حين يصبح العلاج مستحيلاً: وفاء الشاب أحمد بركة بعد صراع مع الفشل الكلوي

رهف قديح
في قلب قطاع غزة، حيث أدى الحصار الإسرائيلي والحرب المستمرة الى تدهور النظام الصحي، يواجه مرضى الفشل الكلوي صعوبات متزايد في الحصول على العلاج، هذه قصة احمد محمود بركة (33 عاماً) أحد مرضى غسيل الكلى، الذي توفى نتيجة نقص الادوية والمستلزمات الطبية وفقاً ما أفادت به عائلته والطواقم الطبية.
في غرفة الحياة والموت
في غرفة صغيرة داخل مستشفى الكعبي المدمرة الذي كان مخصصاً في غسيل الكلى ويقع شمال قطاع غزة، حيث تحولت الاحياء السكنية الى ركام، يجلس أحمد بركة على سرير معدني، وذراعه موصولة بجهاز غسيل الكلى.
يقول أحمد وهو يراقب الابرة المتصلة بذراعه ” كل جلسة غسيل توجعني اكثر من الي قبلها ” وعلى مقربة منه تجلس والدته فاطمة حسين بركة (60 عامًا)، تمسح جبينه بقطعة قماش مبللة وتهمس: “يا ربّ خفف عنه… ما عاد فينا طاقة.”
بدأ أحمد جلسات الغسيل قبل الحرب التي حدثت في أكتوبر 2023 بعام واحد، بعدما أُصيب بفشل كلوي مزمن نتيجة مضاعفات مرض السكري وارتفاع ضغط الدم، وفق ما أوضحه الدكتور رائد مصلح اختصاصي أمراض الكلى في مستشفى الكعبي، ومنذ ذلك الحين بات يعتمد على جلسات غسيل منتظمة للبقاء على قيد الحياة ، حاله كحال عدد كبير يعانون من فشل كلوي في قطاع غزة.
من بيت إلى خيمة
في حيّ مدمر من أحياء مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، تعيش عائلة أحمد داخل خيمة صغيرة لا تتجاوز بضعة أمتار، أقيمت الخيمة فوق أنقاض منزلها الذي دُمّر جراء القصف الإسرائيلي خلال الحرب على قطاع غزة، لم تكن هذه العائلة استثناء اذ أجبرت الاف العائلات على النزوح والعيش في خيام لوقت طويل بعد ان طال الدمار الاحياء السكنية وحولها الى ركام، وتقدر المصادر أي ان نحو 300.000 عائلة في قطاع غزة تعيش في خيام نزوح.
تقول والدته بصوتٍ يملؤه التعب:“كنا نعيش يومنا بيومه… الآن لا دواء، لا شغل، ولا أمل أحمد مريض، وأنا ما بقدر أوفرله حتى المواصلات للمستشفى.”
تكمل والدة احمد قائلة: فقدت العائلة معيلها الوحيد، والد أحمد، الذي توفى بعد معاناة مع مرض مزمن لعدم توفر الدواء الخاص به بسبب الحصار على قطاع غزة ومنذ ذلك الحين، أصبحت الأم تتحمل مسؤولية اعالة الاسرة وتسعى يومياً لتأمين ما يسد رمق ابنها المريض.
رحلة محفوفة بالخطر
أحياناً لا يستطيع أحمد الوصول الى جلسة غسيل الكلى بسبب الطرق المدمرة نتيجة القصف او غياب الوقود لسيارات الإسعاف بسبب الحصار الإسرائيلي واحياناً يمنعه القصف المستمر من مغادرة الخيمة،
وعندما يتمكن أخيراً من الوصول إلى المستشفى، يجد القسم مكتظًا بالمرضى، وبعض الأجهزة متوقفة بسبب نقص الكهرباء أو الأعطال المتكررة لنقص قطع الغيار لبعض الأجهزة، كل هذه الصعوبات تجعل رحلة العلاج اليومية مليئة بالخطر والتحديات.
يقول الدكتور “رياض جرغون” الذي يعمل في قسم غسيل الكلي: “اللي بنعيشه ما عاشه حدا… المحاليل والفلاتر بتنقص كل يوم، وبعض المرضى بنختصرلهم جلساتهم حتى نقدر نغطي الكل.”
ويضيف الدكتور أن مستشفى الكعبي في شمال قطاع غزة المدمرة، أحد أكبر مراكز غسيل الكلى، تعرض لأضرار كبيرة خلال القصف الأخير، ما أدى إلى توقف بعض الأجهزة وتحويل المرضى إلى أقسام مؤقتة ضيقة تفتقر إلى التهوية والماء النظيف.
وتشير وزارة الصحة الفلسطينية الى ان 7 مستشفيات تهدمت بالكامل جراء القصف الإسرائيلي فيما تتعرض عشرات المستشفيات والمراكز الصحية لخطر الخروج عن الخدمة وكل هذه الأوضاع تؤثر بشكل مباشر على حياة المرضى وخاصة مرضى غسيل الكلى المزمن.
وفقًا لتقرير وزارة الصحة في غزة ومنظمة الصحة العالمية (WHO): يتراوح عدد مرضى الفشل الكلوي في قطاع غزة بين 1000 و1500 مريض يحتاجون إلى جلسات غسيل منتظمة.
تُجرى شهريًا نحو 13 ألف جلسة غسيل في الظروف الطبيعية، إلا أن العدد تقلّص إلى أقل من النصف منذ اندلاع الحرب 2023 بسبب نقص المستلزمات الطبية وتشديد القيود على دخول الادوية وصعوبة وصول المرضى للمستشفيات..
وتشير مصادر طبية الى ان أكثر من 40% من مرضى الكلى فقدوا حياتهم خلال الأشهر الأخيرة في ظل الانهيار المتواصل للمنظومة الصحية وأن المستشفيات تعاني من نقص حاد في المحاليل والفلاتر.
الحصار يقتل بصمت
الحصار المفروض على قطاع غزة من قبل الاحتلال الإسرائيلي جعل وصول المستلزمات الطبية شبه مستحيل، وكثير من المرضى لا يستطيعون السفر لتلقي العلاج في الخارج بسبب إغلاق المعابر وفق ما ذكرته وزارة الصحة الفلسطينية.
يختصر الممرض مالك المشهد بقوله: “أحمد وكل مرضانا بيغسلوا الكلى بالأمل، مش بالمحاليل… بالأمل اللي كل يوم بيقل شوي.”
توقّف قلب أحمد بعدما أنهكه المرض والحصار.
تقول الام فاطمة : رحل بصمتٍ في إحدى ليالي الخريف، بسبب نقص المعدات الطبية والأدوية التي منع الاحتلال وصولها إلى قطاع غزة.
كانت أمه فاطمة تأمل أن يعيش ابنها بعد أن فقدت زوجها قبل أشهر، لكن القدر أعاد لها الوجع ذاته.
جلست بجانب جسده الهامد، تمسك يده وتهمس باكية: “لحقت بأبوك يا أحمد… ما تركتني لحالي.”
“رحل احمد وبعد وفاته توقفت جلسات الغسيل الخاصة به، لكنه لم يكن الوحيد المتضرر، الاف المرضى في قطاع غزة لا يزالون يعانون من تقلص الجلسات وعدم انتظامها بسبب الحرب والحصار ونقص الادوية الأساسية وفق وزارة الصحة “





