قلب سمر يحترق… الإبادة شلّت رضيعتها

قلب سمر يحترق… الإبادة شلّت رضيعتها

غزة- هبة الشريف:

“كان خوفي الدائم أن تأخذ الحرب أطفالي في ظل غيابهم القسري عنّي، مثلما أخذت 16 فردًا من أسرتي، تفكيري بهذا الأمر شلّ أعصابي، لكن ما جرى لطفلتي كان أقسى”!

بحرقةٍ قالت سمر حمّاد (37 عامًا) هذه الكلمات، واحتضنت رضيعتها التي أصيبت بمرضٍ دماغي بسبب الحرب، وأجهشت بالبكاء، بينما جالت بنظرها إلى زوايا الحاصل (المخزن) الذي تسكنه برفقة عائلتها في مدينة غزة، بعد تدمير الاحتلال لمنزلهم في حي الثلاثيني وسط المدينة.

سمر هي شابة جامعية، أمٌ لأربعة أطفال من أبوين مختلفين (براء 13 عامًا- إسلام 9 أعوام)، و (إيمان 4 أعوام -نور عام ونصف).

تروي ما حدث معها: “أنجبت طفلتي نور يوم 8 أكتوبر 2023م، تحت الخوف والقصف حين كنت بمدينة غزة، لكن فرحتي بولادة طفلتي لم تدم، فهي استنشقت الفسفور والأدخنة، واختنقت خلال ثواني، وسرعان ما نقلناها إلى مستشفى النصر للأطفال بمدينة غزة، كانت في حالة شبه موتٍ سريري، مكثت بالعناية المركزة إثر استنشاقها للغازات، وهو ما أثّر سلبًا عليها”.

وكان جيش الاحتلال الإسرائيلي شن يوم 7 أكتوبر 2023م، حربًا على قطاع غزة، وسرعان ما أجبر المدنيين من سكّان شمال القطاع على النزوح إلى جنوبه؛ في مخالفة لاتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر التهجير القسري للمدنيين، والاعتداء على ممتلكاتهم.

بعد 6 شهور من الولادة، لاحظت سمر إن رقبة طفلتها غير مستقيمة (مائلة)، وبعد إجراء الفحوصات الطبية اكتشف الأطباء إصابتها بتكلس دماغي، أدى إلى شلل وفقدان الحركة (الحبو والمشي)، ولم تحظ الطفلة بفرصةٍ للعلاج خارج قطاع غزة.

تتنهّد سمر وهي تقول: “لطالما خفت من فقدان أطفالي وأنا بعيدة عنهم، أو أن أموت ولا أتمكن من رؤيتهم، فبعد تجربتيّ زواج لم تُكللا بالنجاح، أصبحت وحدي معيلة لأربعة أطفال”.

حُرمت سمر من صغارِها مدة عام كامل، كانوا نازحين في جنوب قطاع غزة، وهي ما زالت شمال القطاع، ومع انقطاع الاتصالات أصبح التواصل معهم نادرًا، فكان كل يوم يمّر كالدهر على قلب الأم الملتاعة.

تقبّل سمر أطفالها بعد أكثر من عامٍ من الفراق، والدموع تنهمر من عينيها، كأنها تغسل شيئًا من وجع الحرمان، تتحسس ملامح وجوههم وكأنها تخشى أن يبهت حضورهم في ذاكرتها.

فقدت سمر 16 فردًا من عائلتها بينهم شقيقيها وزوجة وأبناء أحدهم، خلال استهداف منزلهم في حي الثلاثيني وسط مدينة غزة، يوم 12 يونيو 2024م، دون سابق إنذار، ما جعلها تعيش حالة حزن دائم.

ويخالف ما تعرضت له عائلة سمر نص المادة (3) من اتفاقية جنيف الرابعة التي حظرت الاعتداء على المدنيين بالقتل أو التشويه.

تحتضن سمر أطفالها الأربعة الآن في حاصل (مخزن) جمع شملهم بعد غياب طويل، مع أكثر من عشرين فردًا من عائلتها، وجدوا في هذا المكان ملاذًا لهم بعد فقدان منزلهم.

“7 أكتوبر قلبت حياتي تمامًا”، تقول سمر، وهي تنظر إلى وجه الرضيعة نور، وتكمل والدموع تنهمر من عينيها: “كنت أمارس حياتي سابقًا بشكل طبيعي، أربي أبنائي وأهتم بتنمية مواهبهم، وأتابع دروسهم، أخرج معهم في رحلات ترفيهية، واضب أبنائي على حفظ القرآن، كانت أحوالنا جيدة وظروفنا معقولة، ألبي احتياجاتي من جوائز يتحصل عليها ابني أو من إخوتي”.

لكن أكثر ما قلب حياة سمر تمامًا هو ولادة طفلتها نور بمرض نتيجة استنشاق الغاز، دون أن تتوفر إمكانية العلاج، و(زاد الطين بلة) استشهاد شقيقيها وأبناء أحدهم.

“أمنيتي أن أشوف بنتي بتجري قدامي، من أول الحرب مقضية وقتي بالمستشفيات”، بحرقة تقول، فرغم تجربة الانفصال لمرتين، إلا أن هذا الألم لا يُقارن بما هي عليه الآن، فالطفلة أصيبت بمرض تكلس في الدماغ، أصابها بالشل، وتسببت بمشكلة في الأوتار، تحتاج عملية خارج قطاع غزة بقرار من الأطباء.

وتنص اتفاقية جنيف الرابعة على ضرورة تمكين المرضى من تلقي العلاج، خاصة النساء والأطفال.

“لا كلام يواسي قلب أم تنتظر رؤية أطفالها وهم بعيدين عنها في ظروف الحرب، وحاجتنا إلى مكان يجمع شملنا”، تقول سمر، وبعينين أثقلتهما عاصفة الحنين، ووجع الخوف حين أُبعِدت عن أبنائها في الوقت الذي يجب أن تكون فيه إلى جانبهم، وهي التي باتت بحاجة إلى فرصة لعلاج تنجد طفلتها من مرضٍ دائم، وجع جديد يرافقها مدى الحياة.

وتختم: “كل ما أرجوه أن يعرف العالم أننا في غزة نعاني، وأن لكل امرأة منا حكاية، أتساءل دومًا كيف سيكون مستقبل أطفالي بعد ندبات الحرب”.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى