في غزة… حين يصبح الانتظار أخطر من المرض

 

في غزة… حين يصبح الانتظار أخطر من المرض
#الحماية_حق #cdmcgaza

غالية أبو مصبح

عند مدخل خيمة صغيرة لا تتجاوز مساحتها عشرة أمتار مربعة، في مخيمات النزوح بمنطقة مواصي خانيونس جنوب قطاع غزة، تجلس أم محمود تحت أشعة الشمس، محتضنة ملفًا طبيًا مهترئًا تنقّل معها بين المراكز الصحية، تراقب الطريق الرملي بصمت، وكأنها تنتظر خبرًا مختلفًا لم يصل منذ أشهر.

رحلة علاج توقفت عند المعبر

زوجها محمد سالم (45 عاماً) كان يعاني من سرطان في الجهاز الهضمي اكتشف إصابته قبل اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، واحتاج إلى علاج تخصصي غير متوفر داخل القطاع، غير أن إغلاق المعابر ومنع سفر المرضى جعلا خروجه للعلاج مستحيلًا، لتتوقف رحلته الصحية عند حدود مغلقة.

وتروي زوجته قائلة:“كان يحاول المشي رغم الألم، وكان يقول دائمًا: بدي أتحسّن وأرجع أشتغل، لكن الدواء ما وصل، وما كان إلنا غير ننتظر.

ومع مرور الوقت، لم يعد الانتظار خيارًا، بل قدرًا، ففي إحدى ليالي ديسمبر/كانون الأول 2024، داخل الخيمة، وبينما كانت زوجته تمسك بيده، توقّف قلب محمد رحل قبل أن يصل العلاج، وقبل أن يُفتح المعبر الذي كان طريقه الوحيد للنجاة، بحسب إفادة عائلته.

غير أن قصة محمد لا تمثل حالة فردية، بل تأتي ضمن سياق أوسع يعكس واقع المنظومة الصحية في غزة منذ بدء الحرب،فبحسب وزارة الصحة في غزة، تعاني المستشفيات من نقص حاد وغير مسبوق، حيث نفد نحو 52% من الأدوية الأساسية، و71% من المستلزمات الطبية والمخبرية كما أن نسبة العجز في أدوية علاج السرطان وأمراض الدم بلغت 70% ،الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أعداد الحالات التي تحتاج إلى تدخلات طبية عاجلة، في وقت تعجز فيه الطواقم الطبية عن تلبية الاحتياجات المتزايدة.

ضغط يتجاوز القدرة داخل العيادات

هذا العجز يظهر بوضوح داخل العيادات الميدانية المنتشرة في مناطق النزوح، ففي عيادة ميدانية بمنطقة مواصي خانيونس جنوب قطاع غزة، يتوافد المرضى بأعداد تفوق قدرة المكان، وهناك يعمل الطبيب جهاد أبو يوسف، الذي يصف المشهد اليومي قائلًا:

“قد يصلنا يوميًا أكثر من 300 مريض، بينما قدرتنا الطبيعية لا تتجاوز 120 حالة. كثير منهم يحتاجون مضادات حيوية أو محاليل أو أدوية للأمراض المزمنة غير المتوفرة، وبعض الجروح تتطلب تغيير الضمادات يوميًا، لكن ما نملكه لا يكفي سوى نصف العدد.

ومن بين الحالات التي ما تزال عالقة في ذاكرته، يروي الطبيب قصة طفل يبلغ ست سنوات يُدعى محمد، أُصيب بحروق في قدمه جراء قصف طال المنطقة التي كانت تقيم فيها عائلته:

وقد كان يحتاج كريمات طبية خاصة غير متوفرة، واضطررنا لاستخدام بدائل أقل فعالية، مما يؤخر الشفاء وقد يسبب التهابات خطيرة.

ويضيف موضحًا خطورة الوضع:”نقص الدواء لا يقل خطورة عن القصف؛ القنبلة تقتل مرة واحدة، لكن غياب العلاج يقتل ببطء.”

النزوح كعامل مضاعف للأزمة

ولا تقتصر الأزمة على نقص الدواء فحسب، بل تتفاقم بفعل ظروف النزوح القاسية، فعلى مقربة من العيادة، تعيش غادة، أم لثلاثة أطفال، في خيمة تفتقر لأبسط مقومات الحياة الصحية، تعاني من مرض مزمن يتطلب علاجًا منتظمًا، لكنها تقول:”لا يوجد دواء، وكل مرة أذهب إلى المركز الصحي أعود من دون علاج.

وفي الوقت نفسه، يعاني طفلها الأصغر من إسهال مزمن نتيجة تلوث المياه، فيما يحتاج طفلها الأكبر محمد إلى تغيير الضمادات مرتين أو ثلاث يوميًا وتضيف:”المستشفى بعيد، وأمشي ساعة أو أكثر تحت الشمس، وعندما أصل أحيانًا لا أجد إلا علاجًا بسيطًا، وأحيانًا لا أجد شيئًا.

أرقام تعكس حجم الكارثة

وتعزز هذه الشهادات الإنسانية الأرقام الصادرة عن الأمم المتحدة، التي تشير إلى أن أكثر من 1.5 مليون نازح يعيشون في قطاع غزة في ظروف غير صحية، مع ارتفاع ملحوظ في أمراض الجهاز الهضمي والجهاز التنفسي، وتضاعف حالات الإسهال الحاد بين الأطفال، إضافة إلى انتشار الأمراض الجلدية نتيجة الحرارة ونقص المياه النظيفة، كما تعاني العديد من المراكز الصحية من نفاد المحاليل الوريدية، ما يزيد من تعقيد الوضع الصحي.

وفي هذا السياق، تؤكد وزارة الصحة في غزة أن إغلاق المعابر ومنع دخول شاحنات الأدوية والمستلزمات الطبية من قبل الاحتلال الإسرائيلي هو العامل الرئيسي في تفاقم الأزمة، حيث يُمنع المرضى من السفر للعلاج، وتتأخر الإمدادات الطبية، ما يؤدي إلى وفيات يمكن تفاديها، لا سيما بين مرضى السرطان والقلب والفشل الكلوي.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى