محاولات إعادة التعليم الوجاهي في غزة رسالة أمل من وسط الدمار

محمد لبد:
يتمنى طالب المرحلة الاعدادية خالد راضي 14 عاماً أن تعود مقاعد الدراسة التي حولها لرفوف يبيع عليها المواد الغذائية إلى فصول المدرسة، لتعود معها حياته التعليمية إلى ما كانت عليه قبل الحرب التي مزقت كل مناحي الحياة في غزة.
ويقول راضي الذي يعيش في مخيم نزوح قرب شارع النصر وسط مدينة غزة” حلم حياتي أكمل دراستي مثل كل أطفال العالم، وتعبنا كثير لأنه كل حياتنا في الشارع، وأنا لي أكثر من عامين لم أدرس وأتحمل مسؤولية أهلي، وتوفير مستلزماتهم اليومية”.
ويضيف: ” نفسي لما أصير كبير دكتور، ودائماً كنت أسمع من بابا اللي استشهد في الحرب بقولي علشان تحقق حلمك وتصل لأهدافك لازم تدرس وتجتهد”.
ويتابع:” قبل أيام وصلت رسالة لأمي من مركز تعليمي قريب من مخيمنا لتسجيلنا للتعليم اليومي، وقررت أسجل فيه أنا وإخوتي علشان ننجح ونحقق كل أحلامنا”.
إحياء العملية التعليمية
وتؤكد وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية أن الاحتلال أخرج 85% من مدارس قطاع غزة عن الخدمة، مشيرة إلى أن 160 مدرسة حكومية تدمرت بالكامل، إضافة إلى 63 مبنى تابعاً للجامعات، كما تعرضت 118 مدرسة حكومية و93 مدرسة تابعة لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) إلى القصف والتخريب.
وبعد توقف التعليم الوجاهي كلياً على مدى عامين، لجأت الوزارة وبعض الجهات المحلية إلى مبادرات محدودة للتعليم الافتراضي، وسط انقطاع الكهرباء، وضعف الإنترنت جراء الحرب الاسرائيلية التي استمرت لأكثر من عامين، ودمرت جميع الخدمات في قطاع غزة.
ويكافح الطلبة والمختصون التربويون إلى استعادة ما تبقى من ملامح التعليم، رغم دمار البنية التحتية وفقدان الكتب وجُل مستلزمات العملية التعليمية.
التعليم الوجاهي
ويقول مدير عام العلاقات العامة والإعلام بوزارة التربية والتعليم العالي في غزة، أحمد النجار” رغم كل العقبات والتدمير، اجتهدنا، وأطلقنا مبادرات لاستئناف التعليم الوجاهي والافتراضي والمدمج بوصفها بدائل مؤقتة لتعويض الانقطاع”.
ويضيف النجار في تصريح خاص بمركز التنمية والاعلام المجتمعي:” الخطة الشاملة تتضمن إعادة تأهيل المدارس المدمرة جزئياً، وإقامة خيام تعليمية مؤقتة في المساحات الفارغة، واستغلال أي مكان يمكن تحويله إلى صف دراسي.
ويتابع:” العائق الأكبر أمام استئناف الدراسة الوجاهية تتمثل في أن معظم المدارس المتبقية تُستخدم كمراكز إيواء للنازحين، فقرابة 84% من المدارس تحتاج إلى تأهيل وترميم كبيرَين، وأهم الأساسيات توفير مقاعد وأبواب وشبابيك، وكتب وقرطاسية”.
ويوضح النجار أن عدد كبير من المباني التعليمية تفتقر إلى مقومات السلامة العامة نظراً لتواجدها في مناطق خطيرة تخضع لسيطرة الاحتلال، وبالتالي يصعب الوصول إليها، إضافة إلى عدم توفر بنية تحتية كالكهرباء، والانترنيت وكثير من الأدوات والمستلزمات التي يمنع الاحتلال دخولها منذ أكثر من عامين على التوالي.
ومنذ اندلاع الحرب على غزة في 7 أكتوبر من عام 2023 تعرقل إسرائيل دخول البضائع، والمستلزمات الأساسية التي يحتاجها سكان قطاع غزة في انتهاك واضح لاتفاق وقف إطلاق النار الموقع في مصر في 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي والذي نص على ضرورة إدخال المساعدات والبضائع إلى غزة دون عقبات تذكر.
بيئة صعبة
ويتكدس عشرات الطلبة في خيمة مهترئة وسط ساحة مدرسة المشتل المدمرة غرب مدينة غزة في ظروف تعليمية صعبة، ويصف صالح بركات مدرس لغة الرياضيات بيئة التعليم بالمعقدة للغاية “الخيمة الواحدة تضم 50 طالب، وبعضهم يضطر للجلوس على الأرض أو الوقوف طوال الحصة”.
ويضيف:” الاستقرار التعليمي شبه مستحيل، فضجيج النازحين الذين اتخذوا جزءًا من الفصول مراكز للإيواء يشتت انتباه الطلبة، ويشكل مصدر ازعاج ناهيكم عن دخان النيران الناتج عن تجهيز الأهالي للطعام في محيط الخيام التعليمية”.
ويؤكد أن حل الأزمة يتمثل في إخلاء المدارس من النازحين، وإعادة ترميم المقار التعليمية، حتى تعود المدارس بيئة آمنة وصالحة للتعليم.
عودة الأمل
وتغمر السعادة قسمات وجه الطالب في الصف السادس الابتدائي الطفل خالد البياري 11 عاماً بعد عودته إلى مقاعد الدراسة الوجاهية في خيمة أقيمت في ساحة عامة في منطقة الشيخ رضوان بمدينة غزة.
ويقول البياري:” كل يوم بروح على المدرسة حتى لو كانت الدنيا برد كثير ومطر لكن أحسن ما أضل ألعب في الشارع بدون دراسة، وأنا بأحضر مع أمي دروسي، وبأشارك في الحصص مع المدرسين ووقت الراحة بألعب مع أصحابي.
ويضيف:” إحنا مش في مدرسة كاملة زي ما كانت قبل الحرب لكن الأجواء حلوة، وبتشجعني أتعلم وأحفظ دروسي وقبل يومين، راجعت جدول الضرب وتقريباً حفظته بالكامل بدون ولا أي غلطة، والآن بأركز على كلمات الانجليزي المطلوبة مني في الواجبات اليومية.
وأقامت وزارة التربية والتعليم خلال عام 2025م خيام تعليمية بالتعاون مع مؤسسات دولية مثل منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، وتسعى لإنشاء نقاط تعليمية مؤقتة في ساحات المساجد والنوادي، وساحات المدارس المدمرة “.
تحدي الصعاب
ويصف مدير مدرسة الموهوبين الثانوية للبنين في مدينة غزة صلاح شرف مواصلة الدراسة بالكفاح في ظل انعدام البيئة الملائمة لمواصلة العملية التعلمية، لافتاً إلى أن الطلبة انتظموا في المدرسة المتهالكة تدريجياً بمعدل ثلاث ساعات يومياً، يتم خلالها التركيز خلالها على المباحث الأساسية (اللغة العربية، الرياضيات، اللغة الإنجليزية).
ويفيد: حاولنا بكل السبل خلال الحرب ألا ننقطع عن الدراسة، وانتهجنا عدة أساليب كالتعليم الالكتروني عن بعد، والجولات الميدانية في مراكز الايواء، وحالياً التعليم الوجاهي رغم أن المعلمين والطلبة يعانون وضعاً نفسياً صعباً للغاية لكننا نحمل على عاتقنا أمانة توصيل الرسالة، وغرس الأمل في نفوس الأجيال”.
ويضيف:” الفصول الدراسية لم تكتمل بعد، والاقبال من الطلبة على الدراسة الوجاهية ليس بالشكل المطلوب نظراً لظروف الناس ونزوحهم المتكرر وعدم استقرارهم في أماكن إقامة محددة”.
جهود الأمم المتحدة
ويفيد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) بأن عددًا متزايدًا من الأطفال في قطاع غزة عادوا إلى الفصول الدراسية.
ويشير المكتب في تصريح صحفي نشر في 17 يناير 2026 إلى أنه تم تجديد عشرة مواقع تعليمية مؤقتة إضافية في محافظة غزة خلال الشهر الجاري، ليصل إجمالي المساحات التعليمية العاملة إلى أكثر من 440 موقعًا، تخدم نحو 270 ألف طالب، بدعم من أكثر من 6300 معلم.
وتواصل الأمم المتحدة وشركاؤها الضغط لرفع القيود المفروضة على المستلزمات التعليمية، بما في ذلك الأدوات المكتبية، لتمكين المزيد من الأطفال من العودة إلى التعلم.
نهضة من بين الركام
ووثقت مؤسسة الدراسات الفلسطينية في تقرير نشرته عبر موقعها على شبكة الانترنيت في 30 سبتمبر 2025 تعرض 63 جامعة، وكلية تابعة للتعليم العالي في قطاع غزة للتدمير الكلي، والقصف المباشر من قبل قوات الاحتلال خلال الحرب على غزة.
ويؤكد نائب رئيس الجامعة الإسلامية للشؤون الأكاديمية في غزة بسام السقا أن الحرب الإسرائيلية حولت مباني الجامعة الثمانية إلى أنقاض، بما في ذلك قاعاتٌ للدراسة ومختبرات علمية مجهزة بأحدث الأدوات والمعدات.
ويضيف: “رغم الصعوبات الكبيرة عملنا على تأهيل وترميم مبنى “إرادة” و”فلسطين داخل الحرم الجامعي، واستأنفنا التعليم الوجاهي، وركزنا على التخصصات العلمية المهمة للطلبة”.
ويتابع السقا قائلاً:” التحق بالجامعة الإسلامية ما يفوق ستة آلاف طالب وطالبة، يتلقون تعليمهم في أربع قاعات دراسية، فيما تتواصل الجهود لتجهيز مزيد من القاعات بهدف استكمال العودة إلى التعليم الوجاهي في مزيد من التخصصات”.
ويشدد على أن حرص الكادر التعليمي والطلبة على مواصلة التعلم في الخيام، والأماكن المدمرة، رسالة قوية للعالم الحر بأن إرادة الفلسطينيين وعزيمتهم لا تلين في انتزاع حقوقهم وعلى رأسها الحق في التعليم.






