حكاية غادة وزجاجات الصابون الناجية

نورهان الطباطيبي
تنظر غادة من خيمتها بحسرة إلى كيس ممتلئ ببضع عبوات فارغة وتقول بنبرة يعتريها العجز وهي تشير إلى ذلك الكيس:”هاد الكيس، وهاي العبوات كانت ثروتي وكنزي”
بكلمات بسيطة مثقلة بالوجع تصف غادة، السيدة الريادية صاحبة مشروع “صناعة المنظفات”، كيف تحول حلمها إلى رماد بسبب حرب أكتوبر عام 2023 التي شنّها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة، ولم يتبق من مشروعها إلا الذكرى وبضع زجاجات معبئة بفقاعات الصابون.
هذه العبوات البسيطة مكنت غادة التي تقطن في مدينة حمد غرب خانيونس من أن تكون امرأة ريادية، معيلة لأسرتها المكونة من خمسة أفراد بسبب عدم استقرار دخل زوجها الذي كان يعمل بالمياومة كسائق سيارة أجرة، فقد استطاعت من دورة مهنية صغيرة خاصة بصناعة المنظفات تلقتها قبل الحرب أن تبني مشروعها الريادي الصغير “صناعة المنظفات” كمصدر دخل مستقر.
ما قامت به غادة هو جوهر الريادة النسوية؛ أن تحوّل امرأة موارد بسيطة ومهارة متاحة إلى مشروع يوفّر لها ولأسرتها مصدر دخل وكرامة، ويمنحها شعورًا بالقدرة والاستقلال، قبل أن تأتي الحرب وتقطع هذا المسار.
بدأت غادة مشروعها الريادي قبل عام ونصف من بدأ الحرب، فمن مال بسيط جدا، وبمهارتها حولتهما إلى بنك استثمار ليشكل دخلا لها ولعائلتها، فتقول:“كل رأس مالي كان من مطبخي الصغير في شقتي في حمد، قسمته إلى قسمين، وبدأت منه في إنتاج أولى عبواتي..”
وتكمل قائلة:” تمكنتْ من صناعة وإنتاج سائل جلي، وصابون لليد، ومعطر أرضيات وغيرها من منتجات النظافة من أجل تسويقهم وبيعهم. شيئًا فشيئًا، بدأ مشروعها الصغير يثمر، وأصبحت تبيع منتجاتها في محيطها ولجيرانها، ثم توسعت لتوزعها على بعض المحال القريبة من مكان سكنها”.
كما عبرت غادة عن طموحها في توسعة مشروعها الريادي، وأن يكون لها اسما تجاريا مسجلا، وأن تفتح في المستقبل محلا تجاريا تعرض فيه منتجاتها للبيع جملة ومفرقا، لكنّ نيران الحرب على القطاع كانت أسرع في التهام مشروعها من أن يكتمل ميلاد مراحل تطوره، وأن يكون ما خططت له حقيقة على أرض الواقع.
تقول بحزن وأسى:” ولا مرة فكرت تيجي حرب متل هاي وتبلع معها كل شي، وانه مشروعي كمان يروح وتبلعه الحرب…”
استطاعت غادة أن تستمر في مشروعها بعد بدء الحرب لمدة شهر واحد فقط، لم تتمكن بعدها أن تؤمن المواد الخام اللازمة لصناعة المنظفات، ولو توفرت تلك المواد فإنّ أسعارها قد تضاعفت عن سعرها الحقيقي، ومن هنا بدأت معاناة غادة وعائلتها في تحصيل دخل لها لتأمين قوت يومهم، وأن تعود مرة أخرى إلى مد يد العون، والمساعدة بعدما حققت اكتفاء مع مشروعها الصغير قبل الحرب.
كل ذلك يعود سببه إلى سياسات الاحتلال الخانقة التي فرضها عندما أعلن حربه على القطاع منذ السابع من أكتوبر عام 2023، فقد فرض حصار اقتصادي، منع معه دخول المواد الخام التي يحتاجها قطاع الصناعات، كما منع دخول بضائع التجار، وتعطلت أيضا حركات الاستيراد والتصدير، إلى جانب تعمّده قصف وتدمير البنية التحتية للكهرباء والمياه. الأمر الذي انعكس سلبا على القطاع الاقتصادي والإنتاج المحلي في قطاع غزة، أدى ذلك إلى إغلاق الكثير من المشاريع الريادية التي كانت تعتمد في إنتاجها على المواد الخام التي اختفت من الأسواق، وإن كانت تتواجد فإنّ سعرها قد تتضاعف بسبب قلتها وسياسة احتكار التجار للبضائع التي انتشرت في الحرب.
فبحسب إحصائيات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني فقد واجهت فلسطين كارثة اقتصادية أدى إلى انكماش القاعدة الإنتاجية وتشويه الهيكل الاقتصادي لفلسطين. مع نهاية العام 2024، تشير التقديرات إلى استمرار الانكماش الحاد غير المسبوق في الناتج المحلي الإجمالي في قطاع غزة بنسبة تجاوزت 82%، رافقه ارتفاع معدل البطالة إلى 80%.
هذا الواقع الاقتصادي المرير ألقى بظلاله الثقيلة على طموحات النساء الرياديات؛ فحسب تقارير(جمعية الخريجات الجامعيات)، فقد توقف نحو 95% من مشاريع النساء كلياً، وفقدت 75% منهن أدوات إنتاجهن تحت الركام، مما حول 85% من الرياديات إلى نازحات يعتمدن كلياً على المساعدات.
وعليه فإنّ ما تعرّضت له النساء الرياديات في هذا السياق يعد شكلًا من أشكال العنف الاقتصادي القائم على حرمانهن القسري من موارد الإنتاج والاستقلال الاقتصادي.
تضيف غادة أنّ ندرة المواد الخام أو عدم توفرها لم يكن السبب الوحيد الذي منعها من الاستمرار في مشروعها، بل أيضاْ أوامر الاخلاء والنزوح المستمرة من قبل الاحتلال خاصة من مناطق الشمال والتوجه نحو الجنوب جعل من شقتها مكانا تأوي فيه نازحين من أقاربها.
تقول:“للأسف، استقبلت من اول الحرب أكثر من أربعين نازحا من أقاربي، مما صعب مهمة استخدام المكان وصناعة المنظفات بطريقة مريحة”
لم تتوقف غادة رغم كل الظروف التي واجهتها عن التفكير بالبدء بمشروعها مرة أخرى، وأن تُبقي مشروعها حيّا في ذاكرتها، أن تجعل له مساحة دوما في تفكيرها رغم أعباء الحرب التي لم ترحم صغيرا ولا كبيرا، ظلت ترى ورشتها الصغيرة من مطبخها الذي تحول إلى مكان لا يخصها بسبب ظروف النزوح وتكدس النازحين في بيتها بوابة أمل بأنّها يمكنها البدء من جديد متى توقفت الحرب.
لكنّ هذا الأمل بالعودة مرة أخرى اغتاله الاحتلال حينما قام بقصف شقتها في أغسطس عام 2024، وحوّل ما كانت تنتظره بفارغ الصبر لتعود إلى خط إنتاجها، وقوت دخلها إلى ركاما ودمارا.
لم يكن تدمير شقة غادة حدثا فرديا، بل جزءا من دمار واسع طال النسيج السكني في قطاع غزة. فوفق تقييمات صور الأقمار الصناعية التي أجراها برنامج الأمم المتحدة للأقمار الصناعية (يونسات)، تعرض نحو 78 % من المباني في القطاع للدمار أو التضرر منذ بدء الحرب في 7 أكتوبر 2023 وحتى 8 يوليو 2025، ما يعني فقدان آلاف النساء ليس فقط لمنازلهن، بل أيضًا لمشاريعهن المنزلية التي كانت تُدار من داخل هذه البيوت.
عن انعكاس ذلك وأثره على غادة تقول الأخصائية النفسية هيام كرسوع أن الحرب خلّفت أثرًا نفسيًا عميقًا على النساء الرياديات اللواتي فقدن مشاريعهن، إذ لا يعني فقدان المشروع خسارة الدخل فقط، بل فقدان الهوية والشعور بالقدرة والتمكين. وتضيف أن التحوّل من الاستقلال الاقتصادي إلى الاعتماد على الآخرين ينعكس سلبًا على كرامة المرأة وتوازنها النفسي والاجتماعي.
مؤكدة أن العنف الاقتصادي الناتج عن الحرب قد يتحوّل إلى عنف نفسي غير مرئي، لكنه عميق التأثير ويُضعف قدرة النساء على الصمود.
لم تكف غادة عن الحلم، فاليوم، من تحت سقف خيمتها بعد أن دمّر الاحتلال بيتها، تحكي غادة قصة مشروعٍ “وُلد حيًّا ثم وأدته الحرب”. تشير إلى كيسٍ معلّق في مطبخ الخيمة يضم بضع عبوات نجت من تحت الركام، أعادها لها ابنها الأكبر. وتقول إنّ رائحتها أعادت لها مشهد يديها وهي تصنع مشروعها، فاحتفظت بها حرزًا للأمل، على وعدٍ بأن تنتهي الحرب وتعيد بناء ورشتها الصغيرة وتعود للإنتاج من جديد.
تعلّق المحامية علية نصار قائلة :”إن ما تعرّضت له غادة يشكل انتهاكًا واضحًا للحق في الملكية والعمل المكفولَين بموجب القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 التي تحظر تدمير ممتلكات المدنيين إلا لضرورة عسكرية قصوى (المادة 53)، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الذي يكفل الحق في العمل والعيش الكريم. فاستهداف المنزل وتدمير مصدر الرزق لا يُعدّ خسارة مادية فحسب، بل مساسًا مباشرًا بكرامة الإنسان وحقه في العيش الكريم”.
وتؤكد المحامية أن ما تتعرض له النساء الرياديات في هذا السياق يعد شكلًا من أشكال العنف الاقتصادي القائم على حرمانهن القسري من موارد الإنتاج والاستقلال الاقتصادي، كما تُحمّل هذه الانتهاكات قوة الاحتلال مسؤولية قانونية عن الأضرار اللاحقة بالمدنيين وسبل عيشهم، وتُعزّز حق الضحايا في الحماية وجبر الضرر والتعويض.
تختم غادة قصتها بعزيمة أمل متجددة رغم الدمار وتقول بأنّ الحرب سرقت منها حلمها، لكنها لم تستطع إسكات صوتها، مؤكدة أن ما تطالب به ليس إعادة بناء الركام فقط، بل إعادة بناء الحياة وكرامة النساء. وتضيف أنّ من حقها وحق كل امرأة ريادية أن تجد دعمًا نفسيًا حقيقيًا، وبرامج تمكين اقتصادي سريعة، ومساحات آمنة تعيد لهنّ الثقة وتُشركهنّ في صنع القرار، ليتمكّن من النهوض من جديد وبناء ما هدمته الحرب.





