ارتفاع أسعار السلع الأساسية يهدد الأمن الغذائي في غزة

محمد لبد
ارتفاع أسعار السلع الأساسية، وغياب الرقابة على أسواق قطاع غزة من قبل الجهات المختصة تعد من أبرز الأزمات التي تثقل كاهل المواطنين بعد حرب مدمرة استمرت لأكثر من عامين على التوالي.
وتفرض حكومة الاحتلال الاسرائيلي قيوداً على إدخال السلع مما يسهم بشكل كبير في رفع الأسعار، واحتكار إدخال وبيع البضائع واقتصاره على عدد محدود من التجار الذين تختارهم إسرائيل وتسمح لهم بالعمل وفق ما يسمى بــــ “التنسيق التجاري الأمني”.
ويتهافت المواطنين على الأسواق في مختلف أنحاء قطاع غزة، لشراء ما يتوفر من سلع خصوصاً الأساسية مثل الدقيق (الطحين)، والسكر، وزيت القلي (السيرج)، والخضراوات، وغيرها.
ويقول يوسف مدوخ (43 عاماً) عمال بناء، من سكان حي اليرموك وسط مدينة غزة:” أسعار السلع مبالغ فيها بشكل كبير جداً، ونحن ضحية لسياسات الاحتلال التي تتعمد تعطيش الأسواق، بالإضافة إلى طمع التجار، وغياب الرقابة المتمثلة في وزارة الاقتصاد التي تضبط الأسعار وتخالف من يتلاعب فيها”.
ويضيف مدوخ”: حين يتم الحديث عن إغلاق المعابر من قبل الاحتلال بمناسبة الأعياد اليهودية، أو حدث أمني طارئ، يتسابق التجار في رفع الأسعار بشكل غريب، وكثير منهم ينتهج سياسة الاحتكار، وإخفاء البضائع، وتعطيش الأسواق كي يضمنوا رفع أسعار تلك السلع”.
ويتابع:” أعيل عائلة مكونة من 11 فردا وبالكاد أستطيع شراء السلع الأساسية مثل السكر والسيرج وغيرهما، ومنذ فترة والعائلة تطلب مني شراء لحوم وأسماك وبيض وفواكه لكن لا أستطيع تلبية ذلك، وأشعر بالعجز والحسرة أمام أطفالي، فأنا فقدت عملي بفعل الحرب الإسرائيلية التي أتت على الأخضر واليابس في غزة”.
استغلال معاناة الناس
وألقت الحرب الاسرائيلية على قطاع غزة في السابع من أكتوبر لعام 2023 م، بظلالها الثقيلة على جميع مناحي الحياة، وخلقت واقعاً جديداً من المعاناة، والتحديات الصعبة.
ويقول أحمد النجار(37 عاماً)، وهو صاحب بسطة في سوق مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، :”إن بعض التجار يستغلوا الأوضاع والتوترات، ويخفون ما لديهم من بضائع في مخازنهم، ويمتنعوا عن عرضها في الأسواق «ليستغلوا أمثالنا كباعة صغار، ويستغلوا حاجة المواطنين لتلك السلع».
ويتابع النجار: «ما يجري جنوني ومأساوي، وفوق طاقة تحمل الناس المنهكين بفعل النزوح والتشرد والدمار والخراب المنتشر في كل مكان، فهل يعقل أن يرتفع بشكل مفاجئ سعر كيس الدقيق الذي يصل وزنه إلى 25 كيوغراماً من 5 دولارات إلى 33 دولار أمريكي، وسعر السكر من دولار واحد إلى 3 دولار، وزيت القلي من 2 دولار إلى 5 دولارات”.
ويدعو النجار الجهات الحكومية إلى الإسراع في ضبط الأسعار والأسواق، قائلاً: «نحن بحاجة لمن يحمينا ويحمي المواطنين، نحن أصحاب البسطات رِبحنا بسيط جداً مقارنةً بما يحققه التجار من أرباح خيالية”.
الرقابة
وتؤكد سهام الغرابلي (44 عاماً)، وهي ربة منزل تسكن في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة أن أسعار السلع الغذائية المرتفعة خارج قدرتهم الشرائية.
وتقول الغرابلي:” كي أشتري لحوم أو أسماك لضمان وجبة غداء واحدة لأسرتي المكونة من12 فرداً، فأنا بحاجة إلى مبلغ 50 دولار أمريكي وهو رقم كبير جداً لا أستطيع توفيره، وعلى المسؤولين، والجهات المعنية التحرك العاجل لمراقبة السوق، ومحاسبة كل من يستغل الناس ويرفع الأسعار في ظل الظروف القاهرة التي نعيشها في غزة”.
وتضيف:” من ساعة إلى ساعة وقد لا أبالغ لو قلت لكم من دقيقة إلى دقيقة ترتفع الأسعار كالبورصة العالمية، فبمجرد انشار الشائعات عن نية الاحتلال اغلاق المعابر سرعان ما ترتفع الأسعار وتختفي السلع من الأسواق”.
فوضى الأسعار
ويؤكد الباحث والمختص في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر، أن السوق الغزي يعاني من حالة الفوضى والانفلات وانتشار السوق السوداء، نتيجة غياب الرقابة المحلية من الجهات المختصة، وتعمد إسرائيل افتعال أزمات تمس الأمن الغذائي في قطاع غزة.
ويشير أبو قمر في اتصال خاص بمركز التنمية والاعلام المجتمعي إلى أن هناك فئة من الباعة والتجار يتحكمون في البضائع وكميتها وأسعارها، وهذه الفئة لا يهمها سوى تحقيق الربح دون النظر إلى الأوضاع المعيشية الصعبة التي يعاني منها الفلسطينيون في ظل استمرار الحرب لأكثر من عامين على التوالي.
ويضيف أبو قمر:” حل الأزمة يتمثل في رفع القيود التي يفرضها الاحتلال على دخول السلع والبضائع، وعودة عمل المعابر مع قطاع غزة، وفق النظام الذي كانت عليه قبل اندلاع الحرب في 7 أكتوبر من عام 2023 أي دخول 500 شاحنة يومياً لجميع القطاعات في غزة دون دفع مبالغ طائلة لما يعرف حالياً بالتنسيق الأمني، وعبر تجار موثقين في السجل التجاري في غزة”.
ويتابع:” محلياً فعلي الجهات الرقابية في وزارة الاقتصاد، وشرطة التموين التحرك والانتشار يومياً، وتسجيل محاضر مخالفة، وضبط بضائع المتلاعبين في أسعار السلع، مشيراً إلى ضرورة تعزيز حملات الوعي بخطورة هذه الممارسات من قبل بعض التجار والباعة على أمن، واستقرار المجتمع في غزة.
سياسية التعطيش
ويحمل مدير مكتب الاعلام الحكومي في غزة إسماعيل الثوابتة حكومة الاحتلال المسؤولية عن أزمة ارتفاع أسعار السلع الأساسية في غزة.
ويقول الثوابتة في اتصال خاص بمركز التنمية والاعلام المجتمعي:” الاحتلال يتعمد تعطيش الأسواق في قطاع غزة، ويسمح فقط بدخول الحد الأدنى من شاحنات البضائع والمساعدات، في حين حاجة القطاع الاستهلاكية أكثر من 500 شاحنة يومياً”.
ويضيف:” يسمح الاحتلال فقط لعدد محدود من التجار للاستيراد مقابل مبالغ تنسيق كبيرة جداً تصل في بعض الأحيان إلى قرابة 40 ألف دولار على الشاحنة الواحدة “جار ومجرور” تحدد بحسب نوع البضاعة المستوردة، مما يجعل البضائع مرتفعة الثمن في قبضة عدد قليل من التجار، وتغيب المنافسة التي تخدم المستهلك.
وينص اتفاق شرم الشيخ الذي ُوقع بتاريخ 10 أكتوبر 2025 برعاية أمريكية وقطرية ومصرية على دخول المساعدات والبضائع التجارية عبر معابر قطاع غزة دون قيود تذكر وفق برتوكول إنساني اعتمد في يناير من عام 2024 م.
محاسبة المخالفين
وتؤكد دائرة حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد التابعة لحكومة حماس بغزة أنها شرعت بالتعاون مع وزارة الداخلية بحملات ميدانية لمتابعة وضبط حالة الأسواق.
وتهيب في بيان صحفي نشرته في 10 يناير 2025 بالتجار إلى التحلي بالمسؤولية الوطنية والأخلاقية في هذه المرحلة الصعبة، محذرةً من أية حالات استغلال واحتكار أو رفع للأسعار.
وتشدد على أنها ستتخذ إجراءات صارمة بحق المخالفين، مشيرةً إلى أن دوريات مباحث التموين بالشرطة بدأت الانتشار في جميع أسواق محافظات قطاع غزة.
وبالرغم من التحذيرات السابقة لا تزال الأسواق في قطاع غزة تعيش حالة من الفوضى، وعدم الاستقرار في الأسعار بفعل الأزمة المفتعلة من الاحتلال، إضافة إلى ضعف الرقابة، وغياب آليات المحاسبة للمخالفين.





