أزمة الغاز تفاقم معاناة أهالي غزة

20-أزمة-الغاز-تفاقم-معاناة-أهالي-غزة
#الحماية_حق #cdmcgaza

محمد لبد

تتعدد أشكال المعاناة، والأزمات في قطاع غزة بفعل الحرب وتبعاتها، فنقص إمدادات غاز الطهي واحدة من تلك الأزمات الطاحنة التي حولت حياة مليوني ونصف إنسان على مدار أكثر من عامين إلى جحيم لا يطاق.

وبمجرد الإعلان في مدينة شرم الشيخ المصرية عن اتفاق وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي بين إسرائيل وحركة حماس، استبشر الغزيون خيراً بقرب الإنفراجة، وانتهاء أهم منغصات حياتهم اليومية المتمثلة بحرق الحطب، وبقايا الورق، والبلاستيك في طهي الطعام، لكن الواقع الذي فرضه الاحتلال الاسرائيلي عبر “سياسة التنقيط” جاء مخالفاً لآمالهم، وتوقعاتهم بنيل أبسط حقوقهم.

ويؤكد مكتب الإعلام الحكومي بغزة أن قطاع غزة يحتاج ما بين 400 إلى500 طن من الغاز يوميًا لتلبية احتياجات السكان، والمخابز، والمطاعم، والمستشفيات، لكنّ ما يدخل فعليًا منذ وقف إطلاق النار لا يتجاوز 120 طنًا أي أقل من ثلث الاحتياج الأساسي. (ما المانع من دخول الكمية كاملة؟

تعمق الأزمة

ومع شح كميات الغاز الموردة إلى القطاع، وجد مئات آلاف النازحين أنفسهم عاجزين عن إعداد الطعام أو تسخين الماء، فلجأوا مجدداً إلى الأخشاب، وقطع البلاستيك، وتحولت المعاناة إلى معضلة إنسانية تمسّ حياة السكان اليومية.

ويتحدث محمد المصري 41 عاماً، نازح من مدينة خان يونس إلى مخيم النصيرات، عن معاناة أسرته في ظل نقص الغاز قائلاً:” لا يدخل الغاز إلا نادرًا، ولكي أشعل النار لطهي الطعام أنا بحاجة إلى توفير كميات من الحطب، وبالكاد أستطيع توفيره بعد أن وصل سعر الكيلو الواحد إلى دولار ونصف”.

ويضيف المصري:” حتى لو توفر الغاز في السوق السوداء فسعر الكيلو الواحد يصل إلى أكثر من 30 دولار أمريكي وهذا رقم خيالي بالنسبة لي كرب أسرة أعيل 7 أفراد من 4 أطفال، فالوضع بدون الغاز كارثي، ولا نستطيع تدبير أمورنا، ولا تحضير أبسط الأشياء.

ويتابع:” قد يستغرب البعض من كلامي فتحضير القهوة أو الشاي للعائلة يتطلب وقت يتجاوز 20 دقيقة باستخدام النار، ناهيكم عن تحمل الدخان، والوضع غير الصحي على الإطلاق، ونحن على هذا الحال المأساوي، والمعاناة منذ أكثر من عامين”.

انتشار أمراض الصدر

وفي مخيم إيواء قريب من منطقة الكرامة غرب مدينة غزة، يروي محمد حماد 35 عاماً لنا تفاقم معاناته الصحية بفعل غياب الغاز قائلاً:” عدم توفر الغاز وصعوبة الحصول عليه يدفعني مجبراً لاستخدام النار وحرق البلاستيك لتجهيز الطعام وما تحتاجه الأسرة، والانبعاثات الناجمة عن عمليات الاحتراق سببت لي إلتهابات حادة في الشعب الهوائية دخلت على إثرها المشفى أكثر من مرة”.

ويضيف حماد”: أنا حالياً على أعتاب الإصابة بفشل رئوي حاد في حال الاستمرار في الاعتماد على حرق الحطب والبلاستيك، وأناشد المسؤولين والعالم بالتدخل العاجل للضغط على الاحتلال ليسمح بإدخال الكميات التي يحتاجها أهالي غزة، فالغاز أساسي لكل بيت ولا يمكن أن يعيش الإنسان بدونه”.

ويتابع: “نحن نعيش في الخيام في ظروف قاسية، وفصل الشتاء يفاقم معانتنا، وحاجتنا للغاز، ووسائل التدفئة الآمنة تزداد في مثل هكذا ظروف، فتسخين المياه للاستحمام، واعداد وجبات من الحليب لابني الرضيع يحتاج إلى توفر غاز باستمرار”.

أمراض الجهاز التنفسي

ويؤكد د. خليل الدقران، المتحدث باسم وزارة الصحة في قطاع غزة أن استخدام المواد البلاستيكية في الأفران الطينية يسبب انتشار أمراض الجهاز التنفسي مثل الالتهاب الرئوي والربو بين السكان.

ويضيف في تصريح صحفي لمركز التنمية والاعلام المجتمعي: “مع استمرار إسرائيل منع دخول الوقود وغاز الطهي، لجأت النساء في غزة إلى حرق نفايات الورق والبلاستيك لطهي الطعام وإعداد الخبز، مما تسبب في انتشار أمراض الجهاز التنفسي مثل الالتهاب الرئوي والربو بين السكان، الأمر الذي يشكل خطرًا جسيمًا على الصحة العامة في القطاع”.

ويتابع الدقران: “المستشفيات في غزة عاجزة عن تقديم الخدمات الصحية لهؤلاء المرضى بسبب النقص في الأدوية، والمستلزمات الطبية الأساسية”.
سوق سوداء

ومع تعمق الأزمة تتزايد مطالبات النازحين في غزة بضرورة كشف خبايا، وخفايا آلية التوزيع المعتمدة، وسط دعوات صريحة تطالب الجهات الرسمية بمحاربة السوق السوداء، وإغلاق المطاعم، ومحال الحلويات لضمان وصول الغاز إلى جميع المستحقين.

ويقول “أبو خالد” (اسم مستعار) أحد الموزعين “إن بعض الحصص التي يجب أن تصل إلى النقاط الرسمية للتوزيع تتغير وجهتها، وتصل إلى تجار سوق سوداء يبيعونها بأسعار مضاعفة، وهذه الكميات مقتطعة من الحصة المقلصة التي يدخلها الاحتلال، ويجب أن تصل للمواطنين”.

ويضيف: “هناك جهات تحصل على غاز الطهي بشكل ثابت رغم ندرة الإمدادات الرسمية، مما يؤثر على حصة المواطنين، ويرفع السعر في نقاط السوق السوداء إلى قرابة 40 $ للكيلو الواحد”.

ويدعو أبو خالد إلى ضرورة تحرك الجهات الحكومية لمحاربة ظاهرة بيع الغاز في السوق السوداء، وصولاً إلى التخفيف من حدة الأزمة التي افتعلها الاحتلال الاسرائيلي.

ألية رقابة

وأعلنت هيئة البترول في قطاع غزة عن اتخاذ جملة من الإجراءات بهدف محاربة السوق السوداء وضمان وصول الغاز إلى مستحقيه من المواطنين، في ظل شح الكميات الواردة بفعل القيود الإسرائيلية المفروضة على القطاع.

وقررت الهيئة تخفيض حصة المحطات التجارية من الغاز لصالح زيادة حصة المواطنين عبر النظام المحوسب العادل، لضمان الشفافية، وتلبية احتياجات العائلات بشكل مباشر.

ودعت الهيئة في بيان صحفي موزعي الغاز إلى الالتزام بتعليماتها وعدم التلاعب بحصص المواطنين سواء من حيث الوزن أو السعر، أو التصرف بأي أسطوانة مخصصة لهم، مؤكدة منع البيع بشكل مطلق في السوق السوداء، ومشددة على أن المخالفين سيعرضون أنفسهم للمساءلة القانونية.

وأكدت الهيئة، وفقاً للقانون، منع انتشار النقاط العشوائية لبيع الغاز لما تشكله من استغلال لحاجة المواطنين وخطر على سلامتهم، خاصة في ظل التكدس السكاني الناتج عن ظروف النزوح.

كميات مقلصة

النقص الحاد في كميات الغاز فاقم الأزمة الإنسانية، وأثر على المنازل والمستشفيات والمخابز والمطابخ الجماعية، وهدد الأمن الغذائي والصحي لمئات الآلاف من الأسر.

وأوضحت مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان، في بيان صحفي، أن قيود الاحتلال على إدخال الغاز أدت إلى دخول 104 شاحنات فقط منذ سريان وقف إطلاق النار، في حين كان من المفترض دخول 660 شاحنة، أي نحو 16% فقط من الكمية المتفق عليها. (تكرار إحصائية ذكرها الاعلام الحكومي وهناك ربما اختلاف لكن من الجيد الاستعانة بجهة مستقلة

وأشارت الضمير إلى أن الحد المخصص لكل أسرة 8 كيلوغرامات من الغاز لكل دورة توزيع، وتُصرف لمرة واحدة لا تكفي حاجة المواطن في ظل عدم توفر بدائل كالكهرباء ووسائل طاقة بديلة.

ويفترس البرد الشديد الأطفال وكبار السن الذين يعيشون في خيام بالية، فشح الوقود، والغاز يحرم مئات آلاف الأبرياء المشردين في الشوارع، ومخيمات النزوح المنتشرة في جميع مناطق قطاع غزة بفعل الحرب الاسرائيلية على القطاع من الحصول على حقهم المكفول بالحصول على وسائل آمنة للتدفئة.

وفي ظل الانقطاع المتواصل للتيار الكهربائي، تصبح أجهزة التدفئة بلا قيمة، كما يعمق نقص الأغطية معاناة أهالي غزة في فصل الشتاء، ويتطلب هذا الوضع الكارثي استجابة طارئة من المجتمع الدولي لتوفير جميع ما يلزم لإنهاء هذا الواقع المأساوي في غزة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى