في زمن الحرب.. أمل وعبير ترويان مأساة الزواج المبكر بغزة

مرح الوادية
لم يكن في الخيمة ما يوحي بزفاف، مصباح صغير يتدلّى من عمود مهترئ، وفرشة إسفنج رقيقة، وصوت الريح يضرب بقماش، جلست أمل ذات السبعة عشر عامًا، مطأطئة الرأس، لا تعرف إن كانت تنتقل إلى حياة جديدة أم تُسلَّم إلى قدرٍ آخر من الفقد.
نزحت عائلتها سبع مرات منذ بداية حرب الإبادة الإسرائيلية في السابع من أكتوبر لعام 2023، أجبروا على ترك منزلهم في مخيم جباليا شمالي القطاع إلى جنوبه متنقلين بين خانيونس ورفح والزوايدة إلى أن استقروا بدير البلح وسط القطاع.
خسر الأب عمله، بعدما كان عاملًا بإحدى مصانع الشيبسي المحلية بغزة والذي يقع بالمنطقة الصناعية شرقي المدينة بالقرب من الحدود مع الاحتلال.
تآكلت المدّخرات القليلة، وتحولت الفتاة -كما تقول أمها- إلى “همّ إضافي”. فم يحتاج طعامًا، وجسد يحتاج سترًا، وواقع لا يملك سوى حلول قاسية. هكذا بدا الزواج، في نظر العائلة، حلًا اضطراريًا بأن تكون مسؤولة من رجل آخر يتكفل بكل احتياجاتها.
عُقد القران سريعًا، بلا منزل ولا أثاث، وبمراسم زفاف بسيطة على وقع أغان بثت بمكبر صوت وزغاريد خجولة وثوب فلاحي استعارته العروس من إحدى صديقاتها.
تقول أمل وهو اسم مستعار، إنها لم تعرف زوجها إلا فترة بسيطة قبل استشهاده، بالكاد حفظت صوته، أو طريقة جلوسه، أو وعوده الخجولة بحياة “أهدأ بعد الحرب”، عاشت معه شهرين من الزمن قبل أن تقع كارثتها في الـ20 من يونيو لعام 2025.
تشرح: “بعد أسابيع قليلة على زواجنا، تحديدًا شهرين، خرج زوجي أحمد مع آخرين بحثًا عن مساعدات غذائية، ولم يعد. قُتل في قصف استهدف في منطقة نتساريم وسط القطاع. وصلني الخبر قبل الجثمان، وتحولت إلى أرملة قبل أن أعرف معنى الزواج”.
شهد قطاع غزة فترة قاسية تمثلت بمنع دخول المساعدات وإحكام إغلاق المعابر بعد انهيار الهدنة في مارس 2025، لكن ذروة تدهور الوضع الغذائي بحسب تصنيف الأمن الغذائي الدولي IPC، كانت في يوليو وأغسطس 2025، حيث بلغت حالات سوء التغذية الحاد أعلى مستوى لها في أغسطس 2025 ليتم تأكيد المجاعة رسميًا، مع ارتفاع حالات سوء التغذية لدى الأطفال إلى أعلى أرقام مسجلة.
عادت العروس إلى خيمة أهلها، لكن ليس كما خرجت، بل ترتدي ثوب أسود وباسم جديد يسبق عمرها “الأرملة”، إذ لم يخف العبء كما ظنّوا، بل ازداد، عادت كما هي طالبة ثانوية عامة تحت وقف التنفيذ، وأرملة، و”همٌّ” مضاعف تحت مجتمع طحنت الرحمة فيه تحت الإبادة -وفق تعبيرها-.
تُعلق أمل “زوجوني لتخفيف المسؤولية، لكنني عدت لهم بعبء أكبر، مثقلة بالحزن، وبنظرة مجتمع لا يرحم، لم يلتفت أحد لما أشعر، بل صاروا يرون في فرصة للحصول على مساعدة غذائية كوني سُجلت على اسم رجل وصار لي عائلة! وإن قتلت هذه العائلة قبل أن تعيش، لكن هذا ما حدث فعلًا”.
طلاق وبطن تكبر
عبير أحمد وهو اسم مستعار، في الـ18 من عمرها، لم تكن تريد الزواج، لكنها لم تملك رفاهية الرفض. كانت عائلتها قد فقدت منزلها وأحد أبنائها في بداية الحرب على غزة، وتعيش في خيمة تضيق بالناس والهموم. في تلك المساحة الخانقة، تحوّلت هي إلى “عبء صامت”؛ لا تطلب شيئًا، لكن وجودها وحده صار ثقيلًا -كما تقول-.
حين تقدم رجل لخطبتها، بدا الأمر كطوق نجاة وعد بتحمّل المسؤولية، بتخفيف العبء وتأمين “الستر” في زمن الخوف. وافقت العائلة سريعًا، ووافقت هي بصمت.
تقول إنها كانت تحلم بإتمام دراستها وحصولها على شهادة الثانوية العامة على الأقل، وهو ما حرمتها الحرب منه وكذلك الظروف المأساوية التي فرضت عليها بالنزوح ومهامه الشاقة في مساعدة الأسرة.
تخبرنا أنها تزوجت بخيمة وانتقلت للعيش مع عائلته، لا خصوصية ولا مساحة للتفاهم، بدا وقتها منذ اليوم الأول مزدحمًا بمهام النزوح المتعلقة بتعبئة المياه وغسيل الأواني وعجن الخبز وخبزه على نار الحطب، ليس لها ولزوجها فحسب، بل للعائلة كلها كونها انضمت لهذه “المنظومة” وفق وصفها.
الحرب لدى العروس، كانت حاضرة في كل تفصيلة حتى في فترات الهدنة التي مرت في نقص الطعام وفي العصبية التي تمارس عليها من عريسها، ومن الضغوطات اليومية عن تأمين أبسط الاحتياجات حيث بدأت الخلافات مبكرًا.
وتزيد: “واسيت نفسي بأن في الزواج راحة، لكنه كان أشقى مما تصورت، أخبرني زوجي صراحة أنه فعلها لأنها كانت فرصة بما أن الناس تنتظر عريسًا لتزويج بناتها كي يخففوا العبء، والتكاليف قليلة مقارنة بما قبل الحرب! وهذه كانت فرصته لقضاء حاجته”.
وأما عن تكاليف الزواج بالحرب، فلم يعد يطلب من الزوج توفير منزل، بل تكفي الخيمة، لم يعد شرطًا لدى بعض العائلات أن يكون له عملا، بل يكفي أن يدرج اسمه بكشوفات المساعدات! كذلك بالنسبة للمهر، يكفي أن يدفع مبلغًا رمزيًا ولم يعد حفل الزفاف كما كان متعارف عليه قبل الحرب (في قاعة أفراح ووليمة غداء، وزفة للعروسين).
سال دمع عبير التي أخذت تبحث عن منديلًا لتمسحه فلم تجد، بكت كما لو أنها المرة الأولى التي تنفجر فيها قائلة: “تمنيت لو أحدًا استمع لي ولما شعرته في تلك اللحظة، كنت كمجرّد بضاعة رخيصة الثمن في زمن عزّ فيه الرخص! لا أبالغ بالقول إنني حاقدة على كل العالم وأولهم عائلتي”.
بعد ثلاثة أشهر فقط، طُلّقت. خرجت من الخيمة بذات الحقيبة الصغيرة التي دخلت بها، لكن بعد أيام اكتشفت أنها تحمل في رحمها حياة جديدة.
عادت إلى خيمة أهلها مطلّقة وحامل. هذه المرة لم تكن عبئًا وحدها، بل ومعها مستقبل طفل لا يُعرف كيف سيولد ولا أين سيكبر. نظرات القلق سبقت الكلمات، والأسئلة أثقل من الإجابات: من سيعيل؟ من سيتحمّل؟ ومن سينقذ حياة بدأت في قلب حرب؟
ولم تنته القصّة هنا، بل لاحقها لوم لا يزال مستمرًا من قبل عائلتها، بأنها لم تصبر ولم تتحمل غضبه، فكان طلاقها أمر طبيعي؛ أمر تصفه بأن يشقّ أنفاسها، “جعلني أحسد من ماتوا في الحرب مرّة واحدة بنيران الصواريخ على أن أعيش الموت في كل وقت أسمع فيه هذا الهراء” -تعلق-.
الزواج المبكر كحل اضطراري
من جهتها، توضح الأخصائية الاجتماعية ليلى أبو عيشة أن الحرب ومراحل النزوح المتكررة دفعت العديد من الأسر في مخيمات النزوح ومراكز الإيواء للعيش في مساحات ضيقة ومتهالكة، ما أدى مع استمرار الحرب إلى تفشي الفقر المدقع.
وتشير إلى أن بعض المعيلين أو أرباب الأسر يعتقدون أن تزويج الفتيات يخفف عنهم أعباء النزوح والمعيشة، ويرون في الزواج وسيلة لتلبية احتياجات الفتاة عبر زوج قادر على إعالتها. كما يوجد دوافع أخرى، في ظل الفوضى التي تفرضها الحرب، والخوف على الفتاة، ليتم وضعها تحت جناح رجل يتكفل بها ويحمل اسمه.
وترى الأخصائية أن هذه المخاوف تضاف إلى سلسلة الضغوط الاقتصادية، بل قد تكون أكثر إرهاقًا من الدوافع المادية نفسها. ففي حالات الزواج المبكر، يظن الأهالي أحيانًا أن هذا الخيار أفضل للفتاة، سواء من حيث تقليل عدد أفراد الأسرة، أو ضمان أن تعيش مع زوج واحد في خيمة واحدة، وتسجل ضمن عائلة مستقلة، بما قد يضمن لها مستوى معيشيًا أو حصة غذائية أفضل مما لو بقيت مع أسرتها الأصلية.
تؤكد أبو عيشة أن المعيل أو صاحب القرار يجد نفسه مضطرًا لاتخاذ مثل هذه القرارات في ظل الظروف القاسية، لكنها تصفها بأنها مجحفة للإنسانية وظالمة بحق الفتاة، التي لم يكتمل نموها الجسدي بعد ولم تُهيأ نفسيًا أو صحيًا لتكون أمًا في المستقبل.
وتضيف أن الفتاة تُحرم في هذه الظروف من أبسط حقوقها، وعلى رأسها رعاية والديها في مرحلة تكون فيها بأمسّ الحاجة إليهما، ليصبح الزواج هروبًا من قسوة حياة إلى حياة أشد قسوة، ما يفسر حالات الطلاق السريعة أو فقدان الزوج كما حدث في قصص أمل وعبير.
وتشير إلى وجود العديد من البرامج التي تنفذها مؤسسات عاملة في غزة لحماية الطفولة، ويشرف عليها مختصون، مؤكدة أن المسؤولية تقع على عاتق الجهات المجتمعية المحلية إلى جانب المؤسسات، للعمل معًا على توعية المجتمع بخطورة الوضع وآثاره العميقة على الفتيات.
ومن الجدير الإشارة إليه، أن قصتا أمل وعبير ليست استثناءً في غزة، بل نموذج لما تعانيه مئات الفتيات يوميًا. في زمن الحرب، حيث تصبح الفتيات “أعباء” أو أوراق مساعدات، حولت الزواج هنا من خيار إلى مأساة.





