نساء غزة يقاومن بـ “الشعر والسرد” لتوثيق حكايات الإبادة

مهى شهوان
لم تكن نساء غزة خلال الحرب الأخيرة مجرد عابرات بين خيمةٍ وأخرى، ولا أرقامًا تصطف في طوابير المساعدات والمياه والخبز، بل كنّ شاهداتٍ يكتبن الألم، وذاكرةً حيّة توثّق كل لحظة كلما أتيح لهن خط إنترنت.
وثقت النساء الآمهن في طوابير الخبز ودورات المياه، ووصفن وجع فقدان البيت ومحو الذكريات، وسطرن كلمات الأسى عند نعي أفراد من عائلاتهن عبر منصات التواصل الإجتماعي، ووصلت كلماتهن للعالم مرفقة بالصورة والشهادة الحية، ومنهن الشاعرات والأديبات اللواتي حوّلن وجعهن إلى روايات وقصص وقصائد.
القطراوي: أطفالي الشهداء سيعيشون أطول في مسرحياتي
ومن النساء اللواتي وثقت وجعها، الشاعرة الاء القطراوي وهي أم لأربعة أطفال شهداء”، أنتجت خلال الإبادة الجماعية على قطاع غزة ، 3 مؤلفات بين الشعر والنصوص وهي” خيمة في السماء”، “يكلمني يامن” ، “فراشتي التي لا تموت”.
بدأت مأساة أبناء الشاعرة القطراوي – منفصلة وتعيش مع عائلتها في مخيم النصيرات -، مع اجتياح الاحتلال الإسرائيلي شرق خانيونس في الأول من ديسمبر/كانون الأول 2023، حيث حاصر الجنود منزل الأطفال أيامًا طويلة، واعتقلوا الرجال، ونهبوا الممتلكات، ثم فجّروا أنابيب الغاز وخزانات المياه وشرعوا بتجريف سور المنزل وأجزائه، بينما كانت الدبابات والقناصة تطوق المكان.
خلال حصار خانق وانقطاع شبه كامل للاتصال، ظل الأطفال الأربعة محاصرين مع جدتهم، يرسلون نداءات خوف واستغاثة أخيرة، قبل أن يُقصف المنزل بالكامل ويُدفنوا تحته.
وبسبب استمرار العمليات العسكرية وغياب المعدات، بقيت أجسادهم تحت الأنقاض لأشهر، ليثبت لاحقًا أنهم استشهدوا جميعًا نتيجة القصف والتجريف المتعمدين.
تقول القطراوي:” أؤمن أن على كل شاعر وكاتب فلسطيني أن يوثّق تجربته الخاصة في الحرب، لأن هذه التجارب ليست فردية أو معزولة، بل هي حقائق كاملة يجب أن تُروى(..) ما عشناه تحت الحرب، وتحت آلة القتل الإسرائيلية، ليس مجرد معاناة شخصية، بل شهادة على وحشية حاولت أن تمحو الإنسان الفلسطيني من الذاكرة”.
وتابعت بثباتها لمركز التنمية والاعلام المجتمعي (CDMC):” يجب أن يفهم العالم أن شهداءنا ليسوا أرقامًا، ويدرك الناس أن الأدباء هنا سُحقوا، وأن الشاعر قد يكتب قصيدته وهو لا يملك لقمة خبز، ومع ذلك يكتب، كي لا تضيع هذه المعاناة، وكي لا تُرمى في أدراج النسيان، بل تأخذ حقها في أن ترفع صوتها في كل مكان، وفي كل دولة، وبكل لغة”.
وأشارت إلى أن الحرب قد تنتهي أو تتوقف، لكنها لن تنتهي في الذاكرة، القصص التي خلّفتها ستبقى، موضحة أنها كغيرها شعرت بمسؤولية أن تكون جزءًا من هذا التوثيق، وحاولت بكل ما تستطيع ألا يتحول أطفالها الأربعة الشهداء: يامن، كنان، أوركيدا، وكرمل، إلى أرقام، فحولت قصصهم إلى مسرحيات وقصائد، وحكايات مكتوبة.
وتقول القطراوي:” ترجمت أعمالي إلى عدة لغات، وحصلت على عدة جوائز منها: أفضل ديوان شعري عن فئة الشباب لعام 2022 من مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين الثقافية، عن ديوان “ساقية تحاول الغناء”.
وتخبر القطراوي أنها كانت تقول في إحدى حفلات التوقيع:” يامن، كنان، أوركيدا، وكرمل سيعيشون أكثر وأطول منا، لأن الكتابة عنهم جعلتهم حضورًا دائمًا، لقد أصبحوا حياة لا تنتهي، وهم يستحقون ذلك.،كانوا حياة مكتملة، وفرحًا، وجمالًا، ودهشة”.
وتروي أنها من خلال الكتابة، أرادت أن تقول للعالم إن الاحتلال الإسرائيلي لم يقتل أربعة أطفال فقط، بل قتل أكثر من عشرين ألف طفل فلسطيني، في كل نص كتبته، كل أم فلسطينية حاضرة بصوتها، وكل طفل فلسطيني صوته موجود بين السطور.
وتقول:”قصتي الشخصية تحوّلت إلى تجربة وطنية عامة، تمثّل كل الأمهات الفلسطينيات على امتداد هذه الأرض، وتحمل وجعهن وذاكرتهن إلى العالم”.
عنبر: صوت الضحايا دفعني لتوثيق 100 قصة
أما الكاتبة ياسمين عنبر، قررت أن تترجم القصص التي تسمعها من الأصدقاء والمعارف إلى كتاب يحفظ تاريخ الشهداء لتؤكد أن ” الشهداء ليسوا أرقاما” وهذا عنوان مجموعتها القصصية التي أنهتها بعد ثلاثمائة يوم من كتابة مئة قصة من قصص شهداء حرب الإبادة.
تحكي عنبر لـ (CDMC) أن توثيق حرب الإبادة بالكتابة مهم جدا لأنه يحفظ الحقيقة من التلاشي مع الزمن، ويمنع حكايات الناس الضحايا أن تكون أرقام فقط في شريط اخبار سريع، مؤكدة أن التوثيق يفضح الجريمة ويمنع تزوير الحقائق خاصة أن الاحتلال يعمل على دحض الرواية الفلسطينية بكل الطرق.
وتؤكد أن التوثيق يوصل صوت الضحايا للعالم وللأجيال المقبلة، لاسيما حرب الإبادة اللي اخترق فيها المحتل كل القوانين الدولية ،مستدلة بالقول على ما كان يحكيه الأجداد “اللي بينكتب ما بيموت”.
وعن الدافع الذي جعل الكاتبة عنبر لتوثيق مئة قصة تقول:” أصوات الأمهات والزوجات والأطفال ، وبكاؤهم الذي لم يغادر أذني لحظة، ما يزال يطاردني ويتردد في داخلي، فيما القهر الذي رووا به حكايات من رحلوا ما زال يفتك بقلبي؛ فكيف كان شعورهم هم؟”.
وتابعت:” لم أختبر شعور الأم، ولم أصبح أمًا، ولم أتخيل كيف تقف امرأة أمام جثمان طفلها ممزقًا متفتتًا إلى ألف قطعة وقطعة، ولا كيف يودّع الأب أولاده جميعًا في قبر واحد ثم يعود إلى بيته وحيدًا، ما أعرفه يقينًا أن لكل شهيد حكاية.
وتحكي عنبر أن الكتاب “لم يكن مجرد عمل أدبي، بل واجب أخلاقي لتوثيق حياة من حوّلت آلة الحرب أجسادهم إلى أرقام في البيانات الرسمية”، موضحة أن جمع المعلومات جرى عبر تواصل مباشر مع عائلات الشهداء وشهود العيان، لضمان دقة التفاصيل وسلامة الرواية الإنسانية.
واعتمدت عنبر في توثيقها لقصص الشهداء منهجية خاصة تمزج بين التوثيق الصحفي والسرد الإنساني، من خلال أربعة فصول رئيسية تُظهر الشرائح المختلفة التي استهدفها الاحتلال بشكل مباشر.
وذكرت عنبر أن كتابها قسمته لأربعة فصول الأول “اغتيال الطفولة” يروي قصص أطفال غزة وأحلامهم الموءودة، والثاني “كوادر الجيش الأبيض” يتناول يوميات الأطباء والمسعفين الذين واصلوا أداء واجبهم الإنساني تحت النار، بينما الثالث “عيون الحقيقة” يستعرض سير الصحفيين الذين استشهدوا وهم يحملون كاميراتهم لتوثيق ما يجري في القطاع، بينما الرابع “إبادة العائلات” مؤلم يسلط الضوء على العائلات التي مُسحت بالكامل من سجلّ السكان الفلسطينيين، ولم يبقَ منها سوى الصور كشاهد وحيد على حياة كانت هنا.
ووفق بيانات رسمية للمكتب الإعلامي الحكومي بغزة، تكشف أن الاحتلال مسح أكثر من 2700 عائلة غزية تماما من السجل المدني خلال حربه على القطاع، بالإضافة إلى أن أكثر من 6020 عائلة أخرى أُبيدت، ولم ينج منها سوى فرد واحد، ليبقى شاهدا وحيدا على مأساة ذويه.
“أجنحة الذاكرة” تعلم الصغار توثيق الحكايات
لم يقتصر توثيق قصص الحرب على الكبار فقط، بل كانت هناك مبادرات كثيرة داخل الخيام لتعليم الصغار للحديث عن تجربتهم وتعليمهم كيف يترجمونها بالمسرح والموسيقى وكتابة القصة والشعر، كما تفعله مبادرة “أجنحة الذاكرة” بالشراكة مع مركز القطان الثقافي ضمن برنامج رحى الطارئ.
تقول الكاتبة والمدربة في مجال الثقافة والكتابة فاطمة الزهراء سحويل من داخل خيمة التدريب:” أجنحة الذاكرة، مبادرة أرشيفية وتوثيقية تُعنى بالأطفال، وتهدف إلى تعليمهم كيفية توثيق ذكرياتهم الجميلة داخل مدينة غزة قبل الحرب، وصناعة ذاكرة جماعية تحفظ حضورهم الإنساني وهويتهم الثقافية”.
وتوضح لـ (CDMC) أن التدريب ينطلق من استدعاء اللحظات المضيئة التي عاشها الأطفال في مدينتهم، تلك التي كانت تنبض بالحياة والفرح قبل أن تغيّر الحرب ملامحها، مؤكدة أن الهدف الأساسي هو تذكير الأطفال بهويتهم، وانتمائهم للمكان، وجمال المدينة التي احتضنت طفولتهم.
ويُدرَّب الأطفال على أساسيات التوثيق، من كتابة الأحداث وترتيبها، وتحديد احتياجات التوثيق، وصولًا إلى تحويل الذكريات إلى قصص قابلة للرواية، ليصبح الأطفال في المستقبل رواة حكايتهم بأصواتهم هم، لا عبر الآخرين.
وذكرت سحويل أن التدريب يؤكد على فكرة الوجود الفلسطيني في هذه الأرض، بهويته ورقّيه وجمال حضوره، وعلى أن الحقوق كانت بسيطة، والحياة كانت ممكنة قبل الحرب، وأن استدعاء هذه الذاكرة ليس هروبًا من الواقع، بل تثبيتًا للهوية ومعرفة للذات.
وذكرت أنه في البداية واجهت صعوبة في قدرة الأطفال على استحضار الذكريات الجميلة، إذ كانت الإجابات غالبًا:”مش ذاكر” أو “مش عارف”، لكن مع تكرار اللقاءات، بدأت الذاكرة تستيقظ، فعبر الأسئلة التفصيلية عن أعياد الميلاد، الفستان، مكان الاحتفال، الكعكة، من حضر، وأين جرى الاحتفال داخل البيت، بدأت التفاصيل تعود، ومعها عاد الإحساس بالجمال.
وفي ذات السياق يقول عادل الأسطة الكاتب والناقد الأدبي:” غالبا ما أقرأ ما تكتبه كاتبات غزة النشيطات فيسبوكيا، مثل الناشطة أم أيمن الصوص، فائقة وحكمت عليان المصري ونعمة حسن، حيث أقرأ يومياتهن، أو ما يعدن نشره من مقالات أو قصائد ينشرنها أولا في صحف ومجلات عربية، كما فعلت كاتبات عديدات مثل هيا فريج و آلاء القطراوي، أو يعدن نشرها في كتاب ، كما فعلت الشاعرة فاتنة الغرة التي كتبت يومياتها وأصدرتها في كتاب صدر عن دار المتوسط “.
واضاف لـ (CDMC):” هناك كاتبات كثيرات كتبن ولكني لم أتابعهن متابعة حثيثة ، ربما لأنهن كن في غزة وخرجن منها، وهناك كاتبات قرأت لهن نصا في كتب أصدرها عاطف ابوسيف عن وزارة الثقافة أو عن الدار الأهلية في عمان في الأردن” .
وتابع الأسطة:” غالبا ما أسهمت في إعادة نشر ما يكتبن أو حثثت مواقع إلكترونية ، مثل موقع مبدعون فلسطينيون، على إعادة نشرها”، مشيرا إلى أن هناك متابعات حثيثة وشبه يومية لكاتبات يكتبن يوميات عما يمررن به أو يشاهدن .
ويرى أن الكتابة في ظل الحرب من داخل غزة شهادة حية حارة على ما يجري، معتقدا أن البحث عن جماليات فيها ضرب من الترف لا أكثر، على الرغم من أن بعض القصائد الغنائية لم تخل من جماليات أسلوبية.
ويؤكد أن ما يجب التركيز عليه بالدرجة الأولى هو القيمة التوثيقية التاريخية الاجتماعية، معلقا” ماذا ننتظر من كاتبة تكتب في ظروف قاسية جدا؛ ظروف أقسى مما نتصور “لا بيت ولا مكتب ولا مكتبة ولا توفر كهرباء أو رغيف خبز أو شربة ماء”؟.





