رماد في القدور ودخان في الصدور… نساء غزة يواجهن الجوع بالحطب

 رماد في القدور ودخان في الصدور... نساء غزة يواجهن الجوع بالحطب
#الحماية_حق #cdmcgaza

عبد الناصر كريم

في مخيم المصري أحد مخيمات النزوح في النصيرات وسط قطاع غزة، باتت رائحة الدخان جزءا من تفاصيل الحياة اليومية، فمع ساعات الصباح الأولى تتصاعد أعمدة رمادية من بين صفوف الخيام المتهالكة، في مشهد يلخص واقع آلاف النازحين منذ اندلاع حرب 7 أكتوبر 2023 وتشديد الحصار المفروض على قطاع غزة، اختفى غاز الطهو والوقود من المنازل، ما حول مهمة إعداد الطعام إلى عبء إضافي تتحمله النساء في ظروف تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الكريمة، بحسب إفادات النازحين في المخيم.

تجلس أم العبد (42 عاما)، التي نزحت من حي التفاح شرق مدينة غزة إلى مخيم المصري في النصيرات، قرب موقد حجري بسيط أقامته أمام خيمتها تجمع الحطب وبقايا الكراتين وبعض المخلفات البلاستيكية مع أطفالها لإشعال النار وطهو الطعام، في ظل الانقطاع المستمر لغاز الطهو منذ اندلاع حرب 7 أكتوبر 2023. وبينما تحرك قدرا متآكلا بعصا قديمة، تقول:”نعيش على هذا الموقد منذ بدء الحرب لم يعد هناك غاز، وكل وجبة نعدها تعني دخاناً يملأ الخيمة أطفالي يسعلون معظم الليل، وأنا أعاني من ضيق في التنفس، لكن الجوع لا يترك لنا خيارا آخر”.

كلماتها تختصر ملامح معاناة آلاف الأسر التي فقدت مطابخها ومنازلها في الحرب،حيث لم يعد الطهو طقسا يوميا عاديا، بل أصبح صراعا من أجل البقاء في بيئة ملوثة ومهينة للكرامة الإنسانية، فكل وجبة طعام تحولت إلى رحلة بحث عن الحطب أو بقايا الكراتين والمخلفات، وكل محاولة لإشعال النار تعني استنشاق كميات من الدخان السام في مساحة ضيقة مكتظة بالنازحين.

تقول أم يزن (35 عاما)، وهي نازحة تقيم في خيمة مجاورة في نفس المخيم: “نبدأ صباحنا بالبحث عن الحطب، وأحيانا نحرق الكرتون أو البلاستيك. نعرف أن ذلك خطرا، لكن لا خيار أمامنا، الجوع لا ينتظر”.

يقول مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (أوتشا) إن انقطاع الغاز والوقود منذ حرب 7 أكتوبر 2023 ليس مجرد أزمة خدمية، بل يشكل خطرا مباشرا على حياة المدنيين، فغياب الوقود يعيق تشغيل المستشفيات والمخابز والمرافق الأساسية، ويجبر الأسر على استخدام بدائل خطرة للطهو، ما يزيد من المخاطر الصحية والإنسانية ويضاعف معاناة السكان يوميا.

الطبيب أحمد الربيعي اختصاصي الأمراض الرئة والباطنة في مستشفى الشفاء الطبي، يؤكد أن المستشفيات تستقبل يوميا حالات جديدة من الالتهابات الصدرية والحساسية التنفسية، معظمها بين النساء والأطفال، ويقول:

“الاعتماد على الحطب والمواد البلاستيكية في الطهو يطلق غازات سامة تؤثر على الرئتين، وتضاعف خطر الأمراض المزمنة في ظل تدهور الخدمات الطبية بسبب الحرب”.

وأشارت وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية: أن نقص الوقود يؤثر على تشغيل المستشفيات والمخابز والمرافق الأساسية، ويزيد من المخاطر الصحية والإنسانية على الأسر التي تعيش في ظروف مكتظة وسط انعدام وسائل الطهو الآمنة.

ويرى مركز الميزان لحقوق الإنسان أن استمرار الحصار وغياب الوقود وغاز الطهو يشكل انتهاكا خطيرا للحقوق الإنسانية، حيث تعجز الأسر عن طهو الطعام بطرق آمنة، ويتعرض الأطفال والنساء لمخاطر الدخان والالتهابات التنفسية، مما يزيد من المعاناة اليومية ونقص التغذية وسط استمرار الحرب.

ويقول أبو أنس، مدير المخيم المصري في النصيرات وسط قطاع غزة:” إن المعاناة تتواصل يوميا، بينما تتصاعد أعمدة الدخان من بين الخيام النساء يطهون بوسائل بدائية، والأطفال يركضون بين الرماد، في مشهد يوضح كيف تتحول أبسط تفاصيل الحياة إلى معركة للبقاء.”

ويضيف: “الحرب لم تدمر المنازل فحسب، بل جردت الناس من حقهم في الطعام النظيف والهواء النقي، وخلفت في صدورهم دخانا لا ينطفئ”.

هذا الواقع اليومي يعكس حجم المعاناة الإنسانية في غزة، حيث تصبح أبسط مقومات الحياة – الطعام والهواء والكرامة – أداة صراع مستمرة من أجل البقاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى