نساء غزة بعد الحرب .. صراع البقاء

نساء غزة بعد الحرب .. صراع البقاء

غزة – نغم كراجة :

“حياتنا صارت طوابير”، تقولها منى العمراني وهي تمسح دموعها بكفٍّ منهك، واقفة بجانب جالونات المياه الخاصة بها لملئها، في مخيم اليرموك للنازحين وسط مدينة غزة، ثم تهمس: “وين كنا وكيف صرنا؟”.

لم تتخيل منى يومًا أن يصبح ملء جالون الماء إنجاز، وأن تتحولَ حياتَها رغم إعلان وقف إطلاق النار إلى سلسلةٍ لا تنتهي من الطوابير: للمياه، للطعام، للمرحاض، وحتى للحصول على معونة لا تكفي لسدِ رمقِ أبنائها، بعدما أصبح البقاءُ معركةً يوميةً بالنسبة للنساء في قطاع غزة.

منى، التي نزحت قسرًا إلى جنوب قطاع غزة، حين أجبر جيش الاحتلال الإسرائيلي سكان شمال القطاع على ذلك بعدما شن حربًا على قطاع غزة يوم 7 أكتوبر 2023م، عادت إلى غزة بعد إعلان وقف إطلاق النار بين الفصائل الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي في يناير 2025م.

منى وجدت نفسها أمام واقع أشد قسوة مما تركته، فبيتها في جباليا صار ركامًا، وخيمتها المهترئة في غزة تُنقل من مكان إلى آخر، تقول بصوت متقطّع منهك: “رجعت.. بس وين أروح؟ كل زاوية أنصب فيها خيمتي يجبروني أنقلها.. ما ضل فينا قدرة حتى ننتقل!”

وتنص المادة (49) من اتفاقية جنيف الرابعة على منع التهجير القسري للسكان المدنيين إلا في حالات الضرورة العسكرية القصوى، وهو ما لم ينطبق على الحال في غزة.

تعاني منى من مرض في الدماغ، تفاقم قبل الحرب وكانت بحاجة ماسة للعلاج خارج القطاع، لكنها ظلت محاصرة بلا دواء، وبلا أمل، تضع يدها على الجزء المستأصل من رأسها وتحكي: “الألم ما بفارقني.. العلاجات المتاحة ما بتكفي، وأحيانًا أبقى أيام طويلة بلا علاج.”

وتلزم المادة (55) من اتفاقية جنيف الرابعة القوة المحتلة بتوفير العناية الصحية للنساء والأطفال، وهو ما لم يتحقق مع انهيار المستشفيات.

أما إنعام شليح، فقد خسرت أبنائها الذكور الأربعة في غارة إسرائيلية بينما كانوا يحاولون ملء المياه، ولم يُنتشل سوى اثنين، أما الآخران فبقيا تحت الأنقاض، تحاول إنعام استجماع أنفاسها وهي تقول بصوت مبحوح: “راحت الدار ومعها راحوا الولاد.. الفقدٌ لا يُعوَّض.. والأمان مفقود”.

ما عاشته إنعام هو انتهاك للمادة (33) من اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر العقوبات الجماعية، بينما يعد القتل الجماعي شكلًا من أشكال العقاب غير القانوني.

فقدت زوجها منذ سنوات، وبعد استشهاد أبنائها لم يبقَ لها معيل، وابنتاها تكافحان معها للبقاء وسط ظروف قاسية، خصوصًا أن ابنتها الكبرى استشهد زوجها في بداية الحرب وأصبحت أرملة، تروي إنعام بصوت يملؤه الحزن: “ابنتي أصبحت أرملة في العشرينات من عمرها، تُقاتل من أجل لقمة العيش، ونحن ثلاث نساء في هذه الخيمة، لا رجل لنا، لا أحد يسأل عنا، لا أحد يحمينا”.

حتى أبسط تفاصيل الحياة اليومية باتت معاناة، مجرد الذهاب إلى المرحاض العام أصبح كابوسًا، فهو بعيدٌ عن الخيام، وتخشى إنعام الذهاب بمفردها في الليل “أخاف أن تأتيني الحاجة وبناتي نائمات، ولا أجرؤ على تركهما وحدهما ولو لدقائق، ماذا لو حدث شيء؟ لا رجل لدينا، لا باب نغلقُه علينا، كل شيء مكشوف ومخيف”.

النساء في قلب الأزمة.. انهيار نفسي واجتماعي

المستشارة النفسية لطيفة شتات، التي تعمل مع النساء في الميدان، تصف الأوضاع بعد الحرب بـ “الكارثية”، وتؤكد أن النساء في غزة لا يعانين فقط من الجوع والمرض، بل يعشن انهيارًا نفسيًا واجتماعيًا شاملًا: “نحن لا نتحدث عن أزمة إنسانية عادية، الحرب لم تقتل السكان فقط، بل قتلت الأمان، ضربت البنية المجتمعية، وجعلت النساء هدفًا سهلًا للعنف والانتهاكات”.

وتشير شتات إلى أن انهيار القطاع الصحي أدى إلى تفشي الأمراض بين النساء، خاصة الحوامل والمرضعات اللواتي لا يجدن غذاءً كافيًا أو متابعة طبية، كما أن الوضع النفسي للنساء في تدهور مستمر، إذ لم يعدن يشعرن بالأمان حتى بعد دخول الهدنة حيز التنفيذ.

توضح لطيفة: “المخيمات تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، والمحاكم الشرعية مغلقة، والمنظمات الحقوقية تراجعت فعاليتها، لتجد النساء أنفسهن في مواجهة مصير مجهول دون أي جهة تحميهن”.

وتكفل المادة (27) من اتفاقية جنيف الرابعة حماية خاصة للنساء، وتنص على وجوب احترام كرامتهن وخصوصيتهن، وهو ما يُنتهك في المخيمات.

أما اقتصاديًا، فقد انهارت فرص العمل، آلاف النساء فقدن مصادر دخلهن، وبتن يعتمدن بالكامل على المساعدات، تتحدث لطيفة عن ذلك بأسى: “حتى التي كانت تعمل، اليوم لا تجد ما تسد به جوعها.. تخيلي أن امرأة كانت تدير مشروعًا صغيرًا وتُطعم أطفالها، اليوم تجلس في طابور المعونات تنتظر وجبة لا تكفي لطفل واحد!”.

“هل كُتب علينا أن نجوع مدى الدهر؟”، تقول منى العمراني وهي تفكر في الأيام المقبلة، ولا ترى أفقًا لاي حل، تختم حديثها بمرارة: “كنا نعتقد أن الحرب إذا توقفت ستتحسن الحياة.. لكن كل يوم يمر يثبت لنا العكس.. وكأننا كُتب علينا أن نجوع مدى الدهر!”.

ما بين فقدان المنازل، وانعدام الغذاء، وتدهور الصحة، وضياع الأمان.. تعيش نساء غزة أسوأ مراحل حياتهن، وآثار الحرب ستبقى محفورة في أرواحهن، وأجسادهن، وذكرياتهن التي لا تمحى.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى