الحرب في غزة تدمر البيئة وتهدد قدرة الأجيال القادمة على التكيف

ميسون كحيل
في خيمة مهترئة نُصبت في ساحة مدرسة تحولت إلى مركز إيواء في مدينة غزة، تعيش أم محمد مع أطفالها منذ اندلاع الحرب في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 بعد أن فقدت منزلها واضطرت للنزوح. إلى جانبها يجلس ياسين (6 أعوام)، الذي كان قبل الحرب طفلًا سليمًا ونشيطًا. اليوم يستيقظ ليلًا على نوبات سعال وضيق في التنفس بسبب الغبار وروائح الحرائق المتصاعدة من الركام، ويعاني حرقانًا متكررًا في عينيه. تقول والدته إن الغبار لا يتوقف، وإن رائحة المواد المحترقة تملأ الهواء حتى الفجر. أما المياه، فبالكاد تكفي للشرب وغالبًا ما تكون مالحة أو عكرة. “صرنا نخاف من الماء كما نخاف من القصف”، تضيف، مشيرة إلى إصابة طفلها أكثر من مرة بإسهال حاد.
في منطقة السرايا وسط المدينة، تعيش فدوى المصري، النازحة من بيت حانون، تجربة مشابهة. تقول وهي تمسح دموع ابنها جميل (5 أعوام): “احمرت عيناه قبل أسابيع، ثم ظهرت التهابات مؤلمة جعلته يبكي باستمرار. يعاني حكة وضعفًا في النظر، وأنا أيضًا أشعر بحرقة بسبب الغبار والدخان. لا يتوفر علاج مناسب، وإن وجد فهو مكلف.”
وتقول إسلام ماجد (36 عامًا)، وهي نازحة من شمال غزة وتقيم في مدينة دير البلح، إن ابنتها لميس تعاني منذ أسابيع من طفح جلدي وحكة شديدة نتيجة انتشار الحشرات في المخيم. وتشير إلى أن ابنتها تتأثر بشكل خاص بهذه الظروف في ظل غياب المبيدات ووسائل الوقاية.
قصص هذه الأسر تعكس واقعًا بيئيًا وصحيًا يتجاوز الخسائر المادية. ويوضح الدكتور سعيد السعودي، مختص الصحة العامة في مستشفى الحلو الدولي، أن آثار الحرب طالت البيئة الطبيعية وموارد الحياة الأساسية، ما يهدد الصحة العامة على المدى الطويل.
يؤكد البروفيسور عبد الفتاح عبدربه أستاذ العلوم البيئية والبحرية في الجامعة الإسلامية، بغزة، أن الحرب التي استمرت أكثر من سنتين تشكل حربًا بيئية وزراعية بامتياز، إذ نتج عنها أكثر من 60 مليون طن من الركام بفعل القصف والتجريف والتدمير الممنهج للبيئة الفلسطينية. هذا الركام لا يمثل مجرد أنقاض مرئية، بل يشكل عبئًا طويل الأمد على التربة والإنسان معًا.
ويشير عبدربه إلى أن تدمير المناطق الشمالية والجنوبية والشرقية أجبر السكان على التكدس في مناطق محدودة، ما زاد الضغط على الموارد والخدمات، بينما أصبح الركام والمباني المدمرة جزءًا من المشهد اليومي، مثقلًا الحالة النفسية والاجتماعية للسكان.
وبحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، بلغ عدد النازحين في قطاع غزة نحو مليوني نسمة حتى 22 فبراير/شباط 2026. ويعود هذا النزوح الجماعي إلى العدوان الإسرائيلي الذي أدى إلى تدمير واسع للمنازل والبنية التحتية، حيث فقدت مئات الآلاف من الأسر مساكنها واضطرت إلى اللجوء إلى خيام أو مراكز إيواء مؤقتة.
ويضيف عبدربه أن الركام يضر بالبنية الفيزيائية والكيميائية للتربة ويؤثر على خصوبتها، ما يضعف الإنتاج الزراعي ويزيد خطر التصحر. كما يلفت إلى أن القصف والحرائق أطلقا غازات خطيرة مثل الميثان وأكاسيد النيتروجين وأكاسيد الكربون، وهي غازات تسهم في الاحتباس الحراري وتغير المناخ، مع ما يرافق ذلك من ارتفاع درجات الحرارة وتذبذب أنماط الأمطار.
ويشرح أن هذه الانبعاثات، إلى جانب الجسيمات الدقيقة، تؤثر على طبقة الأوزون وتزيد من خطر التعرض للأشعة فوق البنفسجية، وما قد يترتب عليها من طفرات جينية وأمراض سرطانية. كما أن فقدان المساحات الخضراء يقلل من قدرة البيئة على امتصاص الكربون وتلطيف الحرارة، ما يجعل السكان أكثر هشاشة أمام موجات الحر الشديدة.
ويحذر من أن البيئة البحرية تعرضت لتدهور ملحوظ، سواء بسبب تسرب الملوثات أو اضطراب النظام البيئي، ما قد يؤدي إلى دخول أنواع بحرية جديدة تنافس الأنواع المحلية، مهددًا التنوع البيولوجي ومصدر رزق الصيادين.
ويخلص عبدربه إلى أن إعادة تأهيل التربة عملية معقدة تحتاج سنوات طويلة، وتتطلب تدخلات خارجية تشمل إزالة الملوثات وفصل الركام عن التربة، وإجراء فحوصات مخبرية لضمان إمكانية استعادة جزء من الإنتاج الزراعي مستقبلًا.
ويقول المهندس سعيد العكلوك، رئيس قسم مراقبة المياه والبيئة في وزارة الصحة، إن نصيب الفرد اليومي تراجع من 84.5 لترًا إلى 7–8 لترات فقط، بعد تدمير أكثر من 80% من مصادر مياه الشرب وأضرار واسعة في الشبكات ومحطات الضخ.
ويؤكد أن الأزمة لا تتعلق بندرة المياه فقط، بل بتدهور جودتها، مشيرًا إلى ارتفاع الملوثات الكيميائية والميكروبية، بينها معادن ثقيلة ومخلفات متفجرات، إضافة إلى اختلاط مياه الصرف بالخزان الجوفي.
ويضيف العكلوك أن وزارة الصحة سجلت أكثر من 140 ألف إصابة، بينها آلاف حالات الإسهال الحاد، إلى جانب مئات آلاف الأعراض المرتبطة بتلوث المياه منذ بداية الحرب، محذرًا من أن استمرار تدهور الخزان الجوفي ينذر بأزمة صحية أوسع.
وبحسب برنامج الأمم المتحدة للبيئة في تقريره الصادر في 23 سبتمبر/أيلول 2025، تراجعت سعة خزانات التخزين ومحطات الضخ في غزة بنسبة 84%، ولم يتبق سوى 9 محطات عاملة من أصل 54 (3 فقط سليمة)، فيما انخفضت قدرة تحلية المياه إلى نحو 31% من مستويات أكتوبر 2023، مع قدرة تشغيلية نظرية قد تصل إلى 58% في حال توفر الطاقة، ولا تعمل أي محطة لمعالجة مياه الصرف الصحي حاليًا. وأدى ذلك إلى تفاقم تلوث المياه الجوفية والبيئة الساحلية وارتفاع مخاطر الأمراض المعدية.
كما تشير تقييمات الاستشعار عن بُعد التي أوردها برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أنه بحلول مايو/أيار 2025 تضررت 97.1% من المحاصيل الشجرية، و82.4% من المحاصيل السنوية، و95.1% من الأراضي الشجرية، و89% من الأراضي العشبية/البور، ما جعل الإنتاج الغذائي على نطاق واسع شبه مستحيل، وفاقم الضغوط البيئية والغذائية على سكان القطاع، وأكد الحاجة الماسة إلى إعادة تأهيل شاملة للبنية التحتية وحماية الموارد الطبيعية لضمان استدامتها مستقبلًا.
ويوضح الدكتور عبدالله أبو سليمان، أخصائي الصحة العامة في مستشفى القدس بغزة، أن البيئة تمثل “البنية التحتية غير المرئية للصحة”، وأن انهيارها يحوّل الضرر الفوري إلى أمراض مزمنة. فالتعرض المستمر للجسيمات الدقيقة والمعادن الثقيلة يرفع معدلات الربو وأمراض القلب وبعض السرطانات، بينما يزيد تلوث المياه من الأمراض المعوية ومخاطر الفشل الكلوي وسوء التغذية، كما يفاقم الغبار التهابات العين لدى الأطفال.
ويحذر من أن سمومًا مثل الرصاص والزئبق قد تبقى كامنة لسنوات قبل أن تظهر في شكل اضطرابات عصبية ومشكلات إنجابية. ويؤكد أن الأطفال هم الأكثر هشاشة صحيًا ونفسيًا، مضيفًا أن الحرب قد تنتهي عسكريًا، لكنها تبقى بيولوجيًا في أجساد الناس لسنوات طويلة.
وقال مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ألكسندر دي كرو في حوار مع الصحفيين، مؤكّدًا أن نحو 90% من سكان غزة يعيشون اليوم وسط الأنقاض، وهو وضع بالغ الخطورة من الناحية الصحية والبيئية، خاصة مع وجود أسلحة غير منفجرة تهدد حياة المدنيين.
فقد أظهرت صور أقمار صناعية حديثة حللتها خدمة الأمم المتحدة للأقمار الصناعية (UNOSAT)، وهي برنامج تابع لمعهد الأمم المتحدة للتدريب والبحث متخصص في تحليل صور الفضاء لدعم العمل الإنساني، أن نحو 81% من مباني قطاع غزة تعرضت لأضرار متفاوتة حتى 11 أكتوبر/تشرين الأول 2025.






