الحمل في غزة معركة صامتة 

الحمل في غزة معركة صامتة 
#الحماية_حق #cdmcgaza

خانيونس – دعاء برهوم

تحولَ الحمل في غزة من فرحٍ إلى خوف دائم، يثقل كاهل الأمهات على أجنة تنمو في بيئة تفتقر لأبسط مقومات الحياة، فلم يعد الرحم موضع طمأنينة، بل أصبح ساحة تُنازع فيها الحياةُ الفناء.

تقول ندى عبد الله 22 عاماً: ” قبل نزوحنا من رفح في مايو/آيار 2024 إلى مواصي خانيونس، عقب اجتياح الجيش الإسرائيلي مدينة رفح وجعلها منطقة عسكرية مغلقة، بأيام معدودة اكتشفت حملي الرابع فرحنا به كثيراً، لكن فرحتنا لم تكتمل، بعدها أجهضت طفلي نتيجة الظروف التي مررت بها، ورجعتنا إلى قرون سابقة من تعبئة جالونات المياه وحملها لمسافات، والغسل على الأيدي، والعيش في خيمة بعد أن هجرنا من بيوتنا إلى مكان يفتقر إلى أدنى مقومات الحياة الطبيعية لسيدة حامل”.

تُكمل ” فوجئت بالحمل مرة أخرى رغم قرارنا تأجيل الإنجاب حتى استقرار الحياة وتحسن الظروف، راودني خوف دائم من آلا يكتمل الحمل وأواجه تجربة الإجهاض مرة أخرى، في الشهر السادس من الحمل عادت الحرب من جديد في مارس/ آذار2025، بعد “هدنة إنسانية” ووقف إطلاق النار في يناير/ كانون الثاني 2025 ، عقب حرب شنها الاحتلال الإسرائيلي في أكتوبر/تشرين الأول 2023 على قطاع غزة.   

تتابع ” عقب انهيار التهدئة في 18مارس / آذار 2025، أغلق الاحتلال المعابر التجارية أدى ذلك إلى نقص حاد في المواد الغذائية تسبب في انتشار المجاعة، اضطررت إلى تقليص وجباتي اليومية، حينها واجهت نقصاً حاداً في الغذاء خلال الشهر الأخير من الحمل انعكس على وزن طفلتي ” سلام”، فكان وزنها لا يتعدى 2كيلو غرام حين وضعتها، فلم أجد أمامي في أيام النفاس إلا الخبز والدُقة ” أكلة شعبية مصنوعة القمح او الدقيق “. 

 لم تكن ندى وحدها خاضت مراحل حملها بمشقة فحسب المتحدثة باسم منظمة الصحة العالمية مارغريت هاريس ان 90‎%‎ من النساء الحوامل والمرضعات في قطاع غزة يعانين من سوء تغذية حاد وعدم حصولهن على العلاج اللازم.

تقول السيدة حنان أبو طعيمة (24 عام) “الحمل في غزة مخاطرة، لعدم توفر البيئة الآمنة للام والطفل، فعند معرفتي بالحمل بعد ثلاث سنوات بكيت كثيراً، خوفاً على الجنين من التشوهات التي خلفتها الحرب نتيجة المواد الكيميائية وأطنان المتفجرات التي سقط على غزة”.

تضيف: ” حرصت عند معرفتي بالحمل بتناول فيتامين ” Folic Acid ” لحماية الجنين خلال تكونه في الأسابيع الأولى، فقط حبة واحدة اسبوعياً لندرة الدواء نتيجة إغلاق الاحتلال المعابر في مارس 2025، فعدم الانتظام في الحصول على الدواء شعرت أن حملي في خطر وقد ينتهي في أي لحظة، فشتان بين حملي الأول والثاني، بين الحياة واللا حياة” 

تتابع حنان: ” مازلت في الشهر الثامن انتظر طفلتي بين خوف وأمل بأن تكون بصحة جيدة، اخبرني الطبيب بوجود مياه حول جمجمة الجنين من الممكن أن تندثر أثناء الولادة، أو اجراء عملية مصغرة للطفلة حين ولادتها وسحب المياه من رأسها”

وحسب بيان وزارة الصحة في غزة كانون ثاني / يناير إلى حزيران / يونيو2025 فقد سجل النظام الصحي في القطاع 67 حالة ولادة بتشوهات خلقية من أصل 17000حالة ولادة”

يقول الدكتور أحمد الفرا رئيس قسم الأطفال بمجمع ناصر الطبي” ان الحرب هي السبب الرئيسي وراء حالات الولادة بتشوهات خلقية، فهي لم تكن موجودة بهذا الحجم قبل الحرب خاصة في عام2022، نتيجة تعرض النساء لاستنشاق غبار وبارود الصواريخ، عدا عن سوء التغذية الذي أثر بشكل مباشر على صحة الأجنة”.

وأضاف: ” انتشار مياه الصرف الصحي نتيجة غياب البنية التحتية، وحفر آبار صرف صحي عشوائية، قرب خيام النزوح زاد من المخاطر الصحية للحوامل، في ظل شح المستهلكات الصحية اللازمة، فالمكملات الغذائية والفيتامينات الضرورية للحوامل مازالت محدودة جدا ما ضاعف من معاناتهن”.

مشيراً إلى أن أعداد المواليد بتشوهات وأوزان غير طبيعية وولادة مبكرة خلال عام 2025 كانت صادمة في قطاع غزة، حيث سجلت وزارة الصحة في غزة ارتفاع في التشوهات والولادة المبكرة تجاوزت 60‎%‎ مقارنة بالحالات الطبيعية، كانعكاسات الحرب.

“تواجه النساء الحوامل في غزة مخاطر متزايدة نتيجة نقص الغذاء والدواء واستمرار النزوح، ووفقاً لتقرير وزارة الصحة في كانون ثاني/يناير 2026 أن المستشفيات سجلت 6,600 حالة وفاة داخل الرحم، و5000 حالة اجهاض قبل الأسبوع ال 24 من الحمل”

في زاوية الخيمة التي تحولت إلى مأوى مؤقت منذ نزوحها من مدينة رفح، تجلس ضحى أبو طه (25عاما) ام لخمسة أطفال على قطعة من البلاستيك غير مستوية، تمسك بيدها كيساً صغيراً بداخله دفتر متابعة الحمل وأشرطة العلاج التي تتناولها بحذر خوفاً من نفاذها، كأنهما الحياة لها.

تتحسس بطنها بيدها برفق، وتتنهد بصوت منخفض الحمل أثقل جسدي النحيل، وفقر الدم زادني مشقة عندما أصبت بسوء التغذية، لا يوجد أمامي إلا طبق العدس، الذي يُعد كنز في أيام حالكة كالظلام، غاب فيها الغذاء الصحي والدواء.

تُعدّ ضحى أيام حملها بالثانية، خوفاً أن تجهض جنينها الذي جاء بعد ثلاث عمليات اجهاض متكررة، تتأرجح بين الخوف والأمل، فكل وجبة صغيرة أو حبة دواء واحدة تعني استمرار حملها.

وبحسب صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA) انخفاض معدل المواليد في غزة بنسبة بلغت 41‎%‎ في النصف الأول من عام 2025 مقارنة بعام 2022، نتيجة الحرب والانهيار الصحي.

ووفقاً لوزارة الصحة في غزة أن عام 2025 شهد 48,500 حالة ولادة نتج عنها 49,180 مولوداً منهم 4900 بأوزان غير طبيعية و4000 ولادة مبكرة.

أشارت الدكتورة ايمان صرصور اخصائية النساء والتوليد ” إلى أن نقص المكملات الغذائية والفيتامينات والمعادن التي تحتاجها النساء الحوامل مثل: حمض الفوليك وأوميغا3 وفيتامين ب12، أدت إلى فقر دم وولادة مبكرة وإجهاضات وتشوهات الأجنة”.

وبينت: إن سوء التغذية التي تعرضت لها الحوامل نتيجة شُح الطعام وانتشار المجاعة في غزة أثرت بشكل كبير على نمو الأجنة وتطورها، لأنها حُرمت عنوةً من العناصر الأساسية للنمو السليم، فغياب الغذاء الصحي المتوازن شكل تهديداً خطيراً للحامل وجنينها.

في حرب الإبادة التي فرضها الاحتلال الإسرائيلي على غزة في أكتوبر 2023م، لم يكتفِ بالقصف والنزوح والتدمير بل صمم آلية ممنهجة للمجاعة الجماعية، وفقاً لمركز الميزان لحقوق الإنسان. 

ففي أغسطس 2025م أفادت منظمة آكشن إيد الدولية أن من بين 40‎%‎ إلى 70‎%‎ من النساء الحوامل والمرضعات يعانين من سوء التغذية، مما يهدد حياتهم وحياة اجنتهن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى