صحافيات ناجيات من الموت بغزة: “ندبة التجربة دافعنا لنستمر”

صحافيات ناجيات من الموت بغزة: "ندبة التجربة دافعنا لنستمر"
#الحماية_حق #cdmcgaza

ميسون كحيل

استشهد إبراهيم على الفور أمام أعين زميلتيه، بينما كانت دبابة إسرائيلية تقترب منه مباشرة وتطلق النار بلا هوادة. كان ذلك في الثامن عشر من آب/أغسطس 2024، في مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، أثناء توثيق الصحافية سلمى القدومي نزوح المدنيين نتيجة الاجتياح.

هرعت سلمى نحو إبراهيم لمحاولة مساعدته، برفقة زميل آخر يُدعى محمود، فيما كان الرصاص ينهمر عليهما بكثافة. في اللحظات التالية، حاصرت دبابات أخرى المكان، لتحوّل الثواني القليلة إلى مشهد رعب مكتمل. أُصيب محمود في يده، فيما أصيبت سلمى برصاصة اخترقت ظهرها ودرع الصحافة، ولم يتوقف إطلاق النار على إبراهيم حتى فارق الحياة.

تقول سلمى، 34 عامًا، من غزة، وتعمل لدى وكالة Associated Press وتعيش في دير البلح:

“لم تكن الرصاصة التي اخترقت ظهري جرحًا في جسدي فقط، بل ندبة في قلبي. شعرت أنني لم أخسر زميلي وحسب،  خسرت شعوري بالرضى عن نفسي عندما حمّلت نفسي ذنب عدم قدرتي على إنقاذه”.

تحمل سلمى هذا الشعور في كل تغطية ميدانية. تقول إنها تتراجع خطوة إلى الوراء كلما تذكرت لحظة الإصابة، لكن شيئًا ما يدفعها للاستمرار: “ربما هو دم إبراهيم”.

وتضيف: “كان يمكن لتلك اللحظة أن تكون النهاية، لكننا عندما نتشافى، نكتشف أن الضربات التي أسقطتنا هي ذاتها التي تقوّينا”.

لم تكن هذه التجربة الوحيدة التي واجهت فيها الموت، تروي سلمى حادثًا آخر نجت منه بالصدفة، عندما كانت عائدة من خان يونس إلى مستشفى الأقصى في دير البلح، حيث تعرّض منزل قريب لقصف مفاجئ. تقول: “نجوت ولا أعرف كيف، كانت هذه المرة الثانية التي أخرج فيها من موقف خطير على قيد الحياة، ورغم ذلك لم أتوقف عن توثيق ما يحدث على الأرض”.

تحت وطأة الإبادة في قطاع غزة، كان للصحافيات الفلسطينيات نصيبهن من الفاتورة الدامية، فمنذ اندلاع العدوان، استشهدت 38 صحفية أثناء أداء عملهن أو داخل منازلهن مع أسرهن،بعضهن قُتلن خلال تغطية مباشرة، كما حدث مع مريم أبو دقة (33 عامًا) التي كانت تعمل مع “إندبندنت عربية”، فيما قضت أخريات تحت ركام بيوتهن، مثل هبة العبادلة ومروة مسلم.

في مدينة حمد شمال خان يونس، تروي رشا أحمد (33 عامًا)، مصوّرة فريلانسر وتسكن حاليًا في خيمة بمنطقة المواصي، تجربة نجاتها من استهداف مباشر. تقول إنها كانت في مهمة صحافية حين باغتتهم دبابة وفتحت النار فجأة، فوجدت نفسها تركض تحت الرصاص.

إصابتها كانت طفيفة، لكنها تركت أثرًا عميقًا. تقول: “الخوف صار حاضرًا في كل لحظة، لكن ليس هناك خيار بديل، هذه مهنتي وهذه رسالتي”.

تتسلل إلى رشا أفكار قاسية عن أهلها، وتسأل نفسها: “لو استشهدت في ذلك اليوم، كيف كانت أمي ستحتمل؟ هل سيصحو أهلي يومًا على خبر استشهادي؟”

وتضيف: “أحاول ألا أستسلم لهذه الفكرة،  الخوف رفيقي الدائم، لكنني جعلته وقودًا للاستمرار. أمسكت بالكاميرا كما لو كانت آخر ما يربطني بالحياة، وأيقنت أن الصورة قد تكون درعًا في وجه التعتيم”.

منذ اغتيال الصحافية شيرين أبو عاقلة في 11 مايو/أيار 2022 في جنين برصاص جيش الاحتلال، لم يعد استهداف الصحافيين الفلسطينيين حدثًا استثنائيًا، بل تحوّل إلى نمط ممنهج، وفق ما يؤكده عاهد فروانة، أمين سر نقابة الصحفيين الفلسطينيين.

يقول فروانة إن الرصاصة التي قتلت شيرين لم تكن موجهة إليها وحدها، بل إلى الكلمة الحرة والصورة التي تكشف ما يحاول الاحتلال إخفاءه، مضيفًا: “منذ ذلك اليوم، صار واضحًا أن الصحافي الفلسطيني يسير في خط النار. وفي غزة، يتضاعف هذا الخطر يوميًا”.

ووفق إحصائية نقابة الصحفيين الفلسطينيين، استشهد 256 صحفيًا وصحفية منذ بداية الحرب، بينهم 38 صحفية. بعضهم قُتل أثناء تغطية ميدانية، فيما قضى آخرون تحت ركام منازلهم مع عائلاتهم، مثل سلام ميمة وآلاء الهمص وولاء الجعبري.

وبموجب القانون الدولي الإنساني، يُعد استهداف الصحافيين المدنيين جريمة حرب يعاقب عليها نظام روما الأساسي، خاصة حين يتم بشكل متكرر ومنهجي دون مساءلة أو تحقيقات مستقلة. وفي هذا السياق، شدد نقيب الصحفيين الفلسطينيين ناصر أبو بكر، خلال مؤتمر صحفي، على أن النقابة تقدمت بشكاوى رسمية إلى المحكمة الجنائية الدولية ومجلس حقوق الإنسان، بالشراكة مع الاتحاد الدولي للصحفيين، لمحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحق الصحفيين الفلسطينيين، مؤكدًا أن ما يجري يشكل حرب إبادة تستهدف الصحافة بشكل مباشر. 

وفي خلفية هذه القصص، يظل المشهد اليومي في غزة أكثر قسوة،  الكاميرا لم تعد مجرد أداة، بل أصبحت شهادة على الألم ودليلًا على الوجود.

 ومع منع الاحتلال دخول الصحافيين الأجانب، يبقى العبء الأكبر على الصحافيين المحليين. يقول فروانة: “كل خروج إلى الميدان قد يكون الأخير، لكنهم يواصلون، يخبئون خوفهم خلف المايكروفون والعدسة، ويقاومون ليس فقط الرصاص، بل الصدمات النفسية وضيق العيش”.

رغم الإصابة والنزوح المتكرر أكثر من 22 مرة مع عائلتها، وإصابة شقيقها بعجز دائم وهو أب لثلاثة أطفال، تصرّ سلمى على الاستمرار. تقول إن الصحافة في غزة لم تعد مهنة، بل مسؤولية مضاعفة في ظل غياب الإعلام الأجنبي منذ أكتوبر 2023.

وتوضح: “نعمل 24 ساعة يوميًا بلا توقف، لكن بلا حماية حقيقية ولا دعم فعلي”.

تشير سلمى إلى أن معظم الصحافيين يشترون معداتهم بأنفسهم بأسعار باهظة، من الهاتف المحمول إلى الكاميرا والمايكروفون، ويغطون تكاليف معيشتهم من مواردهم الشخصية، فقط ليبقوا قادرين على العمل.

أما رشا، فتواجه الخوف بالاندفاع إلى الميدان، مؤكدة أن الصورة أقوى من الرصاص. تقول: “نحتاج حماية حقيقية، وممرات آمنة، ومحاسبة جدية. الصحافة ليست بيانات شجب، بل حياة تُسلب وصوت يجب أن يبقى”.

الجرح النفسي يبقى الأثقل، تحذر الأخصائية النفسية علا كمال من أن تكرار الصدمات قد يخلّف اضطرابات طويلة الأمد، مثل القلق المزمن والكوابيس.

وتوضح أن النجاة من الموت تترك ندوبًا عميقة، خاصة حين تكون مرتبطة بالعمل اليومي، كما هو حال الصحافيات في غزة. وتضيف: “قد تتحول تجربة الإصابة أو النجاة إلى دافع للاستمرار، فيما يُعرف بالمرونة ما بعد الصدمة، حيث يتحول الألم إلى معنى ورسالة”.

لكنها تحذر من أن هذا الثبات الظاهري لا يعني غياب الألم، مؤكدة أن غياب بيئة دعم نفسي حقيقية يفرض أثمانًا طويلة الأمد.

يؤكد فروانة أن غياب الدعم المؤسسي يزيد هشاشة الصحافيين، في ظل الاستهداف المباشر وتدمير المؤسسات الإعلامية ومعدات البث، وارتكاب الاعتقالات والإخفاء القسري. ويشير إلى أن المطالبات بالتحقيق والحماية الدولية غالبًا ما تبقى دون استجابة.

رغم ذلك، تصرّ الصحافيات على تحويل الندوب إلى شهادة حياة. تقول رشا: “في كل صورة نلتقطها، نرسل رسالة واحدة: الصحافة في غزة فعل صمود يومي”.

وتختم سلمى: “الصحافة في غزة تُكتب بدماء أصحابها. الاستمرار بعد النجاة ليس خيارًا سهلًا، بل رسالة للعالم: نحن هنا، نرى ونحكي، حتى لو كان الثمن حياة”.

وبحسب التقرير السنوي لنقابة الصحفيين الفلسطينيين، كان عام 2025 الأكثر دموية على العمل الصحفي في فلسطين، حيث استشهد 63 صحفيًا وصحفية خلال العام، ليرتفع العدد الإجمالي منذ بداية العدوان إلى 256 شهيدًا.

وفي ظل الحرب المتواصلة على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023، والتي خلّفت حتى 17 يناير/كانون الثاني 2026 أكثر من 71,548 شهيدًا و171,353 جريحًا وفق وزارة الصحة، تبقى الكاميرا والعدسة شهادة على الألم ودليلًا على الوجود، في مكان يُستهدف فيه الشهود قبل الحكاية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى