زفاف تحت القصف… حياة تتحدى الحرب

عبد الناصر عنتر عبد الناصر كريم
في خيمة صغيرة أقيمت في ساحة ترابية داخل مخيم النزوح في النصيرات، كان صوت الزغاريد يعلو خافتا حيث أقيم حفل زفاف بسيط تزامن مع استمرار القصف في المنطقة، واقتصر الحفل على حضور محدود من الأقارب، مع توفر إمكانيات متواضعة في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي يعيشها السكان منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية في أكتوبر 2023.
محمد وائل (28 عاما)، الذي نزح من حي التفاح شمال قطاع غزة إلى حي النصيرات وسط قطاع غزة، فقد منزله الموجود في حي التفاح وورشته الخشبية في قصف استهدف المنطقة الصناعية شرق مدينة غزة مطلع الحرب، حيث يقول:
“كل مرة حددنا فيها موعد الزواج، كنا نفقد موعدا جديدا للزواج كما نفقد شيئا جديدا. في البداية فقدت منزلي ودمر الأثاث ومستلزمات الزواج، ثم دمرت ورشتي الخشبية، بعدها اضطررنا للنزوح أكثر من مرة في النهاية قررنا أن نتم الزواج دون انتظار تحسن الأوضاع في غزة، لأننا لا نعرف إن كان سيأتي أصلا هذه الحرب أخذت منا كل شيء، لكننا لن نسمح لها أن تأخذ حقنا في الزواج.”
العروس سارة أشرف (23 عاما)، معلمة أطفال أغلقت مدرستها في الأسبوع الأول من الحرب، تروي وهي تبتسم بخجل ووجع:
“استعرت فستان الفرح من صديقتي النازحة في نفس المخيم لم يكن هناك موسيقى أو زينة، فقط بعض البسكويت وشمعة واحدة تضيئ المكان ومع ذلك، كانت أجمل لحظة في حياتي، لأنني كنت أؤمن أن الفرح هنا فعل مقاومة للظروف الصعبة التي نعيشها بقطاع غزة؛ لأنه يؤكد حق الإنسان في الاستمرار وبناء المستقبل رغم الحرب والقصف والنزوح والخسائر وفرض واقع من الخوف والانقطاع فهذا يمثل الإصرار على الاستمرار في الحياة وتكوين أسرة رغم محاولات الحرب تعطيل المسار الطبيعي للحياة.”
لم يكن العرس تقليديا، بل مشهدا إنسانيا وسط دمار شامل في الخارج كانت الغارات الإسرائيلية تواصل استهداف مناطق متفرقة من وسط القطاع، فيما تواصلت الحياة داخل الخيمة بخطى واثقة في إشارة إلى استمرار الحياة رغم القصف والظروف الصعبة.
يقول عم العريس أبو فادي (58 عاما):“الحرب سرقت منا البيوت والأولاد، لكنها لم تسرق قدرتنا على الفرح هذا الجيل يثبت لنا أن الحياة لا تهزم.”
ووفق بيانات المجلس الأعلى للقضاء الشرعي في غزة (ديسمبر 2025)، تم تسجيل عدد كبير من حالات الزواج خلال الحرب، رغم النزوح وفقدان المساكن، وهو ما اعتبره المجلس “دليلا على تمسك الفلسطينيين بحقهم في الحياة وتكوين الأسرة”.
الخبير في القانون الدولي الإنساني الدكتور أحمد المدهون يوضح أن هذه الحالات “تجسيد عملي لحق الإنسان في الزواج وتأسيس الأسرة، كما تنص عليه المادة 16 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والتي تؤكد أن هذا الحق لا يسقط حتى في أوقات الحرب” ويقول د. دبليو برادفورد ويلكوكس، الباحث في علم الاجتماع والمتخصص بدراسات الأسرة والزواج، إن تمسك الناس بالزواج وتكوين الأسرة في أوقات النزاع يعكس رغبتهم في الحفاظ على استقرار العلاقات الأسرية والنسيج الاجتماعي، حتى في ظل الظروف الصعبة التي تفرضها الحرب.
ووفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني حتى نهاية الحرب في ديسمبر 2025، فقد ارتفع عدد الشهداء في قطاع غزة إلى نحو 70,942 شهيدا منذ اندلاع العدوان في أكتوبر 2023، في حين سجلت المواليد خلال نفس الفترة نحو 41,000 ولادة هذا التباين يبرز حجم الخسائر، لكنه يجعل كل ولادة وكل زفاف رسالة تمسك بالحياة واستمرارها رغم الدمار والظروف القاسية.
وتشير تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) إلى أن الحرب التي بدأت في أكتوبر 2023 واستمرت لعدة أشهر، أدت إلى تدمير ما يفوق 70% من المساكن في القطاع، ونزوح قرابة مليوني شخص يعيشون في أوضاع قاسية بلا مقومات حياة أساسية.
وعند انتهاء الحفل القصير، خرج العروسان من خيمة الزفاف بين دوي الانفجارات ووجوه المهنئين الذين رفعوا أكفهم بالدعاء أكثر مما رفعوها للتصفيق قال محمد قبل أن يغادر:“ربما لا نملك بيتا نعود إليه، لكننا نملك الحق في أن نبدأ من جديد.”





