حكاية نزوح نحو المجهول

حكاية نزوح نحو المجهول
#الحماية_حق #cdmcgaza

هديل وائل المزعنن 

في سبتمبر 2025 شهدت غزة موجة نزوح جديدة، تحوّل فيها الدمار والتهجير إلى واقع يومي، ولم تكن قصة غادة سوى فصل جديد من كتاب طويل من المعاناة منذ بداية حرب 2023على قطاع غزة، وصدىً لأصوات آلاف العائلات.

في هذه المرة لم يكن هناك سوى أمر إخلاء شديد اللهجة صدر كالصاعقة، حيث استيقظت غادة (27 عاماً) وشقيقيها (خالد 31 عاماً) و (أسامة 17 عاماً) في مخيم الشاطئ غرب قطاع غزة على أصوات السكان يتحدثون عن مناشير بيضاء تحمل شعار “الجيش الإسرائيلي” وعبارة صارمة تطالب بالإخلاء فوراً إلى الجنوب.

تقول غادة وهي تفتح هاتفها لتجد رسالة مشابهة: ” لم نخف في البداية، منذ شهور ونحن نسمع عبارات مشابهة، لكننا لا نستطيع النزوح وان أردنا لا يوجد مال كافي لوسيلة نقل والخيمة وحتى لإيجاد مكان.

ولم يطل الأمر حتى تقدمت أليات الاحتلال واشتدّ القصف العشوائي على المخيم، وفي المساء تلقيت اتصالًا من رقم مجهول قال فيه جندي بالعربية المكسّرة: “أمامكم أقل من 24 ساعة… كل من يبقى سيتم استهدافه “

وتضيف غادة: ” كانت لحظة رعب حقيقي الرسالة واضحة الذي يبقى يموت، ولا يوجد أي فرصة للتردد” 

هكذا جاء أمر الإخلاء، ليتحول إلى سيل بشري يدفع الناس خارج بيوتهم وخيامهم.  وقفت غادة وعيناها تلتقط وجهي شقيقيها، الأمل الوحيد لها في غزة، إذ لم يكن لديهم خيار سوى الانطلاق.

في صباح 20 سبتمبر 2025، غادرت غادة وشقيقيها المخيم على الأقدام، إذ لم يجدوا سيارة تقلهم ولا أحد يستطيع تحمل أجرة النقل الجنونية حيث وصل سعر حمولة باص (فلوكسة) إلى 700 $ كاش. 

قالت غادة: “حملت حقيبة قماشية بالية فيها بعض الملابس و الأدوية الضرورية لأخي الأكبر الذي أُصيب مرتين خلال حرب الإبادة و صورة عائلية باهتة ، و حمل خالد حقيبة ظهر بها بعض الأدوات التي ربما يحتاجونها وملابس له ، و حمل أسامة حقيبة صغيرة تحتوي على غيارين من ملابسه ، و حقيبة أخرى تحتوي على بعض الأغراض المنزلية الأساسية”

خرجوا من البيت الذي كانوا نازحون به من مخيم الشاطيء أحد أقدم وأكثر المخيمات اكتظاظاً في قطاع غزة، حيث يسكنه ما يقارب 85,628 على بقعة جغرافية لا تزيد عن 0.52 كيلومتر مربع فقط حسب تقديرات جهاز الإحصاء المركزي.

انطلقوا من شارع ضيق في المخيم نحو شارع الرشيد الساحلي الترابي، حيث كان مئات المدنيين يتجهون جنوباً تحت شمس حارقة وهواء مشبع بالدخان والغبار.

 تقول غادة: “قرب ميناء غزة توقّفنا لأول مرة جلست على الأرض لأستريح وأخرجت قارورة ماء صغيرة، شربناها كلنا على مراحل كنا منهكين من الحرو الحِمل معنا ثقيل”، واصلوا المسير حتى منطقة النابلسي، حيث امتدت الطريق الرملية، وبدأت الأقدام تتقرّح من طول السير.

تقول غادة:”بحلول الساعة الثالثة عصراً كانت أجسادنا قد أنهكت تماماً، فتوقفنا مرة أخرى لنستريح، جلسنا بين أكوام الردم في ظل ضئيل، ثم أكملنا طريقنا مع غروب الشمس”، ومع اقترابهم من منطقة تبة النويري وسط قطاع غزة، تحولت الأرض إلى ساحة مكتظة بالبشر، وبدأ أصعب فصل الافتراق.

 قالت غادة بصوت مُنكسر: “كُتب علينا أن ننفصل مؤقتًا، لم يجد الأخوة الثلاثة مكاناً يجمعهم حيث ذهب الأخ الأكبر لمأوى عند صديق في مخيم المغازي وسط القطاع، والأصغر عند صديق آخر في شرق النصيرات وسط القطاع، وغادة إلى بيت أحد المعارف في منطقة الزوايدة وسط قطاع غزة.

تقول غادة: “ودّعتهم وأنا مش عارفة إذا حنشوف بعض تاني وخايفة يكون الوداع الأخير” كان ذلك البيت الذي نزحت به غادة يضم عشرات النازحين، غرفة صغيرة فيها أكثر من 23 شخصاً، بينهم أطفال ونساء. 

وأضافت غادة واصفة: “البيت 70 متر بالكثير، وحمام واحد للجميع. كنا ننام جنب بعض من الضيق، بس الأهم أننا تحت سقف.”

مرت الأيام ببطء، أيام يختلط فيها الخوف بالانتظار، لم ترى غادة شقيقيها لأكثر من 3 أسابيع ، كانوا يطمئنون على بعضهم من خلال مكالمة هاتفية قصيرة تُلخص كيف حالهم.

بعد أربعة أسابيع، استضافتها عائلة صديقة لأخيها الأصغر، تقول: “استقبلونا بدون مقابل قسمونا لغرفتين، أنا مع عائلتهم في غرفة صغيرة، وإخواني في غرفة خارجية سقفها من الإسبست بس بعد كل اللي عشناه اعتبرناها جنة”.

وأضافت: “صرت أحلم بس بالأمان ، بسقف ما يتهزش ، بالنوم على هدوء مش صوت انفجارات ، يمكن البساطة صارت كرامة اليوم”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى