غصة في قلب أم محمد .. راح رفيق العمر

غصة في قلب أم محمد .. راح رفيق العمر

غزة- هبة أبو عقلين :

“حياتي تحوّلت إلى رماد، صرختُ كثيرًا منذ استشهاد سندي ورفيق عمري، وفقدان منزلي، وحدي أتجرّع الألم في خيمة بالية، معالم الدنيا تغيّرت حولي، انقلبت تمامًا”.

بالدموع، تحدثت آمال زايدة (62 عامًا) عن معاناتها منذ بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، يوم 7 أكتوبر 2023م، حتى الآن، وكيف باتت وحدها في هذا السن مسؤولة عن ابنتها ريم (40 عامًا) وهي من ذوات الإعاقة.

آمال المكنّاة أم محمد (أم لستة أبناء- خمسة إناث وذكر)، تعيش في خيمةٍ بمدينة غزة، بعدما دمّر الاحتلال منزلها إثر قصف مفاجئ، نجت منه بأعجوبة هي وابنتها ريم، لكن السيدة أصيبت في قدمِها ووجهها، ما سبب لها ضَعفًا في الرؤية، وجعل المشي أمرًا بالغ الصعوبة، وأصبح الألم ضيفًا ثقيلًا يلازمها طوال الوقت.

تستذكر أم محمد الليلة التي قلبت حياتها تمامًا في يوليو 2024م، تحديدًا الساعة الثامنة مساءً، حيث كانت تجلس في غرفتها مع زوجها إبراهيم زايدة (66 عامًا) وحفيدتها جمانة.

“فجأة قطع هدوء المكان صوت صاروخ، ولكن دون أن يتبعه صوت الانفجار الذي كنت أتوقّعه، وقبل أن أدرك ما حدث انهارت الجدران علينا، وعرفت أن صاروخًا ضرب عمارتنا”، تقول أم محمد.

تجهش بالبكاء وهي تكمل: “ناديتُ زوجي إبراهيم ولم يُجب، كررت النداء ولا مجيب، صرخت وأنا وسط الظلام، ساعات من الألم والرعب قبل أن يتم إخراجي من تحت الأنقاض”.

فتحت آمال عيناها لتجد زوجها إبراهيم وحفيدتها شهداء، صرخت بأعلى صوتها بينما يسيل الدم من كامل جسدها، عرفت أنها فقدت جزءًا من أصابع قدميها، وأن إصابتها بالغة، تكمل: “وجهي كان متنفّخ بصورة مش طبيعية ومش قادرة أشوف، الإصابة ما زالت آثارها ظاهرة حتى الآن”.

بعدما تلقّت آمال العلاج، باتت تواجه قسوة الحياة وحدها، وحدها أيضًا تتجرع آلام فقدان شريك حياتها، وبعدما كانت تعيش حياة سعيدة، باتت تشعر أنها أتعس الناس.

ومع صعوبة المشي التي باتت تعانيها، تتحدى آمال آلام الغضروف والإصابة بتحمّل الأعباء اليومية، تقول: “أحمل جالون المياه إلى مكانٍ بعيد عن المخيم لجلب المياه، أصطف في طابور المخبز لجلب الخبز، أستريح بين الحين والآخر على الطرقات، وفي ظل غياب الأدوية والمسكّنات، تزداد معاناتي بسبب الطرقات الوعرة المليئة بالركام، وفوق هذا، لا يتوفر لي علاج”.

حين أجبر جيش الاحتلال الإسرائيلي سكّان شمال قطاع غزة على النزوح إلى جنوبه، لم تتمكن آمال من ذلك بسبب معاناة ابنتها من إعاقة حرمتها من القدرة على التنقّل، ولم تستطع التنقّل داخل غزة بسبب صعوبة الحركة، ولم تكن قادرة على ترك مكانها، فالحياة في المخيم قاسية، لكنها لا تملك خيار آخر.

تحاول أم محمد كفكفة دموعها وهي تواصل: “كدت أفقد بصري بسبب الإصابة، لا أستطيع الرؤية كما السابق، بينما الدم يسيل من جسدي كنت أقاتل من أجل البقاء، لكن الألم ما زال كبيرًا”.

ويتناقض ما تعرّضت له آمال مع اتفاقية جنيف الرابعة، الخاصة بحماية المدنيين وقت الحرب، والتي حظرت في مادتها (3) استهداف المدنيين بالقتل، كما حثت الاتفاقية على ضرورة تسهيل مرور الإمدادات الطبية والغذائية للمدنيين، وحقهم في تلقّي الرعاية الصحية.

وتضيف أمال: “وسط هذا كله، أتحمل أمانة رعاية ابنتي ريم، التي تعاني من إعاقة تحتاج إلى مواءمة خاصة في هذا المخيم الذي لا يوفر أي مقومات تناسبها، لتظل حياتنا تحت وطأة الصعاب”.

ويتنافى ذلك مع اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التي تنص على ضرورة أن تؤخذ بالاعتبار احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة، خاصة في أوقات الطوارئ والنزاعات المسلحة، وتلزِم الاتفاقية الدول باتخاذ تدابير فعالة لحماية هذه الفئة وضمان تمتعهم بحقوقهم الأساسية.

تتناثر في الخيمة آثار حياة مكسورة، حيث تعيش آمال مع ابنتها ريم التي تكافح إعاقة فُرضت عليها منذ الولادة، وتجد آمال في وقت فراغها من صفحات القرآن الكريم ملاذًا من الألم، وعبورًا نحو السلام الداخلي، رغم الغضروف الذي يمزّق جسدها، والإصابة التي باتت رفيقتها، بينما تقف الحرب والمستشفيات البعيدة وقلة المستلزمات الطبية حاجزًا أمام علاجها.

تتمنّى آمال أن تنتهي الحرب، ويعمّ السلام والأمان في قطاع غزة، لتعود إلى حياتها وحياة أبنائها، حلمها الآن أن ترى بيتها المدمّر، وأن تشهد إعادة بنائه، لتحظى وعائلتها بحياة أفضل.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى