البحث عن الكهرباء في غزة … صراع يومي
البحث عن الكهرباء في غزة … صراع يومي
غزة- نغم كراجة :
“يا عالم مش معقول، الواحد صار يحسب شحنة التلفون مثل شربة المي… لو خلصت ضاع!”.
هكذا صرخت الشابة سها سكّر وهي تجلس في منزلها المظلم شرق مدينة غزة، تصف واقعًا تسبب به قطع الاحتلال الإسرائيلي للكهرباء عن قطاع غزة، منذ شنّ حرب الإبادة يوم 7 أكتوبر 2023م، حتى الآن.
“انقطاع الكهرباء كان خنقًا للحياة”، تقول سها وهي تحكي عن ليالٍ قضتها تتلمّس الجدران في ظلمةٍ دامسة، تحاول شحن هاتفها بأي طريقة، حتى لو اضطرت لقطع مسافات تحت القصف، لتطمئن على أشقائها النازحين إلى جنوب قطاع غزة.
وتنص المادة (55) من اتفاقية جنيف الرابعة، على ضرورة توفير الخدمات الأساسية مثل الكهرباء للسكان المدنيين، وعدم عرقلتها أو منعها تحت أي ظرف، واعتبار ذلك بمثابة عقاب جماعي للسكان المدنيين في مناطق النزاع.
ورغم توقّف الحرب مع إعلان الهدنة في يناير 2025م، ما تزال عائلة سها تعيش على ضوء شموعٍ تتآكل سريعًا، أو بطارية تكفي لساعات معدودة، في ظل عجز العائلة عن توفير ألواح للطاقة الشمسية، إذ يتجاوز سعر الواحد منها (2000% $)، ينما يصل سعر شحن الهاتف إلى 4 شواقل، والحاسوب 6 شواقل.
وسط هذه الأزمة، لم يكن العثور على نقطة شحن المشكلة الوحيدة، بل أصبح تلف الهواتف والشواحن مشكلة إضافية، نتيجة عدم استقرار الكهرباء التي تنتجها ألواح الطاقة الشمسية والكابلات المتهالكة.
تقول سها: “احتجت أكثر من مرة وصلات جديدة للشاحن، آخر مرة كان سعره 120 شيكلًا تلفت بعد يومين، وبسبب عجزي عن إبقاء هاتفي مشحونًا وجدت نفسي بلا عمل”.
شقيقتها ترنيم طالبة جامعية، فقدت فصلين دراسيين، تتابع محاضراتها عبر الانترنت وهي تقف في الشارع تبحث عن نقطة شحن للحاسوب، لكن هذا لم يكن كافيًا، فحتى عندما تتمكن من إرسال تكاليف المواد المطلوبة، لم تكن تستطيع إتمامها، تقول ترنيم: “ضاعت عليّ علامات، بدرس وأتعب بدون فايدة بسبب الكهرباء”.
ويشكّل انقطاع التيار الكهربائي أزمة لأكثر من 2 مليون مواطنة ومواطنًا يعيشون في قطاع غزة، حيث تضرر بسببها أصحاب العمل ووقفت عائقًا أمام التعليم والصحة وكافة مناحي الحياة.
أما نضال صيام، فقصته تأخذ منحى أشدّ قسوة، فقد عاد إلى منزلِه ذي الأربع طوابق في حي الزيتون فور دخول الهدنة حيز التنفيذ ليجده كومة ركام، فأقام خيمة على أنقاضِه، لكن الألم أيضًا يتمثل في المعركة اليومية التي يخوضها لشحن بطارية الإنارة.
يقطع نضال الطريق من حي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة إلى حي الثلاثيني وسط المدينة، حاملًا البطارية الثقيلة على كتفه، لشحنها من أجل طفله الرضيع حمزة ذو الشهرين، والذي ما زال يعاني من اصفرار في عينيه، ما يجعله بحاجة دائمة إلى الضوء.
وتؤكد المادة (25) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حق كل إنسان في مستوى معيشي يضمن الصحة والرفاهية له ولأسرته، بما في ذلك العناية الطبية والخدمات الأساسية، وهو ما تم انتهاكه في حالة الرضيع حمزة، الذي حُرم من العلاج بسبب أزمة الكهرباء المتعمدة.
نضال كان يمتلك محلًا لبيع الهواتف المحمولة قبل الحرب فقده بسبب القصف، اضطر للعمل في أي مهنة لتوفير نفقات أسرته ومن بينها تكلفة شحن البطارية، يقول: “بشتري شاحن، وبعد أسبوع ببطل يشحن، بس شو أعمل؟ مضطر أضلّ أشتري، لأن بدون شحن، ما فيني حتى أعرف إذا في مساعدات وصلت للحي، أو إذا ابني محتاج دكتور”.
في مشهدٍ يعكس حجم الكارثة، يشير محمد ثابت الناطق باسم شركة كهرباء غزة، إلى أن حرب الإبادة لم تكن مواجهة عسكرية فقط، إنما استنزافٌ شامل للبنية التحتية بشكلٍ غير مسبوق، تسبب في انهيارٍ شبه كامل لمنظومة الكهرباء في قطاع غزة.
ويؤكد ثابت أن 70% من شبكات الكهرباء دُمرت بالكامل بفعل الغارات الإسرائيلية التي استهدفت المحولات، الخطوط الناقلة، وأعمدة التوزيع، الأمر الذي ترك معظم سكان قطاع غزة في عتمة تامة منذ الأسابيع الأولى للحرب.
ورغم أن طواقم شركة الكهرباء حاولت إصلاح ما يمكن منذ الأيام الأولى للحرب، لكن حجم الدمار كان كارثيًا، ومع انقطاع الوقود توقّفت محطة التوليد عن العمل منذ 11 أكتوبر 2023م، ولم يكتف الاحتلال بذلك؛ بل قطع 10 خطوط كهرباء إسرائيلية كانت تغذي القطاع، ما يعني عزله تمامًا عن أي مصدر للطاقة.
“نحن نتحدث عن ضرورة إنسانية، الكهرباء ليست مجرد إضاءة، بل حياة: المستشفيات بحاجة إليها لتشغيل الأجهزة الطبية، محطات تحلية المياه تحتاجها لضخ المياه الصالحة للشرب، والناس لا يستطيعون حتى شحن هواتفهم للتواصل مع أقاربهم أو طلب المساعدة. هذا ليس فقط استهدافًا للبنية التحتية، بل خنق متعمد للسكان”، يقول ثابت.
وكشف ثابت عن خطة مستقبلية من ثلاث مراحل للتعافي المبكر، أولاها (60 يومًا) تهدف إلى إعادة التيار الكهربائي إلى المرافق الحيوية مثل المستشفيات ومحطات تحلية المياه عبر حلول مؤقتة تشمل إصلاح بعض الشبكات المتضررة وتشغيل المولدات الصغيرة، والمرحلة الثانية (6 أشهر) تهدف إلى إعادة تأهيل الشبكات المدمرة جزئيًا وتوسيع نطاق الكهرباء لتشمل الأحياء السكنية الأساسية.
أما المرحلة الثالثة (3 سنوات) تركز على إعادة بناء الشبكة الكهربائية بالكامل، وإيجاد مصادر طاقة بديلة، مع التركيز على مشاريع الطاقة الشمسية بسبب صعوبة الاعتماد على الوقود في ظل استمرار الحصار.
لكن تنفيذ هذه الخطة يواجه عقبات كبيرة أبرزها أن الاحتلال الإسرائيلي يمنع دخول المعدات اللازمة بما في ذلك المحولات، كوابل التوزيع، وأنظمة الطاقة الشمسية، كما أن الوضع السياسي المعقد والمفاوضات المستمرة بشأن المعابر تجعل من الصعب توقع متى يمكن البدء بتنفيذ هذه الخطة، يختم ثابت.