غزة في الهدنة: التجويع الصامت ينهش أجساد النساء

غزة في الهدنة: التجويع الصامت ينهش أجساد النساء
#الحماية_حق #cdmcgaza

 

مرح الوادية:

في قطاع غزة، وبعد أشهر على إعلان وقف إطلاق النار، لا تبدو الحياة وكأنها تعود إلى طبيعتها بقدر ما تتخذ شكلًا آخر من المعاناة. فالتجويع الذي بلغ ذروته خلال الحرب لم ينتهِ، بل تغيّر شكله، ليصبح أكثر هدوءًا وأقل صخبًا، لكنه لا يقل فتكًا، خصوصًا بحق النساء.

في البيوت شبه المهدّمة ومخيمات النزوح والأسواق الفقيرة، تدفع النساء ثمنًا مضاعفًا للجوع، بين حملٍ مهدد، وأمومةٍ منقوصة، وشيخوخةٍ تُصارع المرض بلا غذاء مناسب.

في حي الزيتون شرقي مدينة غزة، تجلس هدى توفيق (33 عامًا) داخل منزل تضرر بفعل القصف، تتأمل سلة صغيرة لا تضم سوى بضع حبات من البطاطس والباذنجان. هذه السلة، كما تقول، بالكاد تكفي لأيام قليلة، وهي كل ما استطاعت توفيره لعائلتها. 

فقدت السيدة زوجها الذي كان يعمل سائقا، بقصف إسرائيلي استهدف منزل عائلتها يوم الـ21 من سبتمبر 2025، بعدما ذهب لإحضار والدها من منزله في حي النصر غربي المدينة استعدادًا للنزوح إلى جنوبي القطاع.

هدى هي أم لثلاثة أطفال، وحامل في شهرها الرابع، تمثل صورة مكثفة لتقاطع الفقر مع الأمومة والحمل وسوء التغذية.

تشير إلى السلة وتقول بمرارة: “الأسعار انخفضت نسبيًا، لكنها لم تعد كما كانت قبل الحرب، والمواد الغذائية الضرورية لأطفالي ما زالت غير متوفرة. وحتى القليل الموجود سعره مرتفع ولا أستطيع شراءه”. 

وتوضح: ” كيلو البطاطس وصل إلى 5 شواكل أي ما يعادل دولار ونصف وهو في أحسن أحوال الحرب بعدما ارتفع ليصل 80 شيكلا/20 دولارًا، بينما كان سعره سابقا أقل من دولار قبل اندلاعها”.

لا تخفي هدى أنها غالبًا ما تفضّل حرمان نفسها من الطعام لتعطي حصتها لأطفالها، لكن القلق الأكبر، كما تقول، هو الجنين الذي تحمله. 

“لو استطعت، أُطعم أولادي قبلي، لكن الجنين في بطني لا ذنب له. ليس باليد حيلة”، تضيف بصوتٍ يختلط فيه الخوف بالعجز.

وكان أكبر أطفالها آدم يبلغ 6 سنوات قد تعرّض لحادث دهس قبل شهرين، إذ بات يحتاج إلى تغذية متوازنة للتعافي، لكن انقطاع الغذاء الصحي أدى إلى تراجع حالته.

تقول: “بدأ يشكو من نمنمة في مكان الإصابة، وهو ما يؤكّد، بحسب مختصي التغذية، وجود سوء تغذية”، قبل أن تشير إلى طفلتها ذات الأربع سنوات، مؤكدة أنها لا تحصل على ما يكفي من الغذاء كما كان حال إخوتها الأكبر في العمر نفسه قبل الحرب.

تجربة هدى ليست استثناءً. فمنذ تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر 2025، كان من المفترض أن تدخل إلى غزة ما لا يقل عن 600 شاحنة يوميًا محمّلة بالمساعدات والبضائع، إلا أن الواقع، بحسب تقرير نشره المكتب الإعلامي الحكومي في غزة فقد دخل القطاع 3203 شاحنات من أصل 13200 شاحنة كان من المفترض أن تدخل، بمعدل 24% فقط من العدد المتفق عليه.

ولعل الأخطر من ذلك، أن طبيعة السلع نفسها تغيّرت، حيث تغرق الأسواق بالحلويات والسكريات والمسلّيات، في مقابل ندرة شديدة في البروتينات واللحوم والبيض والألبان والخضروات المتنوعة.

في مخيم الشاطىء غرب قطاع غزة، تعيش ميادة محمد (28 عاما) في غرفةٍ ضيقة من الصفيح والإسمنت المتشقق، بسقفٍ واطئ بالكاد يحميها من الأمطار والرياح، حيث لا يفصلها عن الخارج سوى جدران هشة تزيد شعورها بالهشاشة في شهرها التاسع، تحصي الوقت لا بالأيام، بل بالمخاوف، حيث يُفترض أن تكون الولادة لحظة انتظار وترقّب، تحولت إلى عبء ثقيل تحت وطأة الجوع وانهيار النظام الصحي.

بالنسبة لميادة، لا يقتصر القلق على آلام المخاض المقبلة، بل يمتد إلى سؤال أكثر قسوة: كيف ستلد طفلها، وكيف ستطعمه، وهي نفسها محرومة من الغذاء والرعاية.

 تقول بصوتٍ مرهق: “لا أعلم كيف سأستطيع إرضاع طفلي وأنا لا أحصل على الغذاء المناسب”.

هذا القلق الفردي يعكس واقعًا أوسع تعيشه آلاف النساء الحوامل في غزة. فبحسب منظمة الصحة العالمية، فإن أكثر من 37 ألف امرأة حامل ومرضعة، إلى جانب أكثر من 100 ألف طفل، سيعانون من سوء تغذية حاد خلال الأشهر المقبلة، بينما يعمل نحو 50% فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي وسط نقص حاد في الإمدادات الطبية.

وحذرت المنظمة من أن التقدم في الحد من المجاعة في قطاع غزة لا يزال هشًا للغاية، في ظل الدمار الواسع للبنية التحتية، وانهيار سبل العيش، وتراجع إنتاج الغذاء، والقيود المفروضة على العمل الإنساني.

ووفقًا لتصريحات مبادرة التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)، بدأت أوضاع المجاعة في غزة منذ أغسطس/آب 2025، حين وصلت مستويات الجوع وسوء التغذية إلى المرحلة الخامسة من التصنيف، أعلى مستوى يشير إلى المجاعة.

تدهور الوضع الغذائي حينها بشكل حاد بعد أشهر من الحرب والحصار، وفرض قيود مشددة على دخول الغذاء والدواء والمواد الأساسية من قبل الاحتلال.

وهنا لا بد من الإشارة، أنه خلال الفترة من مارس/آذار وحتى تنفيذ وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، حُرم أهالي قطاع غزة من المساعدات الإنسانية بشكل شبه كامل، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع حالات سوء التغذية الحاد بين النساء الحوامل والمرضعات.

وتشير يونيسيف إلى تفاقم هذه الحالة في عام 2025 مقارنة بما قبل الحرب، مع تسجيل حالات مواليد منخفضي الوزن أو مولودين قبل الأوان نتيجة سوء تغذية الأم.

وفي بيانات جمعتها وزارة الصحة بغزة بالتعاون مع مؤسسات دولية، فقد سُجل نحو 3000 حالة إجهاض ووفاة داخل الرحم ضمن الحالات الصحية المرتبطة بتدهور الوضع الغذائي والصحي العام، ما يعكس أثر الحصار ونقص المساعدات الأساسية على صحة النساء والأطفال.

وبحسب وزارة الصحة بغزة، فإن أكثر من 60% من الأدوية الحيوية مفقودة، إلى جانب 55% من المستلزمات الطبية الضرورية، حيث تشمل هذه النواقص أدوية تحفيز الولادة، وأدوية النزيف، والمضادات الحيوية، والمكملات الغذائية، ما يجعل الولادة مغامرة محفوفة بالمخاطر، سواء للأم أو للطفل.

ولا يتوقف أثر التجويع الصامت عند النساء الشابات، بل يمتد بثقله إلى المسنّات، اللواتي يواجهن المرض والحرمان في آن واحد، و-على سبيل المثال لا الحصر- تعيش أم هاني (61 عامًا)، المصابة بمرض السكري، واقعًا صحيًا يزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم.

تقول:” إن الجوع لم يكن دائمًا شعورًا بالفراغ، بل كان أحيانًا امتلاءً بلا قيمة غذائية. “شعرت أحيانًا بالشبع، لكن بلا فائدة صحية”، تشرح، أن ما كان متوفرًا لم يراعِ حالتها المرضية ولا احتياجات جسدها المتقدم في العمر.

تحدثنا أنه خلال ذروة المجاعة، كان أحد أبنائها يخاطر بحياته بحثًا عن كيس دقيق، في محاولة يائسة لتأمين الحد الأدنى من الطعام، حتى وإن كان يفتقر إلى العناصر الغذائية الأساسية.

وبحسب أخصائي التغذية موسى أبو عمارة، فأوضح هنا، أن كبار السن ومرضى السكري قد يشعرون بالشبع، إلا أن نقص البروتينات والفيتامينات والمعادن يفاقم أمراضهم المزمنة ويضعف مناعتهم، مما يجعل كل وجبة ناقصة خطرًا حقيقيًا على حياتهم.

ورغم تحسن نسبي في توفر بعض السلع مقارنة بفترات سابقة، ترى أم هاني أن المشكلة لم تُحل، بل تغيّر شكلها، إذ تعتبر بأن “توفر الغذاء لا يعني صلاحيته للجميع”.

تشير إلى حاجة كبار السن ومرضى الأمراض المزمنة إلى خضار وفواكه وبيض ولحوم تقوي أجسامهم، هذه الأصناف، بحسبها، إما نادرة أو باهظة الثمن، لدرجة أن أسعار التفاح والموز، وهما من أبسط الفواكه، ما زالت تفوق قدرة كثيرين على الشراء.

تخبرنا أن كيلو الموز بلغ سعره 10 شواكل/ ثلاث دولارات ونصف بينما كان سابقا ب 4 شواكل للكيلو أي اقل من دولار، إذ يحدث هذا بينما تكاد تنعدم كل فرص الدخل نتيجة التدمير وفقدان كثير من أرباب الأسر أعمالهم.

من جهتها، حذرت الأخصائية النفسية والاجتماعية عبير حسين من الآثار النفسية العميقة لهذه الظروف، مؤكدة أن الضغط الناتج عن نقص الغذاء والمستلزمات الطبية قد يؤدي إلى اكتئاب مزمن وقلق مستمر لدى النساء، لا سيما الحوامل والأمهات.

وأضافت أن هذه الظروف لها آثار طويلة الأمد على الأسرة بأكملها، فهؤلاء النساء يتحملن عبء تأمين الغذاء والمياه لأطفالهن في ظروف شديدة القسوة، ما يضاعف شعورهن بالإرهاق والعجز ويزيد من الضغط النفسي الذي يرافق الحياة اليومية.

في غزة، لم يعد الجوع مشهدًا طارئًا مرتبطًا بأيام الحرب وحدها، بل واقعًا يوميًا يتسلل بهدوء إلى أجساد النساء وحياتهن، وبعد وقف إطلاق النار، خفّ دويّ القنابل، لكن المعركة على البقاء ما زالت مستمرة داخل البيوت المدمرة، وفي بطون خاوية، وأجساد أنهكها الحرمان.

نساء يقلّصن حصصهن الغذائية ليحفظن حياة أطفالهن، حوامل يستقبلن الولادة بأجساد ضعيفة وقلق مضاعف، ومسنّات يواجهن المرض بلا غذاء يليق بأعمارهن، في سوقٍ مزدحم بالسكريات والمسلّيات، يغيب الغذاء الحقيقي، ويُعاد إنتاج المجاعة بصيغة أقل صخبًا وأكثر قسوة، هكذا يستمر التجويع في غزة، لا بوصفه أزمة طارئة، بل سياسة واقع، تدفع النساء ثمنها أولًا، وبأجسادهن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى