الشتاء يحول حياة النازحين في غزة من نعمة إلى نقمة

 

الشتاء يحول حياة النازحين في غزة من نعمة إلى نقمة
#الحماية_حق #cdmcgaza

الشتاء يحول حياة النازحين في غزة من نعمة إلى نقمة

محمد لبد

مقالات ذات صلة

بعد مرور عامين ونيف من الحرب الاسرائيلية المدمرة على قطاع غزة، يأتي فصل الشتاء ضيفاً ثقيلاً على آلاف الفلسطينيين النازحين في العراء، وتحوّلت مياه الأمطار التي غمرت خيامهم، وما تبقى من بيوتهم المتهالكة، في ظلّ غياب مقومات الحماية ووسائل التدفئة، إلى خطر حقيقي يهدد حياتهم.  

وتتعمق المأساة الإنسانية في غزة خلال المنخفضات الجوية العنيفة، ليعلن الناطق باسم الدفاع المدني المقدم رائد بصل في مؤتمر صحفي عُقد منتصف شهر ديسمبر 2025 عن وفاة 17 فلسطينيًا جراء تداعيات المنخفضات الجوية، بينهم 4 أطفال قضوا بفعل البرد الشديد في مشهد مرير يعبر عن واقع آلاف الأطفال الذين يعيشون في ظروف قاسية.

وأوضح أن أكثر من 17 مبنى سكنيًا انهار كليًا، وأن نحو 90 بناية تعرضت لانهيارات جزئية خطيرة، بالتزامن مع غرق قرابة 90% من مراكز الإيواء وتضرر جميع الخيام، مما فاقم معاناة آلاف الأسر التي فقدت مأواها وأمتعتها الأساسية.

واقع مؤلم

“غرقت الخيمة، ومتنا إحنا وأولادنا من البرد، وما ضل لنا أي ملابس، ولا حرامات نستخدمها” بهذه الكلمات الصعبة عبر لنا الحاج محمد البياري 60 عاماً عن حال أسرته خلال المنخفض الجوي الأخير الذي تعرض له قطاع غزة”.

ويعيش البياري في مخيم نزوح بمدينة غزة يفتقر إلى أدنى مقومات المسكن حاله حال مئات آلاف الفلسطينيين الموزعين على مخيمات، وتجمعات منظمة، وأخرى عشوائية منتشرة في قطاع غزة.

ويقول البياري الذي نزح من بيته المدمر في مخيم الشاطئ في بداية الحرب على غزة” أسرتي لا تحتمل أن تعيش فصل الشتاء في خيمة متهالكة من قماش، وأنا عاجز عن فعل أي شيء يخفف من معاناتهم، فكل يوم أستمع إلى بكاء بناتي، وشكواهم وقهرهم من الواقع الذي نعيش فيه”.

ويضيف:” بعد أن دخلت مياه الأمطار كالسيل خيمتنا وجرفت معها الطعام، والملابس، البطانيات والأغطية ، والآن لم يتبقى لدينا أي مقومات للحياة، وأناشد العالم أجمع بضرورة إدخال وبيوت متنقلة لنعيش فيها في ظروف إنسانية”.      

ووثقت الأمم المتحدة نزوح 796 ألف فلسطيني في قطاع غزة قسرياً من مناطق سكنهم منذ منتصف آذار مارس الماضي، مشيرة إلى أن القصف الاسرائيلي المكثف على المناطق السكنية، وأوامر الاخلاء الفورية، وانقطاع الخدمات الأساسية عن المناطق المدنية، أدت إلى حالات نزوح غير مسبوقة، وسط ظروف غير إنسانية.  

أوقات عصيبة

ويتقاسم سكان الخيام نفس الألم، ومرارة الكفاح من أجل البقاء على قيد الحياة، وتصف مادلين عمر 28 عاماً وهي أم لأربعة أطفال ما عايشته خلال المنخفض الجوي الأخير بالرعب، بعد أن كانت ستفقد بنتها ريهام” 9 أعوام جراء تعرض خيمتها للتدمير بفعل قوة الرياح، والأمطار العنيفة التي انهمرت. 

وتفيد عمر” أُجبرنا أن نعيش في الشارع في ظروف قاهرة، لكن الطبيعة أيضاً لم ترحمنا، فالمطر أغرق ما تبقى لنا من مأوى، والرياح العنيفة اقتلعت الخيمة الممزقة من جذورها، وأتت على كل أعمدتها”.   

وتابعت:” نحن الآن بلا مأوى، ولا نملك خيمة، وننتظر أن تساعدنا المؤسسات الاغاثية في توفير بديل مؤقت يحمي عائلتي من المياه والبرد الشديد، لكن السؤال الأهم إلى متى سنظل نعيش هذا الواقع الكارثي، والظروف غير الإنسانية؟

ويشير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” في تقرير نشر عبر الانترنت إلى أن 92% من الوحدات السكنية في غزة مدمرة أو متضررة، مؤكدة تعرض 160 ألف وحدة سكنية للتدمير الكلي، وتعرض 276 ألف وحدة للضرر الخطير أو الجزئي.

وتشدد “أوتشا” على أن أكثر من 1.8 مليون شخص في غزة بحاجة ماسة إلى مأوى طارئ، ومستلزمات منزلية أساسية.

مياه الصرف الصحي

النازح من بلدة بيت لاهيا في شمال قطاع غزة محمد العطار 46 عاماً بفعل القصف الاسرائيلي المتواصل، ومنع الاحتلال الأهالي من العودة إليها، وتصنيفها مناطق عسكرية حمراء، يعيش منذ أكثر من عامين برفقة أسرته المكونة من 7 أفراد في خيمة مقامة على أرض طينية في محيط ملعب الدرة بمدينة دير البلح وسط قطاع غزة.

ويصف العطار الخيمة خلال المنخفض الجوي الأخير بالسجن البارد قائلاً:”أنت تعيش بلا سقف وبدون أي جدار يخفف من البرد، أو يحد من كمية الأمطار التي تهاجمك من كل مكان، وأنت عاجز أمام أولادك لاحول لك ولا قوة، ناهيك عن التربة الطينية التي تحولت إلى وحل لطخ كل ما نملك من مقتنيات بسيطة”.

ويضيف:” تعودنا على مياه الأمطار وهكذا ظروف مأساوية، لكن الصعب والغير طبيعي، هو اقتحام مياه الصرف الصحي خيمتنا بعد أن امتلأت، وفاضت مصافي ومجاري الصرف الصحي المحيطة بنا”.

ويتابع:” بعد أن غمرت مياه الصرف الصحي خيمتنا أطفالي اليوم يعانون من انتشار أمراض جلدية غريبة، وندعو كل من يحمل شعار الإنسانية في العالم إلى إنقاذنا ومساعدتنا في توفير بيوت متنقلة تخفف من وطأة معانتنا”. 

وحذرت بلديات غزة في بيانات صحفية من انهيار البنية التحتية المؤقتة بفعل هطول الأمطار، وطالبت بضرورة إدخال المركبات والمعدات اللازمة للتعامل مع المنخفضات الجوية لتجنب وقوع كوارث إنسانية تهدد حياة آلاف الغزيين.

نزوح بفعل المطر

ويخلف الضغط النفسي الهائل الذي تعيشه العائلات في غزة بفعل الخوف من المطر، والقلق المستمر، والشعور باليأس، والعجز، معاناة نفسية يعجز الطب النفسي عن التعامل معها.

وتقول لما عليان 24 عاماً:” وصلنا إلى درجة غير مسبوقة من اليأس، والإحباط، فنحن نزحنا أكثر من 10 مرات خلال الحرب، لكن هذه المرة ننزح إلى وجهة غير معروفة بفعل غرقنا في مستنقع من مياه الصرف الصحي”. 

وتضيف عليان:” ما نتعرض له ظلم كبير وفوق طاقة تحمل أي بشر، فنحن لا نملك تكلفة نقل ما تبقى من أمتعتنا لو وجدنا مكان نعيش فيه مجدداً، كما أننا لا نملك أغطية كافية تحمينا من البرد الشديد، فإخوتي يتقاسمون الأغطية كل فردين بغطاء واحد”.  

وتؤكد أن عائلتها تواجه الصعاب بنفسها دون سند أو عون من أحد قائلة:” نسمع عن كثير من المبادرات، والمؤسسات لكن لا نجد شيئاً ملموساً على أرض الواقع يخفف من المأساة والقهر الذي نعيشه”.

بدائل مؤقتة

وتتواصل مناشدات آلاف النازحين في قطاع غزة بضرورة إدخال المساعدات الإنسانية الأساسية، بما فيها الأغطية والملابس والمواد الغذائية لتوفير بيئة آمنة تخفف من تبعات الحرب الكارثية.

وتعد البيوت المتنقلة “الكرفانات” من الحلول المؤقتة التي قد تسهم في التخفيف من معاناة النازحين، لكن إسرائيل ترفض إدخالها بالرغم من أن اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في مدينة شرم الشيخ بتاريخ9 أكتوبر 2025 برعاية أمريكية وقطرية ومصرية نص بشكل صريح على دخولها دون قيد أو شرط.

وينتظر أهالي غزة حراكاً دولياً جاداً يسهم في الضغط على الاحتلال الاسرائيلي، لإدخال جميع وسائل الإيواء، ومواد إعادة الإعمار، وصولاً إلى مرحلة البناء والاستقرار. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى