واقع كبار السن في غزة تجاوز شبح الموت

خانيونس- دعاء برهوم
تحت خيام بالية لا تقيهم برد الشتاء أو حرارة الصيف يعيش المسنين الذين يشكلون5% من اجمالي عدد سكان غزة، أوضاعاً معيشية صعبة، باتت تفتك بأجسادهم النحيلة وتهدّد حياتهم، لانعدام الغذاء والدواء وفقدان الرعاية الخاصة بهم، فمعاناتهم تتفاقم يوماً بعد يوم عقب اشتداد وطأة الحرب والنزوح المتكرر منذ 7 من تشرين الأول / أكتوبر 2023 وسط انهيار تام للحياة وعجز كبير في توفر الاحتياجات والمتطلبات الأساسية اللازمة لهم.
امتدّت المأساة وبات الواقع يطال كرامتهم الإنسانية، بعد فقدانهم الخصوصية وتلاشي شعورهم بالأمان، وسط هشاشة الاستقرار الذي يحيط بحياتهم اليومية.
أجساد أنهكها المرض
وضعت الحرب المسنين أمام اختبار صعب، يواجهون حياة جديدة، دفعوا ثمنها باهضاً، نتيجة تراجع حالتهم الصحية لعدم توفر البيئة المناسبة لهم،
فحسب المرصد الأورومتوسطى لحقوق الإنسان فإن 70% من كبار السن أصيبوا بأمراض مزمنة لتردي الوضع الصحي، ووفقاً لتقرير وزارة الصحة في غزة في ديسمبر/ كانون الأول 2025 بأن العجز الدوائي بلغ (52%).
يقول محمد أبو طعيمة ” أصبت بداء السكري منذ عشرون عاماً، تعايشت معه وكنت متابع جيداً لحالتي الصحية وأتناول العلاج المناسب في وقته، إلى أن جاءت الحرب ودمرت حياتنا كلياً”
يضيف ” بعد نزوحنا من منطقة عبسان شرق مدينة خانيونس إلى المواصي غرب المدينة ونظرا لعدم توفر أدوات السلامة الصحية أصيبت قدمي بالتعفن ” غرغرينا”.
داخل مجمع ناصر الطبي في غرفة العمليات بدون تخدير قام الأطباء ببتر أطراف قدمي الأيمن، لم أتمكن من الحصول على العلاج المناسب لعدم توفره في ظل شحُ الأدوية، فحالتي تحتاج إلى متابعة باستمرار، والغيارعلى الجرح حتى يلتئم، لكن منذ أشهر طويلة وانا أعاني من عدم توفرالأدوية اليومية، وان توفرت فإنها بأسعار باهضة داخل الصيدليات الخاصة.
“بعد 75 عام من الحياة سقط الجسد داخل خيمة، غابت فيها الرعاية والدواء صار حالماً، فالحرب لم تكتفِ بسلب منزلي، بل سلبتني قوتي وقدرتي على الوقوف والمشي، بعدما كنت سنداً للجميع، أحفادي اليوم بأناملهم الصغيرة المنهكة أصبحوا عكازي، يشاركونني مُر العيش في خيمة مهترئة لا يوجد بها أدنى شروط الكرامة الإنسانية”
وحسب وزارة الصحة الفلسطينية فإن 300ألف مريض مزمن يواجهون المرض بعد خروج المستشفيات عن الخدمة، وشُح الأدوية الضرورية لحالتهم، وتشير الاحصائيات إلى أن 6 آلاف و758مريضاً مزمناً توفوا منذ بداية الحرب.
التجويع سلاح
في غزة لا يتخذ الموت شكلاً واحد إلى جانب القصف والانفجارات ونقص الأدوية برزت المجاعة وجهاً آخراً للحرب، تهدد أجساد كبار السن التي أنهكها الزمن، وحسب تقرير وزارة الصحة في غزة ارتفاع عدد الوفيات نتيجة المجاعة إلى 165 من فئة كبار السن.
تقول آيات أبوعامر “43عاما” بعد نزوحنا الأخير من شرق خانيونس في مايو/ آيار 2025، دخلت المجاعة ذروتها مع استمراراغلاق المعابر الحدودية، وندرة الطعام “كنت أحتفظ في رغيف خبز واحد يومياً لوالدتي “صفية” 85 عاماً، بعد ارتفاع سعر كيلو الطحين إلى 100شيقل أي ما يعادل 30دولار”.
تضيف: ” عدم توفر الغذاء الصحي أثر بشكل كبير على حالة والدتي التي أصيبت بسوء تغذية حاد، بدأنا معها مرحلة جديدة من العلاج بشراء حفنة من الخضار بأسعار باهضة تجاوزت 100دولار، لمحاربة الأمراض المتراكمة في جسدها بسبب نقص الغذاء والدواء
تُكمل ” لم نستطع يومياً توفير الأكل الصحي، فخيارات الطعام أمام والدتي المريضة معدومة كلياً، فهي مُرغمة على سد جوعها بالمعلبات والبقوليات التي كانت الغذاء الوحيد للمواطنين في غزة، فلا بديل آخر مما انعكس سلباً على صحتها وأنقص 20 كيلو غرام من وزنها، الذي جعلها لاتنام في الليل من الألم الذي داهم جسدها المثقل بالأمراض”.
تضيف آيات قائلة” يخنقني اليأس كلما عجزت عن تلبية احتياجاتها المتكررة من الخضار والفاكهة، فهي لا تسمع أن أسعارها بلغت حد الجنون، ولا تدرك أننا نعيش في مجاعة خانقة، فوالدتي “صفية” فقدت سمعها جراء أصوات القصف والانفجارات المتواصلة على غزة منذ اكتوبر2023، وقد سعينا بين المستشفيات بحثاً عن علاج لحالتها، لكن باءت بالفشل”
لم تنفرد المجاعة بالمواطنة صفية بعينها بل امتدّت قسوتها لتطال مليوني مواطن في غزة، لم يجدوا ما يأكلونه طوال اليوم، بسبب نقص الغذاء جراء الحصار المفروض واستمرار إغلاق الاحتلال الإسرائيلي للمعابر الحدودية لأكثر من ثمانية أشهر، ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية فإن 421 حالة وفاة مرتبطة بسوء التغذية خلال 2025م.
بينما أدت الحرب إلى قتل 3447 من كبار السن وفقاً لتقرير وزارة الصحة في غزة ب6 كانون الثاني / يناير 2025، وارتفاع عدد المصابين بأمراض مزمنة الى (350،000) مريضا جميعهم حرموا من تلقي الرعاية الصحية اللازمة جراء حرب الإبادة الجماعية.
معركة بقاء
من جانبه يؤكد أخصائي التغذية د. موسى أبو عمارة أن الشيخوخة في غزة تحولت إلى معركة للبقاء بعد أن كان الاستقرار والهدوء يخيم عليها، أصوات المسنين ذابت بين الركام وأجسادهم نحلت بسبب الجوع وأصبحوا على شفا الموت، فالمجاعة لا تعني الجوع فقط، بل يعقبه سلسلة من الأمراض الخطيرة كضمور الدماغ وهبوط السكري وهشاشة العظام نتيجة النقص الحاد في العناصر الغذائية الأساسية.
ويضيف ” إن الغذاء الجيد حق ليس رفاهية أومِنة من أحد، فهو خط الدفاع الأول عن صحة الإنسان وركيزة أساسية في تعزيز مناعته والوقاية من الأمراض التي تسيطر على جسده مع تقدم العمر، فالغداء المتوازن يعتبر طوق نجاة لكبار السن يقوي أجسادهم الهشة ويمنحهم قدرة أكبر على مواجهة المرض”.
لم تتوقف معاناة المسنين على التجويع ونقص الأدوية، بل طالت مستلزمات النظافة الشخصية الخاصبة بهم، التي أدت الى تفشي الأمراض الجلدية المعدية لعدم توفر الأدوات الصحية أو البدائل التي تساعدهم على مواجهة أي خطر يداهم حياتهم.
تقول المسنة فوزية الشامي ” زوجي مُحمد من ذوي الاحتياجات الخاصة، يحتاج إلى حفاضات يومياً، منذ بداية الحرب احتفظت بقطع من الحفاضات خشية الانقطاع، لكن الحرب مدت لأكثر من عامين، كل شيء نفذ من عندي حتى الحفاضات المخبئة لوقت المحنة”
تضيف: ” منذ إغلاق المعابر في مارس/ آذار2025 واجهت صعوبة بالغة في الحصول على قطعة واحدة، فلم أترك مكاناً إلا وبحثت فيه، اضطررت إلى استخدام قطع قماش بديلاً عن الفوط الصحية، التي تسببت في تقرحات جلدية وحكة مستمرة لديه”.
“كارثة جديدة حلت عليّ عندما سمعت أن ثمن الحفاضات وصل إلى 300$، لا أستطيع شراءها، استمريت على استخدام القماش ثمانية أشهر إلى حين توفر في الأسواق بثمن “80 شيقل ” استطعنا شراءها، الحرب دمرتنا واخذت صحتنا مع بيوتنا، قبل أكتوبر 2023 لم نكترث للحفاضات او غيرها كانت متوفرة وفي متناول الجميع” تقول فوزية.
الرعاية كرامتهم
يشير د. طارق الحفني مدير مستشفى التأهيل الطبي إلى أن: ” 30.204 مسن تلقى الخدمة في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني ومركز التأهيل الطبي التابع لها خلال عامين الحرب، رغم نفاد تام للأدوية والمستلزمات الطبية نتيجة إغلاق المعابر الحدودية وفرض حصار مطبق على القطاع”.
يضيف ” واجهنا صعوبة متزايدة في توفير العلاج لأصحاب الأمراض المزمنة في ظل تزايد أعداد المرضى نتيجة الازدحام في مراكز الإيواء وتلوث المياه، وبيئة غير صحية، ما اضطررنا إلى تخفيض الجرعات المستخدمة، رغم ما تحمله من آثار جانبية للمسن المريض”.
نتابع كبار السن في خيام النزوح ومراكز الإيواء عبر فرق ميدانية من قسم التأهيل، نحاول الوصول إليهم وتقديم الدعم اللنفسي والصحي بوسائل بديلة تساعدهم على المشي والحركة بعد انقطاع أدوات المساعدة الحركية، لتلبية احتياجاتهم وتعزز كرامتهم فالرعاية الصحية النفسية للمسنين الذي يقدمها المركز لها تأثير إيجابي عليهم.





