محمود: ذرفت الكثير من الدموع لكنّ لم أبكِ بعد

محمود: ذرفت الكثير من الدموع لكنّ لم أبكِ بعد

البريج- هبة الشريف:

“خمسة شهورٍ على الفقدان وما زال القلب ينزف، أنتظر عودتهن واحتضانهن”، بهذه العبارة بدأ محمود المبحوح (35 عامًا) حديثه، واصفًا الألم الذي يحطّم قلبه بعد استشهاد بناته الأربع في الشهر العاشر للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، التي اندلعت في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023م.

داخل أحد مراكز الإيواء في مخيم البريج وسط قطاع غزة، يجلس المبحوح وحيدًا، بعدما فقد عائلته في لحظةٍ واحدة، ميرنا (10 سنوات)، ياسمينة (8)، جنّة (5) وريمي (خمسة شهور)، إضافة إلى تعرّض زوجته حنين لإصابةٍ خطيرة، يردد محمود أسماءهن ثم يغمض عينيه بقوةٍ ويتنهّد.

منذ بداية الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، حرص محمود الذي يسكن في مخيم النصيرات، على إبقاء عائلته داخل البيت خشية تعرّضهم للأذى، بينما واصل هو عمله الإنساني في تقديم الدعم النفسي لضحايا الحرب انطلاقًا من عمله في هذا المجال، دون أن يتوقّع أنه سيكون يومًا ما هو الضحية!

يوم 10 يوليو/تموز الماضي، تحديدًا الساعة الثالثة والنصف فجرًا، استهدف الاحتلال منزل محمود بمخيم النصيرات الجديد، وهنا تغيّر كل شيء!

تسقط الدموع من عيني محمود وهي يروي ما حدث بينما يتجمّع حوله بعض النازحين بالمركز للاستماع لقصته: “لم يرحم الاحتلال أجساد الصغيرات النائمات وقذفت صواريخه بهن إلى أسطح الجيران من الجهة الغربية واستشهدن، أنا وزوجتي ومعنا ريمي قذفنا للجهة الأخرى، كان يومًا أسودًا لن يزول من ذاكراتي، ابتلاني الله فيه بأغلى ما أملك، استشهاد بناتي وإصابة زوجتي”.

يجهش محمود بالبكاء، بينما يحاول المحيطون به مواساته، فيكمل: “أدركت فقداني لهن منذ البداية، كذّبت نفسي لكن لا صوت لأحد، حاولت التفتيش عن زوجتي حنين، وجدتها ملقاة على الأرض تصرخ (بناتي بناتي)، أما الرضيعة ريمي فوجدتها قرب أمها حاولت إنعاشها دون فائدة”.

لم يدرك محمود أن جسد الرضيعة الرقيق تمزّق وأن غالبية أحشائها تقطعت، لكنه أيقن بعد عدّة محاولات لإنعاشها إنها استشهدت لتلحق بشقيقاتها الثلاث.

يحاول كفكفة دموعه وهو يواصل: “ما زلت أعيش حالة إنكارٍ لهذا الفقد، أشعر أني مسافر لفترة تمنعني من رؤيتهن، أتخيل أنهن سيدخلن عليّ في أي لحظةٍ وأعانقهن عناقًا حارًا كما اعتدنا”، كان محمود بالنسبة لطفلاته أبًا وصديقًا، يتابع دروسهن مع أمهن ويفرح بتفوقهن ومرحهن، يعدّ الأيام كي يكبرن وتحقق كل واحدة منهن طموحها الذي يتحدثن به ببراءة.

“أنا لست قويًا، أنا لست بطلًا”، بهذه الجملة اختصر محمود وجعه وحجم الألم الذي لم يعد قادرًا على استيعابه، فعلاوة على فقدان بناته وإصابة زوجته.

أصيبت حنين المبحوح (30 عامًا) زوجة محمود بكسورٍ في جميع أطرافها، وتهشم عظم الركبة، ما اضطر الأطباء لبتر رجلها من أعلى الركبة تفاديًا لمضاعفة حالتها، وإصابتها بتسمم الدم.

ما زالت حنين ترقد في مستشفى شهداء الأقصى متنقلة بينها وبين مستشفى العودة في النصيرات والأمريكي غرب دير البلح، فهي بحاجة إلى عملية زراعة عظم وبلاتين لأكثر من منطقة في جسدها، كما تعرضت لحروق وباتت بحاجةٍ إلى عدة عملياتٍ معقدة وسفرٍ عاجل، لكن إغلاق المعابر يحول دون ذلك.

محمود نفسه أصيب بحروق وفقد القدرة على السمع بالأذن اليسرى نتيجة قوة الاستهداف، لكن ما يوجعه أكثر حالة الفقد التي يعانيها.

يحاول التماسك وهو يستكمل: “أصعب شعور أن يدفن الإنسان فلذات كبده، هذه اللحظة لن تزول من ذاكرتي، دفنت بناتي جنة وريمي مع شقيقي الشهيد حسن الذي استشهد في عدوان سابق، ودفنت ياسمينة وميرنا في قبر والدي”.

ولم يستطع محمود توديع بناته الأربع، حيث رفضت العائلة توديعه لياسمينا وميرنا لتبقى صورتهن الجميلة بمخيلته، كما قبل يوم الاستشهاد، فالصواريخ شوهت وجههن الملائكي.

“ما يؤلمني أكثر أنني لم ألقِ نظرة وداعٍ أخيرةٍ على وجوه طفلاتي، أحتاج فوق العمر عمرين وفوق القلب قلبين لتحمّل عذاب الفراق واستيعاب الحسرة”، يقول محمود.

كثيرًا ما كان القلق يساور نفس محمود عند تلقيه اتصال من جيرانه وهو في العمل خشية فقدان عزيز، كان دائم القلق على زوجه وبناته فمنذ اندلاع الحرب لا أمان في بيئةٍ تحت القصف طوال الوقت وكل المناطق مستهدفة.

كان أول نزوح لعائلة المبحوح يوم 26 ديسمبر/تشرين الثاني الماضي، إلى منطقة الزوايدة، حتى بداية فبراير من العام الحالي، حيث عادوا للمخيم رغم خطورة الوضع بسبب قرب موعد الولادة القيصرية لحنين، فخيام النزوح سيئة بالنسبة للحوامل وهي أسوأ بالنسبة لمن يلدن قيصريًا.

يوضح: “تكررت عمليات النزوح من المكان ولكن ليس لمدة طويلة، نظرًا للاستهدافات المتكررة بالمخيم”.

ويتنافى ما تعرضت له عائلة محمود مع بنود اتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين وقت الحرب والتي حظرت التهجير القسري للمدنيين، كما منعت في مادتها الثالثة الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية للأشخاص المحميين.

يمسح دموعه وهو يقلب صور بناته على هاتفه النقّال ويختم: “يحاصرني الحنين لكل أيامي السابقة، تحاصرني الذكريات، ذرفت الكثير من الدموع ولكن أشعر أني لم أبكِ بعد”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى