غول النكبة يفترس المسنّة (عائشة) مجددًا

غول النكبة يفترس المسنّة (عائشة) مجددًا

 

غزة- رفيف اسليم:

“عائدون”، “لو طالت راجعين”، ذيلت هذه الكلمات خيمة الفلسطينية عائشة أبو سلطان، الأولى خلال النكبة عام 1948م، والثانية بعد نزوحها من بيتها في جباليا عام 2024م، لتعيش النزوح والتهجير مرتين الأولى حينما كانت طفلة، والثانية برفقة أولادها وأحفادها!

داخل خيمةٍ قماشية، أقيمت على أرض ملعب اليرموك وسط مدينة غزة، تجلس الثمانينية أبو سلطان، تروي معاناتها التي امتدّت منذ عام 1948م، فتحت وطأة حرب الإبادة والمجازر، هجّرتهم عصابات الهاجاناة من بيتهم في قرية حمامة، لتستقر تحت شجرةٍ في منطقة الزيتون شرق مدينة غزة، ولمدة عشرين يومًا، وكحال آلاف الفلسطينيين المهجرين حينها عاشوا ويلات الشتات.

تتنهد السيدة وهي تقول: “كان عمري حينها 12 عامًا، تحمّلت مشاقًّا لم أتخيلها، وبعد شهور جاء الفرج، تبرع لنا شخص بخيمة، كتبنا عليها (عائدون)، على أمل الرجوع لقريتنا وبيتنا، فتحوّلنا من النوم في العراء إلى النوم داخل قطعة قماش، نصبت داخل أرض تمتلكها عائلة أبو ماضي”.

مكثت عائشة الطفلة مع عائلتها في الخيمة لسنوات، عانت أوجاع التهجير، وتجاهل العالم لحقهم مضت بهم الأيام، بات للمهجّرين الفلسطينيين حياة جديدة، تزوجت وأنجبت 11 من الأبناء، وأصبحت جدّة لمائة حفيدة وحفيدًا، وكلهم كما عائشة ما زالوا يحلمون بالعودة، لكنها عادت لتخشى المصير ذاته، بعدما أخرجها جيش الاحتلال قسرًا من بيتها في جباليا!

في تفاصيل النكبة الجديدة، فقد أعلن الاحتلال الإسرائيلي يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023م، الحرب على قطاع غزة، وأجبر سكّان شمال القطاع على النزوح إلى جنوبه، لكن عائشة، رفضت تكرار تجربة ترك الديار.

تقول: “أخرجوني عنوة من جباليا يوم 6 أكتوبر /تشرين الأول 2024م، مشيت على قدماي من شمال قطاع غزة حتى ملعب اليرموك وسط مدينة غزة، مكثت هنا في خيمة داخل هذا المخيم، استعدت كل الذكريات التي عشتها أيام النكبة عام 1948م”.

تتنهد بعمق وهي تكمل: “إييييه، معقول نرجع ديارنا”، وهزت رأسها بيأس، فالعبارة تحمل معنيين، ديار قرية حمامة، وديارها في جباليا.

نزحت عائشة وأحفادها من جباليا بعد ليلةٍ عصيبة، قضتها تحت قصف الطيران الحربي والمدفعية وزخات الرصاص التي بدأت منذ غروب شمس يوم 5 أكتوبر/تشرين الأول 2024م، ولم تستطع طوال الليل التحرّك أو دخول المرحاض خاصة كونها تعاني من مرض السكر، تقول: “ما صدقنا يشقشق الصبح ونشوف الضو وطلعنا نجري، ويا ريب سابونا في حالنا، طول الطريق يطخوا علينا”.

ويخالف ما تعرضت له عائشة البند (49) من اتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين وقت الحرب والذي يحظر التهجير القسري للمدنيين.

تنظر عائشة، لذلك الإناء البلاستيكي الذي تغسل به الأطباق، وتقول باستنكار: “أنا هيك كانت حياتي؟ مطبخي ما كان هيك، مكتوب عليا أعيش حسرة النزوح مرتين”.

وتضيف إنها كانت تعيش في بنايةٍ سكنيةٍ مكوّنةٍ من خمسة طوابق، ولديها 11 ابنًا (5 ذكور، و6 إناث)، وبرفقتها 100 حفيدة وحفيدًا، يملأون البيت شقاوة وضحكات خبت واختفت بسبب حرب الإبادة، وحالة الرعب التي يعيشها الجميع.

تتابع: “لم أشعر يومًا بالملل، لديّ مجموعة كبيرة من الأحفاد يلتفون حولي كالعِقد، ترافقهم القصص التي لا تنتهي وكأنهم أصدقاء، يطلبون منّا الأكلات الفلسطينية مثل المسخن والمقلوبة، أو الذهاب إلى نزهةٍ في الأراضي الزراعية”.

تضغط عائشة عينيها بقوة، وتعود إلى واقعها، فتخبرنا أنها تعاني من مرضيّ الضغط والسكري، ولا تجد علاجًا بسبب نقص الأدوية في قطاع غزة، كما تحتاج إجراء عدة عملياتٍ جراحيةٍ في عينها التي لا ترى بها، مردفة أنها وغيرها من النسوة يعانين من صعوبةٍ في دخول مرحاض المخيم، بسبب الازدحام وكونه غير مناسب، كما يعانين من البرد الذي يخترق عظامهن، فلم يستطعن جلب ما يكفي من ملابس.

“لما نزحت كان نفسي آخد معي بطانية بس مين يحملها”، تقول عائشة، فكونها كبيرة السن هذا يعني صعوبة في الحركة، خاصة أن المسافة التي يفترض قطعها وصولًا لمدينة غزة طويلة، ولم يسمح الاحتلال لهم بالراحة خلال الطريق، كون زخات الرصاص، أجبرتهم على مواصلة السير.

داخل الخيمة فرشة كما تروي عائشة، تركها أبناؤها لها، كما تبرعت لهم إدارة المخيم بغطاءٍ واحد، تقطّب جبينها بغضب وهي تكمل: “تقطّع قلبي أيام المنخفض وأنا شايفة ولادي ميتين من البرد وأنا الوحيدة المتغطية، ترجيتهم ياخدوه ما رضيوا”.

ويخالف ما تعانيه هذه السيدة البند (23) من اتفاقية جنيف الرابعة والذي ينص على ضرورة السماح بمرور جميع أنواع الأدوية، كما تنص الاتفاقية على توفير الاحتياجات الإنسانية والإغاثية.

تتساءل الحاجة بغضب: “كيف يمكن إعداد الطعام في هذا الوضع”، موضحة إن النازحات يقمن بإشعال النار وتوفير الحطب، ولكن أين الأواني التي سيتم الطهو فيها، وكيف سيعثرن على الأطباق والملاعق لتناول الطعام، فالنساء محاصرات بعشرات التحديات يوميًا.

تختصر عائشة المعاناة بقولها: “النزوح يحتاج إلى أن نحمل بيوتنا معنا، فكل شيء سنحتاجه، خاصة بالنسبة للعائلة الكبيرة”.

لم تعد السيدة تخشى على حياتها ومصيرها المجهول فقط، فأحفادها وأولادها تعيش الخوف عليهم أكثر، تحلم عائشة بالرجوع إلى بيتها، الذي وصلتها أخبار بأن جدرانه انهارت بفعل القصف الإسرائيلي، لكن هناك جزءًا قائمًا، وما زالت تخشى على مصير جباليا التي تحبها تمامًا كما تحب قرية حمامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى