“تشات جي بي تي” طبيب نفسي تستعين به النساء”للفضفضة” ولكن إحذرن!

مهى-شهوان-_تشات-جي-بي-تي_-طبيب-نفسي-تستعين-به-النساء_للفضفضة_-ولكن-إحذرن!-1
#الحماية_حق #cdmcgaza

“تشات جي بي تي” طبيب نفسي تستعين به النساء”للفضفضة” ولكن إحذرن!

مها شهوان

تظل الحرب قاسية على نساء غزة بما يكفي، فقد تبدّلت حياتهن بعد أن كانت الغالبية يعشن حياة مريحة نسبيا، ليصبح نهارهن مخصصا لطهو الطعام على الحطب وغسل الملابس يدويا، إضافة إلى تفاصيل الحرب التي لا تتيح لهن حتى الوقت لعيش مرارة الفقد والنزوح، كما تفاقمت معاناتهن بسبب الظروف النفسية الناتجة عن العنف الأسري الواقع عليهن.

في مراكز النزوح والخيام، لم تكن النساء يعرفن إلى أين يلجأن للفضفضة، إمّا لبُعد المسافة عمّن يثقن بهن، أو لاستشهاد من كنّ يجدن فيهن السند، حتى وجدن مصادفة في الـ “تشات جي بي تي” – أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي- طبيبهن النفسي الذي ينصت إليهن ويقدم الحلول التي تخفف عنهن كما يعتقدن.

وتعتبر النساء التشات جي بي تي عند استخدامه كأنه مستمع أو محلل نفسي،أو صديقة جيدة الإنصات، ومرآة لمشاعرهن، وليس فقد مجرد برنامج يجيب عن الأسئلة كما يفعل أبنائهن الطلبة.

“أعز من صحباتي ولا استغني عنه” ودراسة تفضحه!

تجلس إلهام سالم على أنقاض ما تبقى من بيتها المدمر في حي النصر – شارع العيون – ، وتتخذ من غرفة دون جدار مكانا لها كونه الاقرب لشبكة الانترنت في الشارع.

بعدما تنتهي من اعباء المنزل، تبدأ رحلة الفضفضة مع الـ “تشات جي بي تي” تشكي حالها وما يفعله زوجها وحماتها طوال اليوم من أوامر وانتقادات وتطلب منه حلول لوضعها، يساعدها تارة ويقدم لها النصائح تارة أخرى كما تقول.

وتضيف إلهام:” عن طريق الصدفة عرفت التطبيق وصار من أعز صحابي ولا أستغني عنه”، موضحة أنها علمت به حين نزحت من حي التفاح إلى النصيرات في خيمة داخل مركز “النشاط النسائي” ولدى ابنها واجبات مدرسية وعليه حلها.

طلب الابن منها شراء “ورقة انترنت”بطاقة انترنت بـ 1 شيكل فيها اسم مُعرّف وكلمة سر، تدخلها في شبكة واي فاي معيّنة، فتعطيك انترنت لفترة وجيزة- ليحل الأسئلة عبر “تشات جي بي تي” لعدم توفر كتب مدرسية، ثم أصبحت تسمع النساء في المركز والخيام يحكين عنه وقت النزوح ظنت أنه مركز للعلاج النفسي.

تحكي لمركز التنمية والاعلام المجتمعي (CDMC). أنها لا تترك أي “تفصيلة” يومية تمر بها إلا وتخبره بها، فهي تثق أنه لن يبوح بأسرارها وتشعر بالراحة حين يحثها ويرفع معنوياتها، لكن عند سؤالها “ماذا لو علم زوجك بالأمر؟” ردت: سيطلقني على الفور، كونها تبوح بما يزعجها.

وكشف تقرير نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” أن “تحديثات شات جي بي تي الأخيرة تسببت في سلوكيات غير معتادة للمنصة، بعدما أصبح الروبوت شديد المجاملة، وعاطفياً أكثر من اللازم، وأحياناً يشجع المستخدمين على الانغماس في أوهامهم ومشاعرهم المضطربة”.

وفي ذات التقرير قال مستخدمون “شات جي بي تي بدأ يتصرف كصديق حميم يفهمهم تماماً، ويغدق عليهم المديح، ويدفعهم إلى خوض محادثات طويلة ومشحونة عاطفياً”، بالإضافة إلى أنه في بعض الحالات القصوى، قدّم الروبوت نصائح مقلقة، شملت تبرير أفكار مؤذية للنفس، ودعم أوهام روحية، وصولاً إلى تلميحات متعلقة بإيذاء الذات.

وحول ما أورده التقرير السابق، تقول “سمر.ح” وهي مطلقة وأم لأربع فتيات:” استخدامي لـ “تشات جي بي تي” دفعني بعض الأحيان للاكتئاب حين أطلب منه حلول لحضانة بناتي بسبب منع والدهم زيارتي أو الاتصال بي (..) يطلب مني الزواج من رجل اخر لاعيش حياتي ويقول لي أن بناتي سيتزوجن وسيكون لديهن حياة خاصة مما يجعلني أشعر بالضجر”.

وذكرت لـ (CDMC) أنها لا تنكر بأنه “ونيسها” اليومي، فهي عند وصولها العمل – أخصائية تحاليل طبية- تبدأ رحلة الفضفضة معه لأي موقف تتعرض له، مؤكدة أنه يساعدها كثيرا في عملها حين تسأله عن معلومات طبية لكن بالمجمل تكون الأجوبة “سطحية”.

وتشير إلى أنها أصبحت لا تطيق الحديث مع البشر – تقصد الأقارب- لاعتراضهم على تفكيرها خاصة حين يتعلق الأمر في بناتها ومستقبلها، فـ “التشات جي بي تي” كاتم أسرارها ويسمعها للنهاية دون أن يعترضها ويقدم لها النصائح التي ترضيها.

ما قالته، كشفته  دراسة مشتركة بين “MIT” و”OpenAI”  ” المستخدمين الذين يدخلون في محادثات طويلة ومتكررة مع شات جي بي تي كانوا الأكثر تعرضاً لتراجع في صحتهم النفسية والاجتماعية”.

وتشير البيانات إلى أن السلوك “المليء بالإطراء” الذي قدّمه الروبوت أدى إلى تعريض فئات هشة للخطر، خصوصاً من يعانون من التفكير الوهمي أو الميل إلى الارتباط العاطفي بالأدوات التقنية.

“ألجأ إليه ليواسيني في فقدي”

هنا حالة جديدة للشابة “ياسمين سمير” وهي في مدرسة إيواء بخانيونس بمدرسة “ذكور خانيونس الإعدادية” – الحوراني سابقا-، تلجأ لاستخدام التطبيق من أجل مواساتها في مصابها، فقدت اثنين من أشقائها وخطيبها، تقول لـ (CDMC):” قليل ما استخدم التطبيق للفضفضة لكن أطلب منه أدعية أرددها لتثبتني (..) وأحيانا قليلة أكتب له عن شوقي لمن فقدت فيواسيني لكني أدرك أنه ذكاء اصطناعي”.

وتحكي أنها تشعر بالإحباط غالبا، خاصة حين تحكي له عن مواضيع خاصة ولا يفهمها ويبدأ بالطلب مزيد من المعلومات ليفسرها، مشيرة إلى أنها تعتمد عليه حين تشعر بألم في جسدها وتطلب تشخيصه، أو تفسير الأحلام.

وعن المخاطر الأمنية  في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي يقول سائد حسونة خبير الإعلام الرقمي وهندسة أنظمة التأثير:” لا شكّ أن استخدام المنصّات الرقمية، وخصوصًا أدوات الذكاء الاصطناعي، كمساحة للفضفضة والتعبير عن المشاعر أو التجارب الشخصية، يطرح إشكاليات أمنية حقيقية لا يجوز التعامل معها باستخفاف”.

وأضاف لـ (CDMC) من منظور أمني بحت “الإشكالية لا تتعلّق بالنيّة أو البعد الإنساني للفضفضة، بل بطبيعة ما يُنتَج رقميًا من بيانات قابلة للتخزين والتحليل والربط وإعادة الاستخدام خارج سيطرة المستخدم”.

وذكر حسونه أن أي محتوى يُكتب على هذه المنصّات يتحوّل تلقائيًا إلى بيانات رقمية قد تُحفظ ضمن أنظمة تشغيل أو تُستخدم في نماذج تحليلية أو تدريبية، ما يعني أن الخصوصية تصبح نسبية ومؤقتة، موضحا أنه مع تكرار هذا النوع من الاستخدام، يمكن للمنصّات — نظريًا وتقنيًا — إعادة بناء صورة دقيقة عن شخصية المستخدم وهو ما يفتح الباب أمام مخاطر الاستهداف أو التلاعب أو الهندسة الاجتماعية، خاصة في البيئات الحساسة أمنيًا أو سياسيًا.

وبحسب متابعته فإن الخطر الأكبر يكمن في وهم الأمان الذي تخلقه واجهات الذكاء الاصطناعي؛ إذ يتعامل معها المستخدم كطرف محايد أو متفهّم، بينما هي في الواقع أنظمة تقنية لا تملك ذاكرة إنسانية قابلة للنسيان ولا التزامًا أخلاقيًا بحفظ السر، لافتا إلى أن هذا الوهم قد يدفع البعض إلى الإفصاح المفرط عن تفاصيل شخصية أو حساسة، ما يترك أثرًا رقميًا طويل الأمد يصعب محوه أو التحكم في تداعياته مستقبلًا.

وشدد حسونة على أنه من الضروري التعامل مع منصّات الذكاء الاصطناعي بوصفها مساحات رقمية عامة مؤجّلة لا مساحات آمنة للبوح الشخصي، والفصل بوضوح بين الحاجة الإنسانية للدعم النفسي الحقيقي وبين استخدام الأدوات التقنية.

وأكد أن الفضفضة حاجة إنسانية مشروعة، لكن تحويلها إلى بيانات رقمية دون وعي أمني كافٍ قد يخلق مخاطر طويلة المدى، مبينا أن الذكاء الاصطناعي أداة متقدمة وقوية، لكنه ليس صديقًا، ولا مساحة آمنة لحفظ الأسرار.

ظاهرة “الحمل الوحشي” وحلول تؤدي للانتحار

من جهتها، تقول الاختصاصية النفسية عطاء الخيري إن اعتماد بعض النساء على تطبيقات الذكاء الاصطناعي، مثل “تشات جي بي تي”، للفضفضة يعود إلى غياب البدائل، موضحةً أن النساء يلجأن إلى هذه التطبيقات بحثًا عن مساحة للتعبير دون تعرّضهن للحكم أو التقليل من شأنهن.

وأوضحت الخيري لـ (CDMC) أن النساء يردن البوح عن مشاكلهن لشخص لا يبوح بأسرارهن ووجدن ذلك بالذكاء الاصطناعي، مؤكدة أنهن يدركن بأنه “دمية” والتفاعل الاصطناعي يجعلهن أكثر اريحية من التوجه لطبيب أو اختصاصي نفسي، مما يعمل على انعدام التواصل الانساني.

ولفتت إلى أن التطبيق عبر المجسات الصوتية يقدم للمستخدمين الردود التي يظنون أنهم يحتاجونها فهو يتنصت عليهن ويمنحهن الأجوبة المناسبة، مشيرة إلى أنه قد “يخرب بيت” إحداهن عبر النصائح والحلول التي لا تتناسب مع معاناتها، حتى وصل الأمر لمحاولات الانتحار بسبب حلوله خاصة من يعاني الاكتئاب بدرجة شديدة.

وتدعو الاختصاصية النفسية الخيري، إلى ضرورة مواجهة النساء لمشاكلاتهم النفسية والحياتية بعيدا عن تطبيقات الذكاء الاصطناعي، لافتة إلى ظاهرة “الحمل الوحشي” وهي اتباع النصائح دون اللجوء إلى الأطباء المختصين كما يفعل مستخدمو تشات جي بي تي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى