أزمة توفير المياه تثقل كاهل المواطنين في قطاع غزة

محمد لبد
يقضي آلاف المواطنين في قطاع غزة جل يومهم في رحلة شقاء وعناء لتوفير حصتهم اليومية من المياه، فالاحتلال الاسرائيلي عمل بشكل ممنهج على تدمير جميع مصادر المياه، والشبكات، والخزانات الرئيسية التي تغذي مناطق واسعة في قطاع غزة.
ويعاني قطاع غزة قبل حرب الإبادة من نقص حاد في مصادر المياه، إضافة إلى ارتفاع معدلات التلوث، ومحدودية عمل محطات المعالجة والتنقية الأساسية، بالإضافة إلى أزمات الكهرباء والحصار الاسرائيلي المفروض على دخول الأدوات، والمعدات، وقطع الغيار اللازمة لصيانة محطات تحلية مياه البحر، ومحطات معالجة مياه الصرف الصحي المستخدمة في الري الزراعي، أو المياه التي يتم ضخها نحو ساحل البحر الأبيض المتوسط.
وتشتد أزمة المياه الخانقة على سكان المناطق المدمرة بالكامل كحي الشجاعية شرق مدينة غزة، ومخيم جباليا وبلدة بيت لاهيا، ومشروع بيت لاهيا، ومنطقة الكرامة، وحي الشيخ رضوان وغيرها الكثير من المناطق المنكوبة، نظراً لانعدام جميع أشكال الحياة، وعدم توفر أدنى المقومات الأساسية كتوفر آبار المياه الارتوازية أو الشوارع والبنية التحتية لضمان عمل البلديات، ووصول الطواقم المختصة لمساعدة الناس، والعائلات التي تعود إلى أماكن سكناها، وتقبل العيش في خيام لا تقي من حر الصيف، ولا من برد الشتاء في ظل انعدام جميع الخيارات، وغياب البدائل في رحلة الكفاح للبقاء على قيد الحياة.
الحد الأدنى للاحتياج اليومي
ويتحدث محمد البواب 40 عاماً من سكان مدينة غزة عن أزمة المياه التي تزداد سوءًا يومًا بعد يوم قائلاً:” حياتنا أصبحت عبارة عن طوابير من الاذلال والمعاناة فأنا في صراع يومي، واستنزاف من أجل الحصول على الحد الأدنى من المياه التي تكفي لاستخدام عائلتي المكونة من 8 أفراد”.
ويضيف:” رغم أننا نعيش في خيمة وسط ظروف إنسانية كارثية، إلا أن الحد الأدنى من مقومات ما تسمى بالحياة، وهي المياه غير متوفرة ونحصل عليها بشق الأنفس يومياً، فأنا أنتظر في طابور تعبئة مياه الشرب التي تحملها الشاحنات لساعتين فأكثر، وأنا محظوظ جداً لو تمكنت من تعبئة 2 جالون بسعة 40 لتراً يكفينا فقط ليومين على التوالي وفق مبدأ الترشيد الشديد”.
وما يثقل كاهل المواطن الغزي، ويزيد الأمور سوءاً هو أن ينتظر لساعات طويلة في الشارع للحصول على المياه، لكن دون أن يحصل على قطرة مياه واحدة بفعل نفاد الحمولة فهي بالعادة لا تكفي احتياج مئات من المنتظرين في الطابور.
ويتابع: “الهم الأكبر لي يتمثل في تعبئة المياه التي يتم استخدامها في الحمام وغسيل الملابس، وجلي الأواني والنظافة الشخصية، وخلافه فتعبئة الكمية اليومية تحتاج مني قطع مسافة 400 م للوصول إلى أقرب خط مياه للبلدية والذي هو بالعادة ضعيف جداً، وبالكاد تمر خلاله المياه، وأمامه طابور طويل من الناس له بداية وليس له نهاية، فتكون مرغماً على الانتظار، واستهلاك طاقتك في حمل الجالونات، وتوصيلها للخيمة في رحلة عناء يومية عنوانها الشقاء من أجل البقاء”.
حرب التعطيش
وقال المقرر الأممي الخاص بالحق في مياه الشرب والصرف الصحي بيدرو أروخو-أغودو في تصريح صحفي:” إن الاحتلال دمّر نحو 90% من محطات المياه في القطاع منذ بدء العدوان على غزة، محذرًا من كارثة إنسانية وشيكة تهدد حياة المدنيين.
وأكد أن الاحتلال استخدم التعطيش كسلاح ضد سكان غزة عبر استهداف بنية المياه، ومنع دخول الوقود الضروري لتشغيل الآبار ومحطات التحلية، لافتاً إلى أن تلوث المياه يشكّل خطرًا مباشرًا ورئيسياً على مئات آلاف العائلات، وسط مخاوف من تفشي الكوليرا وأمراض قاتلة.
وأضاف: “اتفاق وقف إطلاق النار المعلن في مدينة شرم الشيخ لم يوقف مظاهر الإبادة الجماعية، والأزمة الإنسانية تتفاقم يومًا بعد يوم، مشدداً على أن غزة لاتزال تواجه أزمة عطش خانقة بفعل الحرب والحصار المستمر.
شلل كامل
ووثقت دائرة المياه في بلدية غزة تدمير الاحتلال خلال العدوان 63 بئراً من أصل 85 بئرا كانت تنتج 75% من كميات المياه التي تُضخ عبر الشبكات الرئيسية.
ورصدت الدائرة تعرض 138 آلية تعمل في قطاع المياه للتدمير الكلي، بالإضافة إلى انقطاع الكهرباء والوقود اللذين يشغلان المضخات والمحطات المركزية.
وأكدت أن أزمة المياه تشتد بفعل توقف نحو 80% من آبار المياه عن العمل، وعدم توفر الوقود اللازم لتشغيل الآبار المتبقية، إضافة إلى تقطع فترات ضخ مياه “ميكروت” (شركة مياه إسرائيلية).
وأوضحت أن كميات المياه التي تضح عبر الشبكة تراجعت بشكل كبير، حيث انخفضت من 120 ألف متر مكعب يوميًا قبل الحرب إلى 20 ألف متر مكعب فقط حاليًا، مما يعني عجزاً يصل إلى 85% من الاحتياجات الأساسية.
علاوة على ذلك، لا تتجاوز نسبة التغطية الحالية 25% من المناطق التي تشهد كثافة سكانية مرتفعة، مما يعني أن 3 أرباع المناطق السكنية محرومة تمامًا من وصول المياه عبر الشبكة الرسمية.
مياه بالقطارة
ويقول المواطن أحمد الهندي 39 عاماً:” لا نستطيع مهما سعينا أو حاولنا سوى الحصول على عدة لترات يوميًا (مياه بالقطارة)، أي كمية لا تكفي شخصًا واحدًا ليوم واحد، ومنذ أكثر من عامين على التوالي، ونحن نعيش أزمة المياه الخانقة وصعوبة الحصول عليها”.
ويضيف:” الاحتلال يتفنن في تعذيبنا وقتلنا، فمنذ بداية الحرب أوقف خطوط المياه التي كانت تصل من إسرائيل إلى قطاع غزة، وحرص على تدمير غالبية آبار، وخزانات المياه، كما استهدف بالقصف الجوي المباشر محطات تحلية المياه، وقصف عشرات سيارات نقل المياه، وأخرجها عن الخدمة في رسالة واضحة بأنها حرب بلا محرمات، ومباح فيها استخدام كل الوسائل ومنها حرمان أهل غزة من المياه “سلاح التعطيش”.
ويتابع:” غالبية المياه التي نحصل عليها يومياً غير صالحة للاستخدام الآدمي بفعل انعدام أي وسيلة لمعالجة المياه المستخرجة من الآبار الجوفية، أو الارتوازية نتيجة إجراءات الاحتلال، وحرمان المواطنين من أدنى مقومات الحياة”.
ويأمل الهندي أن تتحرك المؤسسات الدولية، والمنظمات المعنية للضغط على الاحتلال للسماح بدخول جميع الإمكانات، والمعدات لصيانة وتعزيز شبكات المياه وضمان توسيع نطاق وصول المياه إلى جميع المناطق في قطاع غزة المنكوب كحق أساسي للإنسان.
مصادر الطاقة
أما المواطن عادل الحمايدة 55 عاماً، فيقول:” إنه يحصل على المياه من خلال ما يعرف بالبئر الارتوازي “الغاطس” لكن المشكلة الأكبر التي تحرمه من الحصول على المياه تتمثل في أن الغاطس لا يعمل في أيام الشتاء الغائمة، لاعتماده على الطاقة الشمسية البديلة التي لا تنتج طاقة وتكون ضعيفة للغاية في مثل هكذا أجواء”.
ويضيف: “فتوقف الطاقة البديلة يدفعني للبحث عن بدائل أخرى صعبة ومكلفة مالياً، كالسعي للوصول إلى انتظار شاحنات المياه التي يصطف أمام صنابيرها المئات من الأشخاص للحصول على الكمية اليومية المطلوبة، أو أن أكون مجبراً للسير لمسافات طويلة بحثاً عن مصدر مياه أخر، أو خيار مكلف جداً وهو شراء ودفع حمولة شاحنة مياه كاملة وضخها في البراميل التي تحتاجها العائلة، وهذا هو الخيار الأخير الذي نلجأ إليه مجبرين نظراً لارتفاع تكلفته المادية”.
ويؤكد المركز الأورومتوسطي لحقوق الإنسان أن الاحتلال ارتكب خلال الحرب على غزة “جريمة إبادة جماعية مكتملة الأركان” وفق تعريفات القانون الدولي، باستخدام الغذاء والماء والدواء كسلاح حرب، وتدمير 90% من البنية التحتية المدنية، والسيطرة على أكثر من 80% من مساحة القطاع عبر الاجتياح والتهجير القسري، وهي جرائم تندرج ضمن الجرائم ضد الإنسانية.
وتشير إلى أن ما دخل إلى قطاع غزة من وقود منذ وقف إطلاق النار لا يكفي إلا لخمسة أيام فقط من تشغيل معدات فتح الشوارع، وإزالة الركام وخدمات الطوارئ.
مياه ملوثة
ويقطع محمد شعبان 28 عاماً الذي يعيش في مخيم جباليا المدمر بالكامل مسافات بعيدة جداً تصل إلى كيلومترين للحصول على المياه، ويقول: “أعيش في منطقة منكوبة، ومدمرة بالكامل، وأمشي كل صباح وسط الطرق المدمرة وبين أزقة الشوارع التي تعج بركام المنازل المهدمة، لأصل إلى المياه التي تكون في العادة مالحة مثل مياه البحر أو ملوثة، لكننا مضطرون لاستخدامها رغم عدم صلاحيتها نظراً لانعدام البدائل”.
ويوضح شعبان أن عائلته تعودت على أن تقنن وترشد استهلاك المياه قدر الإمكان، حيث أن كل فرد في العائلة يدرك أن لديه كمية محدودة جداً يوميًا سواء كانت للشرب، أو الاستخدام الشخصي.
وانخفض معدل استهلاك الفرد من المياه في غزة من نحو 84.6 لترا يوميًا قبل الحرب، إلى 3 لترات فقط، مما يمثل تراجعا كارثيا مقارنة بالحد الأدنى الذي توصي به منظمة الصحة العالمية في حالات الطوارئ، والمقدر بـ20 لترا يوميًا للفرد خلال الطوارئ.
وانعكس هذا التراجع الحاد بشكل مباشر على النظافة الشخصية ومناعة سكان أهالي قطاع غزة، وأسهم في تفشي الأمراض الجلدية الغريبة، خاصة في أماكن الاكتظاظ مثل مراكز الإيواء ومخيمات النزوح، كما تسبب بأمراض خطيرة ناجمة عن نقص شرب المياه، مثل الجفاف وأمراض الكلى.
تفشي الأمراض المعدية
من ناحيتها حذرت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين “الأونروا”، من تفاقم الأوضاع الصحية في قطاع غزة، نتيجة انعدام المياه النظيفة ومواد النظافة، والاكتظاظ الحاد في الملاجئ، مع انخفاض درجات الحرارة واستمرار الحصار الإسرائيلي.
وطالبت “أونروا” برفع الحصار المفروض على القطاع، والسماح بدخول المساعدات الإنسانية العاجلة، بما فيها مستلزمات النظافة الأساسية، محذّرة من “عواقب صحية وخيمة” تهدد سكان القطاع المحاصر.
وأشارت “أونروا” إلى أن الأطفال في غزة باتوا غير قادرين على الاستحمام بشكل صحيح، في ظل النقص الحاد بالماء والصابون، وهو ما يفاقم من مخاطر تفشي الأمراض المعدية.





