معبر رفح شريان الحياة الوحيد لأهالي غزة المحاصرين

محمد لبد
مع اقتراب الانتقال إلى تنفيذ المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار في قطاع غزة، تتجه الأنظار، وسط ترقب كبير إلى معبر رفح البري المغلق منذ مايو/أيار 2024، في أعقاب سيطرة الاحتلال الإسرائيلي على جانبه الفلسطيني، واغلاقه أمام حركة الأفراد والشاحنات.
ويعد المعبر الجنوبي الفاصل بين مدينتي رفح الفلسطينية والمصرية، بمثابة شريان غزة، ورئتها الوحيدة على العالم الخارجي.
ورغم أن اتفاق شرم الشيخ الذي ُوقع بتاريخ 9 أكتوبر 2025 برعاية أمريكية وقطرية ومصرية نصّ على إعادة فتحه في كلا الاتجاهين (المغادرة والعودة)، إلا أن إسرائيل أعلنت أنه سيبقى مغلقاً دون تحديد موعد لاستئناف العمل الكامل به.
وتؤكد جمهورية مصر العربية أن المعبر من جانب حدودها لم يغلق منذ بداية حرب الابادة، مشيرة إلى أن استهداف إسرائيل الجانب الفلسطيني، ومن ثم احتلاله، واغلاقه حال دون مواصلة العمل به، وتوقف إجلاء الحالات الإنسانية من خلاله.
ويشكل استمرار اغلاق معبر رفح عقبة رئيسية أمام لم شمل العائلات الفلسطينية التي غادر بعض أفرادها خلال الحرب لتلقي العلاج، أو الدراسة لكن لم يستطيعوا العودة، إضافة إلى الخطر الكبير على حياة عشرات آلاف المرضي المقيدين في قوائم السفر لتلقي العلاج خارج قطاع غزة بحسب بيانات صادرة عن وزارة الصحة الفلسطينية، ومنظمة الصحة العالمية.
آمال معلقة
ويأمل المواطن طارق محمد 44 عاماً من سكان شمال قطاع غزة فتح معبر رفح خلال الأيام القريبة القادمة، ليتمكن من تلقي العلاج في الخارج، وإجراء عملية جراحية معقدة في الدماغ لإزالة شظية، أصيب بها في قصف اسرائيلي استهدف منزله في 8 أغسطس 2024.
ويقول محمد:” رحلتي مع الألم والأوجاع طالت كثيراً بفعل إغلاق المعبر، فحالتي الصحية تزداد سوءاً يوماً بعد يوم، فأنا وآلاف المرضى والمصابين بحاجة ماسة إلى السفر بشكل عاجل لانقاذ حياتنا، وعلى العالم أجمع التدخل والضغط على إسرائيل، للسماح لنا بالسفر للعلاج الذي هو حق بسيط وأساسي من حقوق الإنسان”.
ويضيف:” الأدوية والمسكنات الطبية غير متوفرة، والحصول على بدائل لها أمر معقد ومكلف للغاية، كما أن الظروف المعيشية مأساوية للغاية، فأنا نازح برفقة عائلتي المكونة من 7 أفراد في خيمة مهترئة، وقبل أيام تعرضت للغرق بفعل مياه الأمطار التي غمرتها، وللأسف لم تحرك أحد لإنقاذنا، والتخفيف من حدة معاناتنا”.
خطر الموت
وترصد تقارير دولية أن الاحتلال ارتكب منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، إبادة جماعية بحق قطاع غزة، أدت إلى قتل وفقد 73,731 مواطن، بينهم أكثر من 20,000 طفل و12,500 امرأة، إضافة إلى إبادة 2,700 أسرة بالكامل من السجل المدني، كما أصيب أكثر من 170 ألف غزي، بينهم آلاف حالات البتر، والشلل، وفقدان البصر.
وتشير التقارير إلى أن أكثر من 22,000 مريض في غزة بحاجة إلى العلاج في الخارج، فيما أنهى أكثر من 17,000 مريض إجراءات التحويل، وينتظرون سماح الاحتلال لهم بالسفر.
وتؤكد دائرة الإعلام في وزارة الصحة الفلسطينية أن أكثر من 5,200 طفل يحتاجون إجلاء طبياً عاجلاً، لكن الاحتلال يمنعهم من السفر، على مدار عامين متتاليين، كما يواجه 12,500 مريض سرطان خطر الموت في ظل حاجتهم الطارئة للعلاج الغير متوفر في القطاع المحاصر.
تحرك عاجل
ويتحدث والد الطفل محمد أبو غالي المصاب بالشلل الدماغي وسرطان الدم منذ أكثر من 7 سنوات عن معاناة ابنه التي تتفاقم في ظل إغلاق المعابر، وغياب الرعاية الطبية المناسبة قائلاً:” بعد تدمير غالبية المشافي التي تُعنى برعاية، وعلاج مرضى السرطان، وانقطاع التواصل مع الأطباء بفعل ظروف الحرب حالة محمد تزداد سوءاً، فهو يفقد التوازن، وحركته أصبحت أصعب لأن كثير من الأدوية والمسكنات اللازمة غير موجودة، كما أن تشخيص الحالة والمرحلة المتقدمة من المرض غير متوفرة بفعل عدم القدرة على السفر”.
ويطالب أبو غالي منظمة الصحة العالمية، والمؤسسات الطبية الدولية بضرورة العمل الجاد على إنقاذ حياة ابنه، وضمان خروجه عبر معبر رفح، لافتاً إلى أنه يملك تحويلة طبية منذ أكثر من عامين، واسمه مدرج بالكشوفات المعتمدة من قبل وزارة الصحة لتلقي العلاج في إحدى مشافي الأورام بجمهورية مصر العربية.
وكان المعبر الفلسطيني قبل عام 2005، تحت السيطرة الإسرائيلية، ثم سُلّم إلى السلطة الفلسطينية تحت إشراف الاتحاد الأوروبي ضمن “اتفاق الحركة والوصول”، لكن بعد سيطرة حركة حماس على غزة عام 2007، تكررت الأزمات في تشغيله، وظل يُفتح ويُغلق وفق الترتيبات السياسية والأمنية.
أزمة العالقين
وتتعدد أشكال المعاناة بفعل الحصار المفروض على قطاع غزة، فغالبية الفلسطينيين الذين خرجوا من غزة خلال حرب الإبادة لم يتوقعوا أن يستمر إغلاق المعبر لأكثر من عام ونصف على التوالي، فأضحوا عالقين خارج وطنهم، في ظروف إنسانية واقتصادية صعبة للغاية.
وتكشف الشهادات الحية أن آلاف الغزيين الذين غادروا غزة بفعل الحرب، أو لتلقي العلاج، أو للدراسة يعيشون واقعاً قاسياً في ظل غياب أية مصادر للدخل، وارتفاع تكاليف المعيشة، إضافة إلى عدم تقديم أي دعم حكومي أو أهلي لهم.
ويتحدث أحمد الخطيب عن رحلة مغادرته غزة بعد شهر من اندلاع الحرب قائلاً:” لجأت إلى مصر برفقة عائلتي المكونة من 5 أفراد على أمل أن تنتهي الحرب بعد مدة قصيرة كما تعودنا في الحروب السابقة، لكن الغير متوقع أن تستمر الحرب لعامين على التوالي، فتكلفة الاقامة خارج غزة مكلفة للغاية نظراً للالتزامات المالية المطلوبة مني كرب أسرة، ومنها توفير إيجار شهري ونفقات معيشة بقيمة 800$ ناهيك عن التسجيل في مدارس خاصة، أو تلقي العلاج في مشافي خاصة لا سمح الله، فكل تلك التكاليف المرهقة في ظل غياب مصدر دخلي الذي كنت أعتاش منه حول حياتنا إلى جحيم لا يطاق”.
ويضيف الخطيب:” كل ما أملك من مال كنت أدخره أنفقته خلال وجودي في القاهرة، كما أني خسرت منزلي ومصدر رزقي في قطاع غزة، ولجأت مضطراً إلى الاستدانة من صديق لي في الإمارات لأتمكن من تغطية النفقات الشهرية لأسرتي، وبصراحة أنا والعائلة على أحر من الجمر ننتظر فتح المعبر لنعود إلى قطاع غزة حتى لو سنعيش في خيمة حالنا حال آلاف العائلات هناك، فأن تعيش في وطنك، وبين أهلك، أرحم بكثير من الغربة، وتفاصيلها المريرة”.
ويتابع الخطيب:” نسمع عن بعض المبادرات والأنشطة من قبل المؤسسات لمساعدة الفلسطينيين في مصر، لكن على أرض الواقع لم نرى أي حراك عملي يخفف من معاناتنا، ولم نلحظ من أي جهة رسمية، أو أهلية أي محاولات لمساعدتنا، كما لا يمكنني الحصول على عمل لعدم امتلاكي إقامة رسمية، شأني شأن بقية الفلسطينيين الذين يعيشون في مصر منذ بداية الحرب من دون تصاريح إقامة، في ظل غياب قرار مصري يمنحنا أي نوع من الإقامات”.
لم الشمل
من ناحيتها، تشير ميرفت العمصي، إلى أنها أنهت رحلة علاجها في القاهرة، واضطررت مرغمة إلى البقاء هناك لعدم القدرة على العودة بسبب إغلاق معبر رفح البري منذ مايو/أيار الماضي”.
وتقول العمصي:”أعد الأيام، وأحسب بالساعات والثواني على أمل الاعلان عن فتح المعبر، فأنا أنتظر العودة إلى غزة بشوق كبير لأحتضن أطفالي الذين عاشوا الحرب، والنزوح، والجوع، والتشرد، وأنا بعيدة عنهم خلال رحلة علاجي، فأنا كنت أبكي دماً وقهراً خلال متابعتي لمجريات الحرب على غزة، وبعد كل هذا الألم، والحرمان، والوجع حان الوقت لأجتمع بعائلتي، لنكمل مشوار الحياة من جديد”.
ويتوزع وجود العالقون الفلسطينيون في عدد من المدن المصرية، أبرزها العاصمة القاهرة، والإسكندرية، ومدينة العريش في محافظة شمال سيناء، وتوجه بعضهم إلى المدن وقرى الدلتا البعيدة بحثاً عن تكاليف معيشة أدنى.
في المقابل يكثف محمد حامد 39 عاماً محاولاته الحثيثة للالتحاق بعائلته التي غادرت غزة، ووصلت إلى القاهرة مطلع يناير من عام 2024.
ويقول حامد:” غادرت عائلتي عبر معبر رفح، ولم أتمكن من الالتحاق بهم لأن الاحتلال كان يفصل شمال قطاع غزة عن جنوبه خلال الشهور الأولى الحرب، والآن العائلة بحاجة إلى وجود معيل وسند بجانبها في ظل هذه الظروف الصعبة، وأتمنى أن يتم فتح المعبر خلال الفترة القريبة المقبلة، وأن تنتهي المعاناة واجتمع بعائلتي من جديد، فالحرب دمرت كل شيء، وحرمتنا من أبسط الحقوق وهي العيش بين عائلتنا بأمان وسلام”.
إفشال مخطط التهجير
وتشدد والدول العربية والاسلامية على رفضها مخططات إسرائيل الرامية إلى “تهجير الفلسطينيين” عبر معبر رفح البري.
بدوره قال وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي خلال تصريحات لوسائل الإعلام الدولية: “إن معبر رفح لن يكون بوابةً لتهجير الفلسطينيين، بل فقط لإغراق غزة بالمساعدات الإنسانية والطبية”.
وكان من المقرر فتح معبر رفح في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ضمن المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، الذي بدأ سريانه في الشهر ذاته، غير أن إسرائيل أبقته مغلقاً في كلا الاتجاهين منذ دخول الاتفاق حيز التنفيذ.
من جهتها أعربت مصر والمملكة العربية السعودية والأردن والإمارات وإندونيسيا وباكستان وتركيا وقطر، عن بالغ القلق إزاء التصريحات الإسرائيلية بشأن فتح معبر رفح في اتجاه واحد لإخراج سكان قطاع غزة إلى مصر.
وأكدوا على ضرورة الالتزام الكامل بخطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وما تضمَّنته من فتح معبر رفح في الاتجاهين، وضمان حرية حركة السكان، وعدم إجبار أي من أبناء القطاع على المغادرة، بل تهيئة الظروف المناسبة لهم للبقاء على أرضهم، والمشاركة في بناء وطنهم، ضمن رؤية متكاملة لاستعادة الاستقرار وتحسين أوضاعهم الإنسانية.




