موت وخراب ديار… أرامل الشهداء، بين ألم الفقد وظلم الأهالي

موت وخراب ديارأرامل الشهداء، بين ألم الفقد وظلم الأهالي
#الحماية_حق #cdmcgaza

سلمى العجلة

موت وخراب ديار»؛ بهذه الكلمات تختصر دانة عبد الله (25 عامًا) — اسم مستعار — واقعها المأساوي بعد استشهاد زوجها خلال الحرب التي شنها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023. دانة، التي فضّلت عدم الإفصاح عن اسمها الحقيقي خشية التعرض لمشكلات مع عائلة زوجها، تقول إن حياتها انقلبت رأسًا على عقب منذ فقدانه، إذ استُشهد زوجها في الشهر الثاني من اندلاع الحرب.

ومع بداية أوامر إخلاء مدينة غزة، نزحت دانة برفقة زوجها، وهي حامل بجنين في بطنها، إلى جنوب القطاع، وتحديدًا إلى مدينة خان يونس، حيث أقاما في منزل استأجره زوجها ومكثا فيه لمدة شهرين.

تروي دانة لمركز التنمية والإعلام الاجتماعي(CDMC)، والدموع تملأ عينيها، أنها لم تكن تُدرك ثقل الحرب ووحشيتها في بداياتها، إذ كانت منشغلة مع زوجها بالتحضير لاستقبال طفلهما الأول بعد انتظار دام أربعة أعوام. 

تقول دانة “إن زوجي كان يحرص على مرافقتي يوميًا بسيارته التي أهداها لي قبل الحرب وسجّلها باسمي، لنشتري معًا مستلزمات طفلنا المنتظر، حيث كان يعمل زوجي قبل اندلاع الحرب في معمل والده للنجارة،محترفًا في مهنته، قادرًا على تأمين دخلٍ جيّد، ورغم أنه لم يُكمل تعليمه، إلا أن طموحه وحنانه في التعامل معي جعلني أشعر بالأمان وأزداد تعلقًا به يومًا بعد يوم”. 

وفي تلك التفاصيل الصغيرة، كانت فرحتهما تكبر بصمت، حتى امتزجت أحلامهما البسيطة بصوت القصف والدمار الذي كان يحيط بكل شيء، إذ باغت صاروخ البناية التي كانا يقيمان فيها، لتفقد زوجها وحبيب عمرها في لحظة واحدة. 

تخبر دانة أنها لم تستوعب ما جرى إلا عندما أفاقت على سرير المستشفى مصابة بإصابة متوسطة في قدمها، تسببت بجرح عميق أعاق حركتها. وبوجود والدة زوجها إلى جانبها باكية، أدركت أن زوجها قد استشهد. 

وتقول ” أمضيت شهرين كاملين في المستشفى، كانت خلالهما والدة الزوج الشهيد هي مرافقتي ،تعتني بي وبجنيني، كنا نتقاسم معًا ألم الفقد”.

 وتكمل”خلال تلك الفترة، كان والد زوجي يزورني يوميًا، موفّرًا ما يلزمني من طعام وشراب واحتياجات أساسية، في ظل عجز والديّ دانة، وهما من كبار السن، عن الحركة”.

تقول دانة:”طوال فترة وجودي في المستشفى، واصلت والدة زوجي رعايتي والاعتناء بي، ولم أشعر منها أو من زوجها بأي سوء أو نية مقلقة،وحين حان موعد ولادتي، كانت الولادة متعسّرة بعض الشيء بسبب إصابتي، فاضطررت للبقاء أيامًا إضافية في المستشفى حتى تحسّنت حالتي الصحية.،ورغم كل شيء، كنت أنا وأهل زوجي نعيش فرحة قدوم الطفل الجديد، الذي حمل اسم والده وملامحه، وكأن فيه امتدادًا لحياته التي انقطعت”.

وتضيف:”لم يكن في حسباني أبدًا أن يتخلى عني أهل زوجي بعد أيام قليلة من ولادتي، فقد ظلّوا يعتنون بي حتى اللحظة الأخيرة داخل المستشفى، كان الأمر صادمًا وغريبًا عندما أخبرني الأطباء بإمكانية خروجي، لتختفي والدة زوجي فجأة وبإجبار من زوجها،حيث أرسل إليّ والد زوجي ابنه الأصغر ليبلغني أنه سيوصلني إلى منزل أهلي، غادرت معه، لكن شعورًا قاسيًا رافقني؛ إذ لم يودّعني والد زوجي ولا والدته، وكأنني أغادر دون رجعة”.

وتكمل دانة:”وصلت إلى منزل أهلي، ومكثت هناك أكثر من شهر دون أن يزورني أحد من أهل زوجي أو حتى يتواصلوا معي. مرّ شهر آخر ولم نسمع عنهم شيئًا، وكنت أُمنّي نفسي بأنهم لن يتخلوا عني وعن طفلي، الذي ينتمي إليهم لحمًا ودمًا. لكن الأخبار انقطعت تمامًا، قبل أن نعلم لاحقًا أنهم تصرفوا بالسيارة التي أهداني إياها زوجي، من دون علمي أو الرجوع إليّ”.

وتختم بمرارة:” لم أكن قد تعافيت بعد من صدمة فقدان زوجي، حتى وجدت نفسي أمام صدمة أخرى لم أتوقعها؛ صدمة الظلم والخُذلان والتخلّي، في وقت كنت أحمل فيه طفلاً لا ذنب له سوى أنه وُلد يتيمًا”

تقول دانة إن عائلتها حاولت مرارًا التواصل مع أهل زوجها، كما أرسلوا وسطاء في مسعى لاسترداد حقوقها، وعلى رأسها ذهبها الشخصي والسيارة التي أهداها لها زوجها. إلا أن جميع المحاولات باءت بالفشل.

وتضيف: “كان ردّهم أن ظروف الحرب دفعتهم للتصرف بتلك الممتلكات، واعتبروا أنها تعود لابنهم، وبالتالي فهم أحرار في التصرف بها”، مؤكدةً أن هذا الرفض تركها أمام شعور مضاعف بالظلم، في وقت كانت لا تزال تعاني فيه من تبعات الفقد والصدمة.

أما نهلة أحمد _اسم مستعار_ ،فتروي أن زوجها وطفليها استشهدوا في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، فيما نجت هي بإصابة بالغة أودت ببتر يدها اليمنى. تقول: «كنت أُرضع ابنتي لحظة الاستهداف، فاستشهدت بين يدي».

وتتابع أنها حُوّلت لاحقًا لاستكمال العلاج في مصر برفقة شقيقتها، وخلال تلك الفترة كان تواصل أهل زوجها معها محدودًا ونادرًا. وتضيف بمرارة: “بالصدفة البحتة علمت أنهم قاموا بتأجير شقة زوجي، التي اشتراها بعرق جبينه بعد سنوات من الكفاح، حيث شاهدت أختي صوراً لشقتنا تعرض على وسائل التواصل الاجتماعي ترويجاً لتأجيرها”.

وتوضح أن زوجها كان قد ناضل طويلًا للانتقال بها من العيش في غرفة داخل منزل عائلته إلى شقة صغيرة لكنها مستقلة، في بناية غير عائلية، معتبرةً أن التصرف بالشقة تم دون علمها أو الرجوع إليها، في وقت كانت فيه غائبة قسرًا للعلاج، ومثقلة بخسارات لا تُحتمل.

في رواية لا تقل قسوة عن غيرها، تروي أحلام مصطفى – اسم مستعار – قصتها وقد اختارت الصمت طويلاً عن حقها، قائلة: «بعد استشهاد زوجي وبناتي الأربع، إلى جانب والديّ، جرى تحويلي أنا وابنتي ذات الخمس سنوات للعلاج في الخارج.

ومع بدء تعافيي التدريجي من آثار الجراح، حاولت التواصل مع عائلة زوجي في قطاع غزة، طالبةً منهم إرسال مبلغ مالي يعينني وابنتي على أعباء الغربة». وتوضح أحلام أن زوجها كان يملك سوبر ماركت في وسط القطاع، تولّى إدارته عقب استشهاد والده وإخوته، غير أن عائلته استلمت العمل به بعد استشهاده، واستمرت بالانتفاع من عوائده، دون أن تستجيب لطلبها أو تقدّم أي دعم لها أو لطفلتها، رغم علمهم بظروفهما القاسية.

ويجدر بالذكر أن بيانات مركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية تشير(UNOSAT) إلى أن حوالي 69% من مباني قطاع غزة تضررت أو دُمرت جراء القصف الإسرائيلي منذ بداية الحرب في أكتوبر 2023 حتى نهاية عام 2024، بما في ذلك المباني السكنية والمؤسساتية. 

فيما أصدر خبراء الأمم المتحدة بياناً رسمياً  في أبريل 2024 أدانوا فيه تدمير البنية التحتية القضائية في قطاع غزة واستهداف مقرات العمل القانوني، في توثيق دولي مباشر يسلّط الضوء على الأثر العميق للحرب على المؤسسات القانونية، بما في ذلك القضاء ومؤسسات المحاماة.

وأشار الخبراء في ذلك التقرير إلى تدمير مقر نقابة المحامين في غزة بما يحويه من أرشيف قانوني، إضافة إلى تفجير مبنى المحكمة، معتبرين أن هذه الانتهاكات تمثل تهديداً خطيراً لنظام العدالة وتقويضاً مباشراً لحق السكان في الوصول إلى العدالة.

في هذا الشأن تقول المحامية ملاك السكني: “المشهد القضائي في غزة اليوم هو باختصار مشهد عدالة مُعطَّلة وحقوق ضائعة ، إننا لا نتحدث فقط عن ركام مكوَّن من بيوت وحجارة، بل عن ركام في المنظومة القانونية كاملة في غزة، كانت المحاكم الملاذ الأخير للمظلومين أما الآن ف هي أصبحت خارج نطاق الخدمة وهذا ما خلفته حرب الإبادة على غزة”.

وتضيف: “بصفتي محامية، أرى أن غياب المحاكم حوّل الحقوق من نصوص قانونية ملزمة إلى أماني معلقة. تغييب القضاء خلق فراغاً مرعباً استغله أصحاب النفوس الضعيفة، فأصبح الحق لمن يملك القوة أو السطوة العائلية، لا لمن يملك الوثائق والمستندات .. السيادة الآن لقانون الغالب والغلبة للأقوى”.

ووفقا لتقرير الجهاز المركزي للإحصاء، فإن عدد القضايا في المحاكم النظامية في قطاع غزة غير المفصول فيها قد وصل إلى 44 ألف قضية حتى فبراير لعام 2023. 

في هذا السياق تحذّر محامية مختصة من أن قضايا الميراث العالقة في غزة تضاعفت إلى مستويات «مرعبة» منذ اندلاع الحرب، ما ينذر بكارثة قانونية قائمة، مؤكدة أن تعطّل القضاء لا يمثّل إجراءً إدارياً بقدر ما يشكّل حكماً قاسياً على الأرامل اللواتي فقدن المعيل ومصدر الدخل، في ظل الغلاء وانعدام مقومات الحياة. 

وتقول إن “إن تعطل المحاكم منح بعض الورثة ضوءاً أخضر لوضع اليد على الميراث”، محذّرة من أن عودة القضاء قد تكشف عن حقوق “تبخرت”. 

وتضيف :” إن صمت النساء ليس رضاً بل قهراً في ظل موروثات اجتماعية تمييزية أعادت الحرب إحياءها، واستغلال واقع النزوح لفرض تنازلات مقابل المأوى، فالثقافة الذكورية تستغل واقع النزوح والشتات لإجبار النساء على الصمت، عبر مساومات قاسية، ربما مثل مطالبة الأرملة بالتنازل عن حقها مقابل توفير مأوى أو مكان في خيمة أو مركز إيواء.

 مؤكدة أن الحرب «لم تخلق الظلم، بل عرّته وشرعنته»، في وقت يُحرم فيه كثير من الأرامل من حقوقهن بدوافع الطمع وغياب الوازع الأخلاقي، متناسين أنهن أمهات أطفال الشهداء وسندهم الأخير.

وتختتم السكني حديثها بأن الوضع يزداد خطورةً خاصةً أن الوقت المتوقع لعودة عمل المحاكم بشكل طبيعي للنظر في تلك القضايا سيكون طويلاً، من وجهة نظري أعتقد أن العودة الطبيعية للمحاكم قد تستغرق سنوات حيث تقول:”إننا لا نرمم مباني فقط بل نحتاج لاستعادة أرشيفات كاملة ضاعت أو احترقت”

ومن الناحية النفسية تفسر الأخصائية الاجتماعية بسنت الغنيمي ل CDMC صمت كثير من النساء في غزة عن المطالبة بحقوقهن في الميراث بأنه استجابة نفسية قسرية لصدمة مركّبة فرضتها الحرب، وليس خياراً حراً أو قبولاً بالظلم.

وتوضح أن النساء يعشن تحت ضغط فقدان الأحبة، وانعدام الأمان، والخوف من التشرد، ما يدفعهن إلى تفعيل ما يُعرف نفسياً بـ«آليات البقاء»، حيث تُقدَّم السلامة الآنية وتأمين المأوى والغذاء على أي مواجهة قانونية أو اجتماعية.

وتشير الأخصائية إلى أن استغلال هذا الضعف النفسي من قبل بعض أفراد العائلة يفاقم شعور النساء بالعجز والذنب، ويزرع داخلهن قناعة قاسية بأن المطالبة بالحق قد تعني خسارة ما تبقّى من حماية أو دعم. وتضيف أن هذا الصمت، إذا طال، قد يتحول إلى اكتئاب مزمن وشعور بالدونية وفقدان الثقة بالذات وبالعدالة، مؤكدة أن الحرب لم تدمّر البيوت فقط، بل أعادت إنتاج أنماط قهر قديمة عبر إخضاع النساء نفسياً باسم الحاجة والبقاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى