أم وجد هي أم مثل جميع الأمهات في العالم

عبدالله جروان
أم وجد (35 عام) هي أم مثل جميع الأمهات في العالم. كانت تعيش في بيت مستقل في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، قرب أهل زوجها “ربيع”، كرّست وقتها وجهدها لتنظيم بيتها والاعتناء بتربية أولادها الستة تربية مليئة بالتعليم والنظام كما تقول.
حيث ذكرت أنها وضعت جدولاً يجمع بين العلم والترفيه؛ فإلى جانب دراستهم كانوا يمارسون كرة القدم والكاراتيه في نوادي في أوقات مخصصة، إلى جانب هوايات مفيدة أخرى. أما أبوهم فكان يعمل سائق سيارة أجرة ليعيل العائلة.
أضافت أم وجد أنه بحلول السابع من أكتوبر لعام 2023 تغيّر كل شيء، مع بداية الحرب على القطاع فقدت أم وجد البيئة المناسبة لتربية أطفالها، وانقطع الأطفال ومن بينهم أطفالها عن حقّهم في التعليم والترفيه.
قالت أم وجد إن انقطاع أطفالها عن الروتين المعتاد بدأ يؤثر على سلوكياتهم بشكل تدريجي، نتيجة اختلاطهم ببيئة تختلف تماما عن المدارس والمراكز المخصصة للتعليم والترفيه، وتضيف قائلة: «دايما الأولاد بالشارع بيضربوا ولادي».
وبحسب بيانات وزارة التربية والتعليم العالي، فقد دُمِّرت 172 مدرسة حكومية بالكامل وتعرضت 118 مدرسة أخرى للتخريب والتوقف عن العمل، إلى جانب قصف أكثر من 100 مدرسة تابعة للأونروا.
وسط هذا الانهيار، أصبحت أم وجد حامل بطفلها السابع بعد منتصف الحرب. وكانت الولادة قيصريًا في مستشفى العودة بالنصيرات. عادت أم وجد إلى بيتها ولم تكن تتوقع ما ينتظرها.
فوجئت أم وجد بأهل زوجها ينتظرونها في بيتها، وتقول إنها شعرت بنظرات حقد وضغينة تجاهها، وذلك بسبب بعض المشاكل العائلية وتغير سلوكهم وأفعالهم بسبب الحرب.
تصف أم وجد الناس ومن ضمنهم أهل زوجها قائلة: «الحرب غيرت معادن الناس»، بمعنى أنّ الحرب حوّلَت سلوك الناس إلى الأسوأ.
قالت أم وجد أن أهل زوجها اجتمعوا عليها، ضربوها وعنفوها في حضرة أطفالها، وهي امرأة جرحها ما زال ينزف من الولادة، تفاقم وضعها الصحي، فتم تحويلها إلى مستشفى ناصر في مدينة خانيونس بتاريخ 24 يناير 2025.
قام الأطباء بإخبارها أن حالتها هي تسمم حمل، اضطرت أن تبقى في المستشفى، وفي ذلك الوقت كان القطاع يتعرض لهجمات عنيفة، خاصة على مدينة خانيونس.
وأضافت أنه بسبب شدة الضربات والإهمال الطبي لم ينجُ طفلها الذي لم يتجاوز اثني عشر يوماً من حياته؛ وتوفي ابنها.
ذكرت أم وجد أن فقدان هذا الطفل، ورؤية أطفالها لها وهي تتعرض للعنف والإهانة، ترك أثرًا لا يُمحى في نفسها وفي نفس أطفالها وسلوكياتهم.
وقالت أم وجد أنه بعد كل ما تعرضت له من عنف وآلام، وفقدانها لطفلها، إلا أن أهل زوجها هددوها ومنعوها من العودة إلى بيتها.
وبحسب تقديرات الأونروا، فقد أدّى القصف المتواصل واستهداف الأحياء السكنية والبنى التحتية إلى تهجير ما يقارب 1.7 مليون شخص داخل قطاع غزة. اضطرّت آلاف العائلات إلى اللجوء للمدارس ومراكز الإيواء المكتظة وغير المهيّأة للسكن، بعد أن دمّر الاحتلال منازلهم أو جعلها غير صالحة للحياة.
وبحسب تقارير صادرة عن الأمم المتحدة ومكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، فإن القصف الواسع الذي نفّذه الاحتلال أدّى إلى تدمير مئات الآلاف من الوحدات السكنية في قطاع غزة، ما حرم أعدادًا كبيرة من العائلات من منازلها.
ومع الانهيار الاقتصادي وارتفاع تكاليف الإيجار ومواد البناء في ظل الحصار، اضطرت عائلات كثيرة إلى اللجوء للسكن في خيام مؤقتة أو مدارس تابعة لوكالة الأونروا، وهي أماكن لا تتوفر فيها أدنى مقومات السكن الآدمي، لكنها أصبحت الخيار الوحيد للبقاء على قيد الحياة.
اضطرت أم وجد للذهاب إلى مركز إيواء غير مهيأ للسكن، بُنِي قبل الحرب ولم يُكتمل؛ بيئة أقرب إلى العراء من كونها منزلاً. كما وصفتها أم وجد، بيئة غير مناسبة لتربية اطفالها، بالإضافة لافتقاره للخصوصية، اذ قالت في وصفه: «كأنك في الشارع وكل الناس شايفاك».
مركز الإيواء الذي تسكن فيه أم وجد عبارة عن مدرسة أُنشئت قبل الحرب ولم تُستكمل، تقوم على جدران فقط في منتصف أرض خالية، حيث أنها تحتوي فقط على جدران بدون أبواب بدون شبابيك، إضافة الى عدم وجود صرف صحي مهيأ، وذلك يسبب الكثير من المشاكل منها انتشار الحشرات والأمراض الجلدية.
ذكرت أم وجد أنها لم تعد قادرة على تربية أولادها كما كانت سابقًا؛ فظروف مركز الإيواء القاسية، إلى جانب إصابة زوجها بمشكلات عصبية أفقدته القدرة على العمل، أجبرتها على السعي يوميًا لتوفير قوت أطفالها. وتضيف أنها حُرمت من أحد أهم حقوقها كأم، وهو متابعة أطفالها ومراقبة سلوكياتهم، فأصبحوا يقضون ساعات طويلة بعيدًا عنها، بينما تنشغل هي بتأمين مقومات الحياة الأساسية لهم.
وعندما تعود أم وجد إلى أطفالها، تتفاجأ بسلوكيات غير معتادة لم تكن تعرفها فيهم من قبل، مثل الشتم والضرب والعنف في ألعابهم، وغيرها من التصرفات التي لم ترغب يومًا برؤيتها في أولادها، كما تقول.
أحد أبنائها، وجد (11 عام)، الذي كان يحلم أن يصبح غطاسًا في البحر مثل خاله، أصبح الآن يجمع الحطب ليبيع أو ليشتروا به قوت اليوم. وابنتها نورشان (9 أعوام) التي كانت تحلم أن تصبح طبيبة أطفال، أمست تقف في طوابير الحصول على الطعام.
وبحسب تقارير برنامج الأغذية العالمي، فإن الحصار والقصف المستمرّين أدّيا إلى انهيار شبه كامل في منظومة الغذاء داخل قطاع غزة؛ إذ دُمّرت المزارع والمخابز ومخازن الغذاء، وفرضت قيود شديدة على دخول الإمدادات. ومع وصول نحو 2.1 مليون شخص، أي غالبية سكان القطاع، إلى مرحلة انعدام الأمن الغذائي الحاد، اضطُر الناس -أطفالًا وكبارًا- للوقوف ساعات طويلة في طوابير التكيّة ومراكز توزيع الطعام، بحثًا عن وجبة تسدّ جوعهم.
مع استقرارها المؤقت في مركز الإيواء تقول أم وجد إنها لاحظت تغيرات سلوكية محزنة وسيئة على أطفالها، إذ أنهم تغيروا وتحولوا مما كانوا عليه.
تقول: أن ألعابهم انتقلت من رياضة ودراسة إلى محاكاة للعنف وللسلوكيات السيئة التي سادت بفعل الفلتان الأمني؛ تحولت لعبة الغميضة الى السرقة، ولعبة كرة القدم تحولت إلى تقليد ومطاردة لشاحنات المساعدات.
وبحسب تقرير لصحيفة واشنطن بوست، فإن انهيار منظومة الغذاء في غزة دفع الناس إلى مطاردة شاحنات المساعدات رغم مخاطر الطريق، بعد أن أصبحت القوافل تُسرق وتُهاجَم قبل وصولها للمدنيين. لم يعد الطعام يُسلَّم بشكل منظم، فاضطر الجائعون للركض خلف الشاحنات في محاولة للحصول على أي شيء يُبقيهم على قيد الحياة.
وذكرت أم وجد أن سلوك أطفالها اتجه نحو التمرّد؛ فعند محاولتها توبيخهم أو تصحيح ما يفعلونه، كانوا يردّون عليها ببراءة موجعة: «ما كل الناس بتعمل هيك«.
ذكر الأخصائي النفسي الأستاذ زاهر عثمان أن ما تعرض له أهل القطاع هو أمر يفوق التصورات. فالقصف والجوع أثّرا بشكل مباشر على الأطفال، حيث تعرّض العديد منهم لنوبات هلع، إضافة إلى نقص في بعض الفيتامينات نتيجة قلّة الغذاء، فضلًا عن آثار نفسية عميقة انعكست على سلوكهم وتصرفاتهم اليومية.
وقال الأستاذ زاهر أن تعرض الأطفال إلى القصف المتكرر، والجوع، وفقدان الأمان، وإهانة الأهل، وحرمانهم من المدارس، يضعهم في دائرة خطر حقيقية؛ إذ إن تراكم هذه الصدمات دون حماية أو دعم نفسي قد يدفع بعض الأطفال إلى تبنّي سلوكيات عدوانية أو منحرفة، ما يشكّل خطرًا مجتمعيًا على المدى البعيد إذا لم يتم التدخل المبكر.
وأشار أيضًا إلى أن التأثير النفسي على الأطفال والأهالي بات واضحًا جدًا، وهي أزمة تحتاج إلى تدخلات واسعة، من خلال جلسات نفسية فردية وجماعية، وبرامج دعم للأهل، وتدخلات مجتمعية توعوية.
وبحكم عمله كأخصائي نفسي، أجرى الأستاذ زاهر عدة جلسات بسيطة لمساعدة بعض العائلات على التعامل مع سلوكيات أطفالهم، وتقديم نصائح وحلول تسهم في التأثير الإيجابي على الأطفال، إضافة إلى دعم الأهالي نفسيًا عبر جلسات تفريغ نفسي، إلا أن هذه الجهود – كما يقول – تبقى غير كافية.
وأضاف خلال تواصل هاتفي أن الحل الحقيقي يتطلب تضافر الجهود وتكاثفها لمعالجة هذه الأزمة النفسية التي عمّت المجتمع، والتي أدت إلى تغيّر سلوكيات الناس ونفسياتهم، مؤكدًا على أهمية دمج الأطفال والأهالي في جلسات نفسية منتظمة كخطوة أساسية نحو التعافي.





