النساء في خيام النزوح سباق مع الحياة بعدما أنهكتها الحرب

خانيونس- دعاء برهوم
الحرب على غزة منذ تشرين الأول أكتوبر 2023م شلت مناحي الحياة، وحولت واقع الأسرإلى صراع دائم من أجل البقاء، فلم تجلس المرأة مكتوفة الأيدي داخل خيمتها بل صنعت شيءٍ من العدم، رغم الصعوبات التي واجهتها، تحولت إلى طوق نجاة لعائلتها، وسندا في مواجهة قسوة الحياة لتأمين مصدر دخلها، بعد فقدان الزوج و الأبن أعمالهم.
طوق نجاة
قطعت الحرب شريان الاقتصاد المحلي وكبدته خسائر فادحة، مما ارتفع معدل البطالة وفق منظمة العمل الدولية إلى 80% يونيو/ حزيران 2024وهو ما تمثل ارتفاع كبير مقارنة ما قبل اندلاع الحرب.
تقول الستينية ناهدة أبو مسامح ” كُنت ملكة في منزلي بمدينة الزهراء وسط قطاع غزة، لم ينقصني شيء قبل اندلاع حرب 2023، التي حصدت الأخضر واليابس وجعلتني أجلس أمام “بسطة صغيرة” في مخيم النزوح بمواصي خانيونس لتلبية الاحتياجات الأساسية لعائلتي، بعد أن خسرت كل ما أملك من مقتنيات ” كسيارتي ومجوهراتي ” التي قد خبئتها للأيام الصعبة.
تضيف بحسرة ” دمرت آلة الحرب منزلنا والمحل التجاري الذي يعُد مصدر رزقنا الأساسي، وعطلت عمل ابني إبراهيم كمحاسب في القطاع الخاص، مما زاد الحياة قسوة بارتفاع أسعار المواد الغذائية البسيطة كالأرز والمعكرونة إلى عشرة أضعاف في ظل انتشار شبح المجاعة بتزامن مع إغلاق المعابر في مارس 2025، اضطررت حينها إلى افتتاح “بسطة صغيرة” لتسد رمق عائلتي التي نجت من القصف لكنها لم تنجوا من الجوع والفقر”.
تُكمل ناهدة قائلة: ” منذ نزوحنا إلى رفح في ديسمبر 2023 أصبح زوجي جليس الخيمة لايستطيع مخالطة الناس، وأبنائي الخمسة استنزفت الحياة الكارثية طاقتهم، بعدما أجبرتهم على ممارسة أعمال يومية أنتجتها الحرب كتعبئة المياه وجمع الحطب، فحالة النزوح المتكررة وعدم الاستقرار في مكان واحد في ظل استمرار القصف، زاد ثقل الحياة”.
قصة ناهدة واحدة من القصص التي كافحت الفقر الذي أصبح سيد الموقف، وجعل المواطنين يقتاتون من فتات المساعدات الإغاثية التي تصلهم عبر المؤسسات والجمعيات الخيرية، فالحرب لم تترك شيء خلفها بل سدت السبل امام الجميع.
ويشير مركز الإحصاء الفلسطيني في تشرين الأول /أكتوبر 2025 إلى أن 96% من سكان غزة يواجهون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي.
تقول تغريد قويدر بحسرة” استخرجت ماكينة الخياطة من تحت ركام منزلنا في بني سهيلا شرقي مدينة خانيونس، كانت المنقذ الوحيد لنا من ضيق الحال والعُسر الذي حل بنا، بعد نزوحنا من منزلنا وتجريف الأراضي الزراعية التي كان يعمل بها زوجي وأولادي”
تضيف ” ساهمت ماكينة الخياطة التي أجلس عليها كل صباح إلى سد رمق خمس عائلات من الجوع والفقر والتشرد، رغم الألم الذي صاحب العمود الفقري إلا أنني استمريت في العمل عليها لمساعدة النازحين في إعادة تدوير ملابسهم البالية في ظل ارتفاع أسعار الملابس، وعدم تمكنهم من شراء قطع جديدة ”
بتنهيدة تُكمل” الاحتلال الإسرائيلي جرف عشرات الدونمات التي زرعها زوجي واولادي بايديهم مرتان، بعد 7من تشرين الأول /أكتوبر 2023 كانت مزروعة بكل ما تشتهي الأنفس وحصادها على الأبواب لكنها أصبحت رمال صفراء، دخل بعدها زوجي في حالة نفسية صعبة، حاولت مساندته بتوفير الاحتياجات الأساسية لعائلتي، لكنه بقي على حاله لمدة ستة أشهر، بعدها شجعني على الاستمرار بالعمل وإشغال نفسي للخروج من الواقع المرير الذي حل بنا.”
تصف ناهدة حال المرأة في قطاع غزة قائلة:” في غزة أصبح من المعتاد أن ترى المرأة تحمل قارورة مياه لمسافات طويلة، وتصطف لساعات أمام التكايا للحصول على ما يسد جوع أطفالها، فالحرب على غزة أجبرتها على أعمال لم تكن تتصورها”.
تحول جذري
تُشير الدكتورة تهاني أبو غالي، المختصة في علم النفس ” إلى أن التحول الجذري في دور المرأة الأساسي والانتقال إلى دور المعيل وتحملها جزءاً كبيراً من مسؤوليات الحياة الجديدة، أثر بشكل كبير على البنية النفسية والاجتماعية، مما جعلها تعيش صراعاً داخلياً بين دورها التقليدي والجديد”
تبين أن انعدام الاستقرار المعيشي في غزة عزز من ثقة المرأة بنفسها وقدرتها على تحمل المسؤولية ومواجهة الظروف القاسية التي فرضها الحرب، وولد لديها شعور القوة بأنها شريكة زوجها في اتخاذ قرارات فاعلة في المجتمع، الذي أسهم في توسيع دائرة علاقاتها الاجتماعية واندماجها في المجتمع.
وأضافت الدكتورة أبوغالي أن المرأة قد تواجه نظرات اجتماعية متباينة بين التقدير لدورها الكفاحي والنقد المرتبط بالأعراف الاجتماعية السائدة، الذي يرافقه تحديات وضغوط اجتماعية إضافية لها، لكن مع استمرارها في التكيف وتحمل المسؤولية تؤكد أن المرأة أثبتت نفسها وحافظت على تماسك الاسرة واستمراريتها في ظل الأزمات.
حل أزمة
أثرت الحرب في غزة على سوق العمل وسبل العيش وخلقت وضعاً بائساً تسببت به، فحسب مركز الإحصاء الفلسطيني في كانون الثاني / يناير 2026 ان معدلات البطالة تجاوزت 77% ، يرافقه انهيار واسع للإنتاج الحيواني والصناعي والاقتصادي والزراعي، حيث فقد القطاع 85.8 من قيمة إنتاجه خلال الأربع شهور الأولى من الحرب وفقاً لتقارير أممية.
تقول دينا أبو محسن” وهي جالسة أمام فرن مصنوع من الحديد تلتهم النيران وجهها، راتب زوجي لا يكفي لمتطلبات الحياة الجديدة التي فرضت علينا من ارتفاع للأسعار وشراء الحطب لوقد النار، فكل 50 يوم يتقاضى زوجي راتب 1000 شيقل، بعضه يكون عملة ورقية ممزقة، لا نعرف كيف نصرفها احياناً إلا بعد معاناة”.
تضيف دينا:” زوجي عبد الغني كان قبل الحرب يعمل في قسم الصيانة بإحدى الجامعات، يتقاضى راتباً يكفي لافراد عائلتي الستة، عندما شنت إسرائيل الحرب على غزة في أكتوبر 2023، تبدل الحال من الراحة إلى الشقاء وغير ملامح حياتنا كليا، أصبحنا نركض خلف سيارات المياه للحصول على شربة مياه نظيفة، وغيرها الكثير لم نستوعب قيمتها إلا بعد خسارتها”
تُكمل ” بعد نزوحنا من رفح في مايو / أيار 2024م تعثرت الحياة ناقشت زوجي مِرارٍاً لافتتح مشروعاً صغيراً بجانب راتبه، لأعينه على الأعباء المثقلة على كاهله، واجهت الرفض لعدم قناعته بعمل المرأة خارج منزلها ”
“مع تفاقم أزمة غاز الطهي واشتداد المجاعة منذ مارس /أذار 2025 نتيجة إغلاق معبري رفح وكرم أبو سالم، تمكنت من افتتاح مشروع صغير عبارة عن فرن صغير، عائده يساعد مع راتب زوجي في ظل ارتفاع الأسعار”
حرب صامتة
بينت منظمة العمل الدولية ومركز الإحصاء الفلسطيني في تقرير مشترك أن القطاع فقد 201.000 وظيفة، ما يعادل ثلثي الوظائف التي كانت قائمة قبل عام 2024، وان نسبة البطالة تجاوزت 90% بين الشباب والنساء في المناطق المدمرة، نظرا لغياب أي نشاط تجاري او صناعي منتظم.
العمال هم أكثر تضرر، حيث وصل الفقر إلى مستويات غير مسبوقة، وحذر صندوق للأمم المتحدة للسكان ((UNFPAمن كارثة إنسانية، بعد أن أصبح الشباب خارج عملهم ومع انهيار سُبل العيش تحول الأولوية من البحث عن عمل إلى الحصول على مساعدات إنسانية للبقاء.
ويشير مركز الإحصاء الفلسطيني إلى أن الشباب من (15-29) 74% منهم خارج التعليم أو التدريب أو سوق العمل نتجية شلل كامل للحركة الاقتصادية، لذلك يمثل عام2025 أزمة بطالة غير مسبوقة في غزة، وتتحول الأولوية للبقاء الإنساني.
وتشير منظمة العمل الدولية إلى أن معدل الفقر في غزة تجاوز 90% بحلول نهاية عام 2025، وتراجع الناتج المحلي إلى 83%.





