحسب د. جميل سليمان، مدير المستشفى، “كل انخفاض في درجات الحرارة يؤدي إلى زيادة الحالات المرضية للأطفال، ونقص الأدوية والوقود يضاعف من معاناتهم اليومية”. ويشير تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) إلى أن معظم العائلات النازحة تعيش تحت ظروف صعبة، ما يجعل الشتاء في غزة فصلًا قاتمًا بالنسبة للأطفال والأمهات على حد سواء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى