كيف تقاوم النساء في غزة…!
سؤال جدلي يقفز في الثامن من آذار تعقبه ضحكة ساخرة من الحياة والموت، فكلاهما سيان في غزة..!
كيف تقاوم النساء في غزة…!
هداية شمعون (*)
سؤال جدلي يقفز في الثامن من آذار تعقبه ضحكة ساخرة من الحياة والموت، فكلاهما سيان في غزة..! الثامن من آذار تلك المناسبة السنوية التي طالما كانت بمثابة تذكير بالعمل الحثيث الواجب عمله، لكنها هذا العام تجعلنا نقف كثيرا نتأمل الأيام السابقة والسنوات التي أصبحت خلفنا، بينما ظلالنا تنعكس على القادم منها وليس المنصرم!! أجساد النساء وظلال هذه الأجساد باتت مساحة لمعركة لم يكتب عنها بعد، فالأجساد لازالت تقاوم بطريقتها، ففي الخيمة تنهار الأجساد لكنه انهيار لحظي ترفضه الروح تماما، فلا رفاهية لانهيار الجسد، ولا صحة لمقولة “استراحة محارب” ولا “وقت مستقطع”، مع كل نفس أوكسجين تستنشقه النساء في غزة تكمن المقاومة لكل هذا الظلم والخذلان.
تدرك أمهاتنا وأخواتنا وبناتنا أن يدا لن تمتد لتكسر الجدران الصلبة، ولن تتجاوز أعين الكاميرات اللعينة، ولن تهرب من طائرات الكوادكابتر الإسرائيلية التي تحمل القتل اليومي، يدا لن تمتد إلى سجن غزة لتسند أجساد النساء وظلهن، لكن يدا ليست بشرية تشع بالإيمان، وبالقوة الداخلية والصلابة لأجل العائلة ومن تبقى من ناجين، هي يد النساء أنفسهن يد الاسناد والالهام والصبر والصلابة لأجل أحبتهن.! فكم من إمرأة هوى جسدها كي يحظى صغارها بلقمة تسد رمق جوعهم، وكم من إمرأة ارتعشت ليلا وفي أيام الشتاء القاسية لتبث الدفء في الأجساد الصغيرة حولها، وكم من امرأة كتمت أوجاعها وقهرها كي لا تنهار أسرتها بأكملها.!
لم تعد الكلمات وتفسيراتها تعبر عما يدور في أعماق النفس البشرية في غزة، فكل أشكال وأنواع القتل والتعذيب والحصار والحرمان تمتد لأكثر من 20 عاما ولازالت تزداد بوحشية وفجور في الأعوام الأخيرة المنصرمة، مع كل شهيق وزفير قد يبدو عادي جدا لمن هم خارج غزة، تبدأ المعركة الوجودية للنساء والفتيات، بعضها ظاهر وموثق في طوابير المياه التي تمتد بالساعات والدقائق الثقيلة، وبعضها نراه في ركضهن وتعثرهن خلف شاحنات المياه لأمتار وأمتار بعيدة عن خيمتهن، وبعضها نراه في الهرولة للحصول على بعض الأوراق والأغصان الجافة والكراتين الممزقة علها تصبح بعد ساعات وقودا لنار يمكنها أن تصنع طعام للغذاء أو لقمة دافئة تسند الجوع للأطفال الذين كبروا قبل أوانهم، وقد تبدو النساء في معركتهن الخاصة التي يهمسن بها مع أنفسهن: كيف نحظى بماء دافىء، حمام يزيل عن الجسد تعبه، وما علق به من سواد النيران، يعيد للبشرة نضارتها، ويكسر دائرة الخوف والقلق والانتظار.!! لكن الروح تحترق مع كل همسة قادمة من أنحاء الخيمة: أريد حليب.! أريد فاكهة.! أريد ألعاب.! وأصوات مرتعشة تحاصرها الحدود والركام: اين الطريق لمدرستي؟ أريد مدرستي.! أريد أن أذهب للجامعة؟ أين جامعتي.! أريد أن أزور حديقة لأرى الأزهار والشجر والعصافير..! ألا يوجد حديقة في المدينة.!!
غزة التي تحولت حدائقها إلى مقابر لم تعد تعثر فيها على أشجار خضراء تسر العين، لقد أحرقوا الأشجار والبيوت وأحرقوا أحبتنا معها!! من يجرؤ أن يفصح عما في الروح من وهن!! هل من منتزه ليلعب الأطفال بحرية!! لا وقت للعب! ولا معنى للعب الحر فقد يعثر الأطفال على بقايا أحبة دفنوا تحت التراب! قد تكون بقايا لأب أو لأم أو لجدة..! كل خطوة في غزة هي موت قاسي، هي قتل للأحلام القادمة، تقول طفلة[1] بعمر 17 عام:” محرومة من المدرسة، خايفة كثير مع الوقت أهلي يجوزوني صغيرة، لأنه ما في مدارس بغزة، ولا أمن، والناس بيراقبوا البنت اللي في عمرنا بكل حركة” الأحلام التي وأدتها الإبادة لم يعد هنالك متسع من الوقت أو الرغبة أن نتحدث عنها، لكنا نتحدث عن الأحلام الحالية والمستقبلية، بل هي ليست أحلام بالمفهوم الحقيقي بل هي حقوق، حق الطفولة في الحياة والتعليم هي من الحقوق الأساسية، هل رأيتم كيف تدرك الطفلة ذات السبعة عشر عاما ما هو ثمن حرمانها من المدرسة بفعل الحرب؟ فراغ مخيف ينتظرها، واقع مرعب بأن تجبر الظروف المعيشية والبقاء في خيمة لا تحمي أحدا وهي كطفلة وانثى فإن واقعا مخيفا ينتظرها بلا تعليم، قد تجبر على التزويج المبكر! وهذا ما بات يرعبها أكثر من الحرب نفسها؟! من يراقب أحلام الأطفال في غزة! ومن يستطيع أن يصرخ بأنها حقوق وليست أحلام وأمنيات.!
شعر لا تراه الشمس.!!
من يحمي النساء في طوابير التكيات والمياه؟! وكيف تقاوم النساء الخيبة والألم، لو رأيتم أنهن فقدن الابتسامة لكنهن لم يفقدن الإيمان بأن حياة كريمة يجب أن يحصلن عليها! إن الخيمة تلك القماشة التي لا تحمي جسدا ولا روحا تقاوم أيضا مع النساء، يقاومن فكرة البقاء لسنوات أخرى فيها بجعلها مكانا نظيفا بكل ما يملكن من قوة، إنهن يتحلقن مع بعضهن البعض، يضحكن على البدائية التي عدن إليها في حياتهن لكنهن لا يصرخن، لا يستطعن الصراخ لأن صراخهن طال عنان السماء لعامين كاملين وهن ينزحن من مكان لمكان، ويهربن من الصواريخ المتناثرة والدبابات القبيحة بينما يحملن أطفالهن بأسنانهن، كم امرأة في غزة ودت لم تعيد أطفالها لرحمها علهن يضمن تطبيق عهد الأمومة بالحماية، فمن يحميهن من غابة العالم الجديدة التي ترى أنهم نازحات بلا بيت ولا مأوى ولا خصوصية.! نساء غزة لم يعدن يمشطن شعرهن في الحرب، ولم يعد شعرهن يرى الشمس فثقوب الخيمة كافية لتصرخ في العالم غير العادل بأن هناك نساء بقين رغم كل آلة القتل والذبح، وهن الآن ينهضن مع إشراقة الصبح فقد اشتقن لضوء النهار، فلا كهرباء في غزة.! وما أن تغيب الشمس حتى يكن قد احتضن صغارهن أو صور من فقدتهم لتطمئن أنهم سيبقوا معا أو سيقتلوا معا.!
الليل طويل في غزة وهو ليل دامس تغلق فيه الأعين وتفتح فيه أبواب الروح المنهكة، هنا فقط تبكي النساء وحدهن في العتمة، بلا صوت يتنفسن ببطء، تذرف الدموع كأنها مكبوتة وجعا وكمدا وألما، فلمن ينطق بالجراح، فقط لصاحباته، تنطلق آمالهن بمستقبل أكثر كرامة، ببيت أو كرفان يأويهن، بالعودة لبيتهن المدمر، علهن ينتشلن ذكرى حبيب أو يعثرن على ابتسامتهن التي فقدنها في الحرب…! تتلفع النساء بالصمت فالجسد يعمل ليل نهار، وعقلهن يعمل ليل نهار، لا يغفو وصوت الأقدام قرب الخيمة وصرخات الجوع والحرمان تحيط بهن من كل جانب، الليل طويل في وجه النساء إذ يقضين معظمه مسهدات العيون يفكرن في أسرهن، في حياتهن السابقة، في حياتهن الحالية، ويعدن للتنفس بصعوبة: وهل هذه حياة.!
الجميع بات يعرف من القاتل بينما الضحايا ينتظرون وقت إعدامهن.! يا هذا الآذار كنت فيما مضى مساحة لنعيد تقييم ذواتنا وما فعلناه وما يجب أن نفعله، كنت تذكرنا بما يجب أن نناضل لأجله، لكنك هذا العام مختلف لا تشبهنا، قاسيا حد الموت البطىء، كسكين حافي تنحني على رقاب النساء دون رحمة.!

كتبت النساء والأطفال أثناء الإبادة أسماء أطفالهن على أجسادهم، هذا الجسد الذي لازال مطحونا في المعركة الوجودية أن تكون أو لا تكون.! أن تبقى أو يبقى بعض منك، كأنها مقامرة إجبارية مع القتل في غزة، كأن النساء يخلقن أجواءهن الخاصة في مقارعة الموت الذي لا ينتهي أبدا، تكتب النساء الآن أسماءهن على غيوم السماء تلك التي لم يعدن يرينها بفعل كثافة الطائرات التي جعلت العصافير تهرب من المدينة، تغطي النساء وجوههن بطرف المنديل حتى لا يسمعن صيحات الدهشة والتعجب لنحافة وجههن، واسمراره، ونحوله، تخفي النساء أيديهن الملطخة بالسواد فلا تسريحة في غرفة النوم، ولا مرآة سليمة، ولا سقف يستر خصوصيتهن، ولا حبيب يشعل قلبهن لأجل الحياة، إنهن يناضلن لأجل النجاة بمفهومها العام، قد تكون نجاة الجسد.! لكن آلاف النساء لم ينجين ببعضهن وقطعت أطرافهن وبتن يعيشن في فقاعة مجتمعية منهكة تجعل منهن ضحايا بلا علاج ولا سفر ولا تركيب أطراف ولا أحد يرحم، الجميع يركض لينجو، الحياة في غزة باتت قاسية حد الموت كأن فراشك من دبابيس وإبر، لا يمكنك البقاء طويلا فالدماء تنزف من كل جسدك، وأنت تكافح لأجل النجاة.!
تقص النساء شعرهن فالماء لم يعد وفيرا ولا نظيفا ولا رفاهية في ملابس متنوعة فالغسيل دائرة معاناة أخرى، لكنهن يقاومن بنقطة الماء التي لديهن، يغسلن فيها الملابس، ثم يغسلن فيها الأواني، ثم يغسلن فيها ساحة الخيمة، حتى يتبخر الماء لكن شيئا لا يهدر، فلا رفاهية لهدر قطرة ماء واحدة.!
كلماتهن تلطخنا في الثامن من آذار: سرقوا خصوصيتنا، سرقوا وقتنا، سرقوا اعمارنا، سرقوا أحلامنا، لكن يكفي أن نبقى هنا حتى يسألوا أنفسهم..! أبعد كل هذا القتل والحصار والحرمان والوأد في القرن الواحد والعشرين لنساء وفتيات وطفلات غزة ألازلن على قيد الحياة/الأمل.!!لا تسألوا كيف تقاوم نساء غزة الإبادة والموت اليومي، بل اسألوا انفسكم ماذا فعلتم لأجل نساء غزة وهل امتدت يدكم لأجل أراوح معذبة في غزة لازالت تقاوم.!
ـــــــــــــــــــــــــــ
(*) كاتبة وإعلامية فلسطينية من قطاع غزة -رفح
[1] هيئة الأمم المتحدة للمرأة: مقتبس من نشرة حول قضايا النوع الاجتماعي، الأثر المتعلق بالنوع الاجتماعي للأزمة في غزة، يناير 2024





