الشوارع المدمرة وشح الوقود يعمقان أزمة المواصلات في غزة

محمد لبد
يعاني أهالي قطاع غزة من صعوبة التنقل بين الأماكن بفعل شح الوقود، ودمار البنية التحتية، وندرة السيارات، بالإضافة إلى منع الاحتلال دخول قطع غيار السيارات مما يعيق حركة السكان، ويؤزم الحياة الإنسانية.
وبالرغم من الإعلان عن وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بقيت الأوضاع المعيشية على حالها، بل ازدادت تعقيداً في ظل شح الوقود، وغياب جل الخدمات الأساسية التي يحتاجها النازحين في غزة.
رحلة مشقة يومية
ويكابد محمد العمصي (29 عاماً) مشقة الوصول إلى عمله يومياً من بيته في حي الشيخ رضوان إلى ورشة الحدادة بمنطقة عسقولة بمدينة غزة، ويقول:” قبل الحرب كنت أصل في مدة لا تزيد عن 14 دقيقة، أما الآن فرحلة الذهاب والعودة تستنزف ما يعادل ساعتين من برنامج حياتي اليومي”.
ويضيف: “أنا محظوظ للغاية لو تمكنت من استقلال سيارة، ففي الغالب أركب على متن عربة يجرها حمار، أو توك توك، أو سيارة متهالكة مصحوبة بعربة لا تتوفر فيها أدنى متطلبات السلامة، فطوال الطريق نتمايل، ونشعر بالدوار، والصداع الشديدين، فالطرق معدومة، ومليئة بالحفر، وبقايا أنقاض البيوت المهدمة”.
ويتابع:” الوسائل التي نستقلها غير مريحة، وغير آمنة، وبالرغم من ذلك ندفع تكلفة باهظة تصل في الرحلة الواحدة إلى “دولار ونصف” وهي قيمة مرتفعة جداً مقابل الخدمة التي نحصل عليها، وكل يوم نفاجئ بسعر جديد للمواصلات بفعل ارتفاع سعر الوقود الذي يدخل قطاع غزة بكميات محدودة للغاية”.
أزمات متلاحقة
وأدت الحرب الاسرائيلية على قطاع غزة في 7 أكتوبر من عام 2023، واستمرت لأكثر من عامين على التوالي إلى فقدان عدد كبير من المركبات التي كانت تشكل العمود الفقري لحركة النقل اليومية، كما أن نقص كميات الوقود التي يسمح الاحتلال بدخولها إلى القطاع فاقمت الأزمة وعمقتها.
ويؤكد المكتب الإعلامي الحكومي في غزة في بيان صحفي أن الاحتلال يمنع تدفق الوقود بشكل طبيعي إلى القطاع، ولم يلتزم بما وقّع عليه في اتفاق وقف إطلاق النار، مشيرًا إلى أن ما تم إدخاله منذ 11 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، هو 157 شاحنة سولار فقط من أصل 900 شاحنة، أي بنسبة 17% فقط.
هديل عليان (24 عاماً) تعيش في حي تل الهوى جنوب غرب مدينة غزة مختصة في مجال برمجة المواقع الإلكترونية عن بعد تواجه صعوبة كبيرة في الوصول إلى مقر عملها في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة.
وتقول عليان: “رحلة وصولي للعمل أصبحت معاناة حقيقية، وغالبًا ما أصل متأخرة بسبب أزمة المواصلات، ومؤخراً فقدت كثير من عقود العمل عن بعد بفعل المواصلات، وأزمة الكهرباء، والانترنيت وإلخ من الأزمات التي لا تنتهي في غزة”.
وتضيف:” الأسبوع الماضي كنت مجبرة على الركوب على عربة يجرها باص كبير ومتهالك، وخلال سيرنا في شارع الرشيد على طريق البحر، اصطدمت العربة بحفرة كبيرة مما أدى إلى وقوع الركاب على الأرض، وأصبت في ركبتي، وكدنا نفقد حياتنا بفعل عدم وجود وسائل نقل تتوفر فيها أدنى مقومات السلامة”.
شح الوقود
ويؤكد رئيس بلدية غزة د. يحيى السراج، أن ما وصل طواقم البلدية من وقود لا يغطي الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية، لافتاً إلى أن عشرات الطرق والشوارع بحاجة عاجلة للإصلاح، وإزالة الركام منها لتسهيل حركة تنقل المواطنين.
ويوضح السراج في اتصال خاص بمركز التنمية والاعلام المجتمعي أن البلدية تعاني من نقص حاد في المعدات، والمركبات الهندسية بفعل الحصار، وتعمد الاحتلال استهدافها وتدميرها منذ بداية الحرب على غزة.
ويتابع: “الفرق العاملة تعمل بفعل شح الوقود وفق الأولويات على فتح الطرق الرئيسية فقط، وتأجل الطرق الداخلية الفرعية، الأمر الذي يعيق حركة السير، وسيارات الإسعاف.
المشي على الأقدام
وتفضل مروى البايض 21 عاماً طالبة في كلية التربية بالجامعة الإسلامية السير على الأقدام، والخروج مبكراً من المنزل للوصول إلى الجامعة في ظل صعوبة المواصلات.
وتقول:” أخرج طيلة أيام الأسبوع من منزلي بمخيم الشاطئ غرب مدينة غزة الساعة 7 صباحاً حتى أصل أولى محاضراتي في تمام الساعة 8 ص، وأجبرت على المشي بسبب عدم توفر وسائل النقل وتأخري أكثر من مرة عن قاعات الدراسة، لكن حال توفرت المواصلات رحلة وصولي للجامعة لا تستغرق سوى 14 دقيقة فقط”.
وتضيف:” المشي على الأقدام في ظل ظروف فصل الشتاء، والمنخفضات الجوية العاصفة أمر صعب للغاية فالشوارع تغرق بمياه الأمطار، ومياه الصرف الصحي، وتكثر الحفر، وينتشر بقايا ركام المنازل في كل مكان، لكن نحن مجبرون على هذه الظروف المعقدة كي ننجح ونصل إلى مستقبل أفضل”.
مهنة محفوفة بالمخاطر
ويحاول أهالي غزة توفير بدائل للمواصلات كعربات الكارو، والباصات، والشاحنات المتهالكة التي تفتقر لوسائل الأمان.
ويستذكر السائق طارق جرادة (53 عاماً) واقع المواصلات في غزة قبل الحرب قائلاً:” كل أنواع السيارات كانت متوفرة، وبالإمكان الحصول عليها، لكن حالياً الوضع مأساوي وبالكاد تجد سيارات تصلح للعمل، ونتحايل على هذا الواقع باستخدام سيارات نقل ووسائل غير آمنة، وحياتنا وحياة الركاب في خطر”.
ويضيف:” أعمل كسائق منذ 30 عاماً لكن لم أرى أصعب من هذه الأزمة في حياتي، فقطع غيار السيارات غير متوفرة، ولو ُوجدت فأسعارها فلكية كإطارات السيارات الذي وصل سعر الواحد منها إلى أكثر من 1000 $ في حين أن سعر طقم الإطارات الكامل والمكون من 4 لا يتخطى ثمنه عن 300$ قبل الحرب على غزة، كما أن الوقود مرتفع الثمن وهذه العوامل تنعكس على تكلفة النقل فتثقل كاهل المواطن المطحون أصلاً”.
ويشير جرادة إلى أنه أضاف إلى سيارته عربة غير قانونية لتحميل أكبر عدد من الركاب لضمان تغطية تكاليف الوقود، وقطع الغيار، بعد ارتفاع سعر لتر السولار الواحد إلى نحو (20 دولار) في حين سعره الحقيقي قبل الحرب (2) دولار فقط.
ويصطف عشرات المواطنين على جنبات الطرق، والشوارع الرئيسية في محاولة منهم لاستقلال وسيلة تقلهم إلى وجهتهم، وذو حظ عظيم منهم من يتمكن من ركوب سيارة، أو حتى عربة يجرها حمار، والتي أضحت خلال الحرب الوسيلة الأكثر استخداماً في غزة لعدم حاجتها إلى وقود أو قطع غيار باهظة الثمن.
ويتابع:” بعض السائقين لجأوا إلى استخدام زيت الطهي أو السولار الصناعي المنتج محليًا من بقايا البلاستيك المحترق رغم الأضرار التي قد تلحق بمركباتهم.
بدائل عملية
لجأ العديد من الشباب إلى بدائل عملية كاستخدام الدراجات الهوائية، والنارية، في محاولة منهم لاختصار الوقت، وتجنبب الازدحام الشديد خلال التنقل من مكان إلى آخر”.
خسائر فادحة
وتؤكد وزارة النقل والمواصلات في بيان صحفي وزعته على وسائل الاعلام خلال شهر سبتمبر 2025، أن الخسائر الأولية في قطاع النقل بلغت نحو 2.8 مليار دولار، مع تدمير أكثر من ثلاثة ملايين متر طولي من الطرق.
وتشير إلى أن قوات الاحتلال الاسرائيلي دمرت خلال الحرب نحو 55 ألف مركبة، أي ما يعادل 60 % من المركبات المرخصة في القطاع مما انعكس سلباً على حياة الناس المعقدة في غزة.
وعمدت قوات الاحتلال خلال الحرب على غزة إلى تدمير البنية التحتية في قطاع غزة، كما جرفت الأراضي الزراعية وأبار المياه الرئيسية، وقصفت المدارس، والمشافي، وأخرجتها عن الخدمة في انتهاك واضح وصريح لكافة المواثيق والأعراف الدولية التي تنص على حماية المرافق المدنية، والمقدرات الخدمية العامة.





