“حربٌ في السماء وحربٌ على أجسادهن”  الإبادة ومخلفاتها تذيق نساء غزة أشكالاً جديدة للمعاناة والحرمان من أبسط حقوقهن

"حربٌ في السماء وحربٌ على أجسادهن" الإبادة ومخلفاتها تذيق نساء غزة أشكالاً جديدة للمعاناة والحرمان من أبسط حقوقهن
#الحماية_حق #cdmcgaza

“حربٌ في السماء وحربٌ على أجسادهن” 

الإبادة ومخلفاتها تذيق نساء غزة أشكالاً جديدة للمعاناة والحرمان من أبسط حقوقهن

سلمى العجلة 

لم تقتصر معاناة النساء في غزة خلال حرب الإبادة التي شنّتها إسرائيل في السابع من أكتوبر2023  على قطاع غزة وحتى بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 على القتل والفقد والنزوح والجوع، بل ذاقت النساء في تلك الإبادة حرباً أخرى على أجسادهن كما يصفن، تمثلت في التحرش والأذى الجنسي نتيجةً لما  فرضته  الحرب ومخلفاتها من النزوح والازدحام وفقدان للخصوصية  في ظل حالة من الفوضى وانعدام الضوابط القانونيّة.

تقول نرمين محسن – اسم مستعار – 22 عاماً، خريجة اللغة الإنجليزية:“ اضطررت أنا وأمي الأرلمة وأخواتي الخمس للنزوح من مدينة غزة إلى رفح جنوب القطاع وذلك بعد أوامر جيش الاحتلال الإسرائيلي التي أصدرها لسكان شمال قطاع غزة والذي يقضي بإخلاء المناطق الشمالية للقطاع وإجبار أهله على النزوح جنوباً بعد وادي غزة “.

وفي تفاصيلٍ لحادثة التحرش الجنسي التي تعرضت لها خلال فترة نزوحها تقول نرمين:” لم تكن حرب الطائرات هي الأكثر ألماً بالنسبة لي، بل تعرضت أيضاً لحربٍ قاسية على جسدي، حيثُ تعرضت للأذى لأول مرة في حياتي خلال النزوح، وذلك عدة مرات وبأشكال مختلفة، لكن أكثرها ألماً بالنسبة لي كان من قبل زوج خالتي، كانت أسرتي المكوّنة من ستة أفراد تتقاسم فصلاً دراسياً في إحدى المدارس التي تحولت إلى مركز لإيواء النازحين في مدينة رفح مع عائلة خالتي المكوّنة من تسعة أفراد، ولم يكن يفصلنا عن بعضنا سوى ستارة”

وتضيف: “كان الجميع يغادر الصف للمشاركة في جلب الماء للشرب وأغراض الطهي والتنظيف،وكان هذا الأمر يتطلب الوقوف في طوابير طويلة كمشهد يومي لمعظم النازحين نتيجة التدمير الحاصل للبنية التحتية،ونقص الموارد الإنسانية الأساسية في ظل استمرار النزاع، وكنت أتبادل أنا وإحدى أخواتي البقاء في الصف خوفاً من التعرض لسرقة ممتلكاتنا،فيما يذهب الباقي للمساعدة في جلب الماء،و في أحد الأيام، بينما كنت نائمة ومعتقدة أن الجميع في الخارج، دخل زوج خالتي إلى الفصل وبدأ يقترب مني بطريقة غريبة ثم قام بالاقتراب مني ولمس جسدي.

وبدموعٍ تحاول حبسها تكمل نرمين:”لم أبدِ أي ردة فعل حينها سوى أنني تجمدت في مكاني ولم أكن أعرف كيف أتصرف، رغم أن ذلك لم يكن الفعل الأول المزعج من ناحية زوج خالتي،فمنذ بداية نزوحنا معاً كان يرمقني بنظرات غير مريحة ويتمتم أحياناً بألفاظ غريبة، لكنني غالباً ما كنت أتجاهل شعوري محاوِلة طمأنة نفسي بأنني لن أتعرض لأي أذى منه”

وتضيف نرمين” كتمت ذلك الألم في نفسي لكني لم أكن أذق طعم النوم خوفاً وحزناً على ما تعرضت له، وطوال الوقت كنت أفكر كيف يمكن أن أحمي نفسي منه وكيف يمكنني إيقافه عند حده خاصةً أن الموقفَ تكرر أكثر من مرة.

أما عن ردة  فعل نرمين تجاه الحادثة فكان اللجوء لإخبار أختها حيث تقول نرمين:”لجأت إلى أختي الأكبر وقمت بإخبارها بما حدث بعد صراعٍ طويل مع نفسي، ففوجئت بأن أختي تنهار من البكاء وتقوم باحتضاني وتخبرني بأنها أيضاً تتعرض لنفس الموقف من نفس الشخص وأن الحدث يؤذيها نفسياً بشكل مدمر ،كان ردها كالصاعقة لي، لأني حينها كنت أنتظر منها حلاً أو حتى مواساة فإذ بها تعاني مما أعانيه”.

وتضيف نرمين “وعندما أخبرنا والدتنا بما حدث كانت ردة فعلها أن ننتقل فوراً من هذا المكان ونبحث عن مكان آخر يؤينا، لكنها لم تواجه أحداً فيما حدث خوفاً من أن تلحق بنا وصمة عار كما تصف أمي:(احنا ستات لحالنا، بدناش كلام، بكرا محدش بتجوزكم يما) وقامت بقطع علاقتنا مع أسرة خالتي فوراً دون إبداء أية أسباب”.

في حالة مشابهة،لم تكن رنا أحمد 32 عاماً –اسم مستعار– تتوقع أن يتحول مكان عملها إلى مساحة تهديد وخوف، بعد سنوات طويلة من العمل في المؤسسات المحلية كمدربة في مجال التنمية البشرية دون أن تواجه أي شكل من أشكال الأذى أو التحرش كما أخبرت.

فقد أمضت أكثر من عشرة أعوام في هذا المجال قبل أن تغيّر ظروف الإبادة والنزوح القسري مسار حياتها المهنية.

وتقول رنا لCDMC:”مع انتقالي المتكرر بين أماكن العمل والتطوع تبعًا لمناطق نزوحي أنا وأمي وأبي، وجدت نفسي في أحد أماكن العمل عرضة لتحرش من زميل لي، حين باغتني وضمني من الخلف”

أما عن ردة فعلها ، تقول رنا:”في البداية حاولت مواجهته وهددته بكشف ما حدث، لكنه ردّ بعنف، صافعًا وجهي وأخبرني أن روايتي لن تُصدَّق، وأن الحديث عمّا جرى لن يجلب لي ولأسرتي سوى الفضيحة”.

ورغم محاولتها الدفاع عن نفسها ورفضها الصمت، تقول رنا:”استمر الزميل بعد الحادثة الأولى بأيام في الاقتراب مني ومحاولة التحرش بي مجددًا، وكلما صددته هددني بأن يقوم بتشويه سمعتي”.

وتكمل:”رغم صلابتي وعدم خضوعي للترهيب، وجدت نفسي أمام خيار صعب، حين أخبرت والدتي بما حدث والتي بدورها نصحتني بتقديم استقالتي والبحث عن فرصة أخرى، في محاولةٍ للبدء من جديد في مكان أكثر أمانًا،رغم قلة  توفر فرص العمل واحتياجنا الشديد للمال بعد نزوحي للجنوب للعيش في خيمةٍ بمواصي خانيونس مع أمي وأبي كبار السن دون وجود معيل لهم سواي بعدما دمر الاحتلال منزلنا ودكان والدي لبيع الدواجن في غزة “.

وتختم رنا:”كان عملي هو مصدر أملنا الوحيد لتوفير قوت يومنا بعدما خسر والدي مصدر رزقه، لكنني اضطررت في النهاية لترك عملي بدلاً من المواجهة نزولاً لرغبة والدتي التي خشيت الفضيحة والإشاعات التي ربما قد تصل والدي إذا ما نفذ زميلي تهديده، فهي تعلم جيداً مدى حساسية الرجال البسطاء الذين لم يكملوا تعليمهم أمثال والدي تجاه تلك المواضيع في بلادنا”.

في هذا الشأن ترى الباحثة الاجتماعية بسنت الغنيمي في حديثٍ لها مع CDMC أن الظروف غير الآدمية المرافقة للنزوح والمتمثلة بالاكتظاظ الكبير في أماكن النزوح وانعدام الخصوصية للنساء كان لها دور بارز في التسبب بوقوع حالات التحرش بالنساء”.

وتوضح:” باتت عائلات غزة تعيش في تلك الأماكن المزدحمة حياةً تفتقر لكل أشكال العيش الآدمي والخصوصية في مراكز الإيواء والمدارس وحتى العيش في خيامٍ مهترئة ضمن  عشوائية”.

كما تصف الباحثة شكل الحياة في أماكن النزوح بشكل دقيق،حيث تتقاسم الأسر النازحة التي لجأت للمدراس غرفاً صفية متجاورة فيما تضطر بعض العائلات لتقاسم غرفة صفية واحدة تفصل بينها أغطية قماشية لا توفر أي نوع من الخصوصية، عدا عن عن الخيام التي تكادُ الواحدة تلتصق بالأخرى تتكدس داخلها العائلات بجانب بعضهم البعض في أراضٍ عشوائية بالكاد يعرفون فيها أحداً ممن يجاورهم من النازحين.

بالإضافة الى اضطرار المئات من النازحين لاستخدام حماماتٍ مشتركة أفقدت النساء خصوصيتهن وعرضتهن للكثير من المخاطر والتهديدات.

معتبرةً أن كل تلك الظروف تقاطعت لتفرز أشكالاً عديدة للعنف ضد المرأة من ضمنها التحرش بأشكاله والذي بدوره يسبب أضراراً نفسية جسيمة على النساء، كأنه لم يكفِ نساء غزة ما عانينه خلال الحرب من حرمان لأبسط حقوقهن في العيش حياة طبيعية كأي إنسان ،فمن النزوح هرباً من القصف، إلى الاكتظاظ الكبير في أماكن النزوح وانعدام الخصوصية بالإضافة لقلة المرافق الصحية ومستلزمات النظافة الشخصية المتعلقة بالنساء انتهاءً بالتحرش الجنسي والاكتفاء بالصمت خوفاً من الفضيحة ووصمة العار.

يجدر بالذكر إلى أن تقارير الأمم المتحدة  تشير إلى أن حوالي 1.9 مليون شخص تعرض للنزوح القسري داخل قطاع غزة منذ بداية الحرب. أي ما يعادل أكثر من 80–90% من إجمالي سكان القطاع قبل حرب السابع من أكتوبر.

وترجع الباحثة الاجتماعية وقوع حالات التحرش الجنسي للنساء بغزة في أماكن النزوح إلى عدة أسباب أهمها طبيعة المجتمع الذكوري في فلسطين الذي يجعل صوت الرجل وسلطته أعلى من المرأة مما يفتح ذلك المجال لانتهاك حقوق النساء دون وجود رادعٍ حقيقي.

حيث تقول :”في الحقيقة لا أعلم إن كانت هناك أسباب عامة يمكن أن نُرجعها للظرف الحالي بالخصوص، ولكن هناك بنية اجتماعية في فلسطين تسمح لشعور بعض الرجال بالأحقية في التحكم بأجساد النساء أو التعليق عليها في بيئةٍ كثيراً ما  تحمّل المرأة مسؤولية التحرش بسبب لباسها أو خروجها أو تصرفها، مايخلق بيئة آمنة للمتحرش، وعدائية للضحية”.

وتضيف:”في السياق الفلسطيني المحافظ تتردد النساء في الإبلاغ خوفًا على السمعة أو العائلة، وكثيراً ما تُضغط الضحية  للصمت  حفاظًا على الشرف هذا ما يفسر صمت الضحايا عن الحديث عن مواضيع حساسة تتعلق بتعرضهن للتحرش، والصمت هنا يحمي المتحرش ويُبقيه بلا مساءلة”.

وتضيف:”تتفاقم الأزمة خلال الظروف الحالية طبعًا، فيمكن أن نتحدث عن انعدام الخصوصية، والقهر اليومي، ولكن باعتقادي أن السبب الرئيسي لظهور حالات التحرش في أماكن النزوح يعود لتغير نسيج المجتمع الذي اضطر للعيش في ظروف مختلفة تماماً ولم يختبرها من قبل، مع انهيار المؤسسات المدنية أو حتى الرسمية التي كانت تتعامل وتضبط هذه الأفعال سابقا بشكل كامل”.

وعن اكتفاء  ضحايا التحرش الجنسي المتواجدين بمراكز النزوح وذويهم بالصمت، تستبعد الباحثة أن يكون اختيار السكوت وعدم تبليغ النساء في غزة عن حالات التحرش هو نتاج عن اللامبالاة أو القبول، بل ترى أن السبب في ذلك يعود  لشبكة معقّدة من الخوف، والعجز، والبُنى الاجتماعية والسياسية القاسية.

حيث تقول الباحثة :”يمكن فهم الأسباب على عدة مستويات متداخلة أهمها غياب الجهات المختصة بسبب تعطل مؤسسات الشرطة والقضاء خلال الحرب، فأصبحت الأولوية للنجاة، الغذاء، والمأوى، وليس التحقيق في قضايا تحرش”.

وتكمل:”فلو افترضنا جدلاً  أن هناك نساء قادرات على الإفصاح بما يتعرضن له، ففي ظل الظروف القاسية للإبادة ومع تعطل مؤسسات ومرافق الدولة لا تتوفر فرص للتبليغ عن هذه القضايا”.

وتضيف الباحثة لجملة الأسباب التي من شأنها أن تجبر النساء على الصمت، خوف النساء من الفضيحة والوصمة الاجتماعية،باعتباره سبب لا يمكن تجاهله ضمن مجتمع محافظ مثل غزة لا يزال ينظر فيه إلى التحرش الجنسي كعار يلحق بالمرأة ويؤثر على سمعتها وفرصها بالزواج ، كل ذلك يجعل من الصعب على النساء الإفصاح عما حدث معهن، خاصةً أن الضحية قد  تُلام أو تُشكك روايتها”.

وترى الباحثة أن هذا الخوف يتضاعف في وقت تضيق به الخيارات وتنعدم توفر بدائل أمام النساء للانتقال لأماكن أخرى أكثر أماناً في بيئة مكتظة مثل مراكز النزوح ،حيث لا خصوصية لنساء يعشن مع المتحرش نفسه أحيانًا (في نفس المدرسة أو الخيمة)، فيما يصبح الصمت آلية بقاء عندما يكون المتحرش في بعض الأحيان مسؤول توزيع مساعدات،هذا يجعل التبليغ مخاطرة عالية الثمن.

و تعتبر الباحثة الحرب أغرقت الناس في صدمة جماعية ، حيث تتراجع حساسية المجتمع تجاه العنف “غير القاتل” على حد وصفها ، فيما تُقلل النساء أنفسهن من معاناتهن مقارنة بالخسائر الكبرى (القتل، القصف)، فتقول الضحية لنفسها: “غيري أسوأ”.

فيما تختتم الباحثة جملة الأسباب التي تقف وراء صمت النساء أمام قضايا التحرش بغياب الدعم النفسي والحقوقي حيث تقول:”دون دعم، يصبح التبليغ عبئًا نفسيًا إضافيًا بدل أن يكون حماية”.

وعن المخاطر النفسية التي قد تواجه ضحايا التحرش تقول الباحثة: “التحرش يمكن أن يدمر حياة النساء اللواتي يتعرضن لها بطريقة لا يمكن إصلاحها تحديديًا مع التكرار وغياب الدعم، حيث  تظهر أعراض تخص الانعزال وانعدام الثقة، تصل إلى الاكتئاب واضطرابات القلق كذلك”

وتضيف:” الخطر الأساسي برأيي يكمن في استمرار هذه البنية الاجتماعية وتجذرها بصورة أعمق بحيث تنتشر ثقافة صمت عن قضايا التحرش وتغيب أي احتمالات للمساءلة حتى وإن كان في وقت لاحق، ما يؤثر على نفسية النساء، وكذلك على المجتمع ككل تعيش فيه نساءه خائفات، فالتحرش من الموضوعات التي يتحسس منها المجتمع لأنه يرتبط بثقل اجتماعي وثقافي مرهق للنساء”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى