تفصلهنّ الحواجز … دموعٌ في قلبِ أمٍ مطلّقة.. “أريدُ طفلاتي”
تفصلهنّ الحواجز
دموعٌ في قلبِ أمٍ مطلّقة.. “أريدُ طفلاتي”
دير البلح -هيا بشبش:
“مكالمةٌ هاتفيةٌ فقط هي كل ما يربطني الآن بطفلتيّ، لم أراهنّ منذُ بداية الحرب، قلبي يتقطّع ألمًا وخوفًا عليهن، أريدُ طفلاتي”.
بهذهِ الكلمات استهلّت الشابة ديانا العطار (28 عامًا) حديثها، ثم انخرطت في بكاء عميق وهي تقلّب على هاتفها النقّال؛ صورًا لطفلتيها مريم (9 أعوام)، وعائشة (8 أعوام)، عندما كانوا بحضنِها قبل أن تفرّقهم الحرب، بعدما نزحت هي مع عائلتها إلى جنوب قطاع غزة، وبقيت طفلتيها مع والداهن في شمالِه!
ديانا العطار، شابّةٌ كانت تعيشُ في منطقة معسكر جباليا شمال قطاع غزة، هي مطلّقة وحاضنة لطفلتيها بموجب القانون الفلسطيني، وكانوا معها عندها اندلعت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة يوم 7أكتوبر/ تشرين الأول 2023م، وظلّوا معها مدة (41 يومًا) خلال الحرب.
حين قررت ديانا وعائلتها النزوح إلى جنوب قطاع غزة، بعد التهديدات الإسرائيلية المتكررة لسكّان شمال قطاع غزة، وإجبارهم على النزوح إلى جنوبه، رفض والد الفتيات نزوحهن، وأصرّ على إبقائهن معه، لكنه استشهد هو وشقيقه، وبقيت الطفلتان في رعاية جدتهن.
وسط خيمة مصنوعة من النايلون والقماش، بمدينة دير البلح وسط قطاع غزة، تجلس ديانا في حالةِ حزن دائم، تروي: “نزحت مع عائلتي يوم 30 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023م، بعدما تعرّض منزلنا لقصفٍ أدى لاستشهاد شقيقتي ماري (33 عامًا)، وأصيب معظمنا”.
ويخالف ما تعرّضت له عائلة ديانا، بنود اتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين وقت الحرب، والتي تحظر في مادتها (3) الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية للأشخاص المحميين، وخاصة القتل بجميع أشكاله، كما تحظر التهجير القسري للمدنيين، والتعرّض للمدنيين وممتلكاتهم.
تكمل: “كان ذلك يوم 29 نوفمبر/ تشرين الثاني2023م، كانت ابنتاي تزوران والدهن، وبعد قصف منزلنا، اتفقنا على النزوح، هاتفتُ طليقي طالبةً إحضار البنات، لكنه رفض أن أصطحبهن معي، رغم أنهن في حضانتي”.
نزحت ديانا إلى مدينة رفح جنوب قطاع غزة، تاركةً روحها خلفها، اجتمعت عليها أوجاع الحزن على شقيقتها، وألم إصابتها عندما قُصف البيت، مع افتقادها لطفلتيها وخوفها عليهن، ثم عايشت النزوح مجددًا إلى دير البلح، عندما أجبرهم الاحتلال على النزوح من رفح.
تعقّب: “كنت قبل الحرب لا أعترض عندما يطيل فترة بقائهن معه، فهو والدهن، ولكن في الحرب لم أكن أسمح بزيارتهم له، وبعد إصرارٍ شديد وافقتُ على زيارتهن ليومين، وها أنا أدفع الثمن ندمًا”.
انفصلت ديانا عن زوجها قبل خمس سنوات، وحصلت على الطلاق بشكلٍ قانوني، وحاولت خلال هذه السنوات تعويض ابنتيها عن فترات بقائهن مع أبيهن، لذا لم تتركهن أبدًا منذ بداية الحرب، وحين نزحت مكرهة إلى جنوب القطاع؛ كانت جسدًا بلا روح، روحها بقيت في الشمال، تحوم حول طفلتيها.
تبكي وهي تكمل: “حين حلّت المجاعة في الشمال، حرمت نفسي تناول الطعام، لا أتناول أي نوع من اللحوم أو الخضار، لا آكل أي شيء تشتهيه بناتي ولا يستطعن أكله”.
تزور الطفلتان مريم وعائشة أمهما في المنام دومًا، لكنها تستيقظ فتجد فراشها باردًا لا روح فيه، تعقب: “من الصعب أن تكونا بحضني في المنام، وأستيقظ لأجدهنَّ بعيدات عني، أعيشُ حالة خوف وقلق دائمين من أن يصيبهن مكروه، وخوفي أكبر بعد استشهاد والدهن، فلا معيل لهن الآن سوى جدتهن، جدّهم بُترت ساقه نتيجة قصف منزلٍ مجاورٍ لمنزلهم”.
مؤخرًا كان ذكرى ميلاد مريم، لأول مرّة تحتفل ديانا مع ابنتها عبر مكالمةٍ مرئية، “كنت سعيدةً وموجوعة، أراهن ولا أستطيع لمسهن، كم كانت عيونهن حزينة، يخبروني أنهن كبرن، يتعاركن أمام الكاميرا مَنْ الأطول، يخبروني أنهن بخير ويتناولن الطعام جيدًا، وأعلم من جدتهن أنها تؤمّن لهن الطعام بصعوبة، ويأكلن القليل، ولا ينامون خوفًا من صوت الصواريخ”، تقول ديانا وهي تبكي.
بين فترةٍ وأخرى، ترسل ديانا بعض المال لابنتيها مما تحصل عليه من مساعدات، تحلم الطفلتان بالسفر إلى الخارج، يتحدثن معها عن طموحهن، مريم تريد أن تصبح طبيبة عيون، تضحك من وسطِ دموعها وتكمل: “أما (شوشو) فتقول إنها ترسل لي رسائل مع العصفورة التي أقنعها أنها تحدثني عنها، طلبت مني أن أحضر لها عصا سحرية، لأنها ستطلب منها أن تحضرني إليهم”.
تتواصل ديانا بشكل دائمٍ مع الصليب الأحمر، لتجد طريقة تحضر بها ابنتيها إلى جنوب قطاع غزة، ورغم رفض جدتهن، لكن المجاعة هناك جعلتها تغيّر رأيها، إلا أن الطريق محفوفة بالمخاطر، وما زالت حواجز الحرب عائقًا أمام حضن ديانا وابنتيها.