الذئبةُ الحمراء… حرب ثانية تواجهها (مريم)

الذئبةُ الحمراء… حرب ثانية تواجهها (مريم)

 

دير البلح – هيا بشبش :

بكلماتٌ لم تُفهم، وابتسامةً خفيفة تتوسط وجهها المنتفخ دون أن يخفي جمالَ عينيها الخضراوين اللتين تراقبان الحديث مع والدتها، إنها الطفلة مريم حبوب (12 عامًا)، من مدينة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، والنازحة إلى دير البلح مع عائلتها، والتي أصيبت خلال الحرب بمرض (الذئبة الحمراء)!

“كانت وردةً متفتحة”، بهذه الكلمات وصفتها والدتها قبل ظهور أعراض المرض عليها، وتكمل: “المنطقة التي نسكنها في بيت لاهيا تعدُّ خطيرة، من بداية الحرب هاتفنا الصليب الأحمر لإخلائنا والتوجّه نحو مدارس وكالة الغوث في مخيم الشاطئ للاجئين غرب مدينة غزة”.

تعرّضت المدرسة التي نزحت إليها مريم وعائلتها للقصف، فنزحت العائلة مجددًا إلى إحدى المدارس في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، لتجلس مع خمس عائلات أخرى في فصل واحد.

تواصل والدتها الحديث: “مريم هي آخر العنقود، لديّ خمسة أولاد وأربع فتيات، اثنتين منهن متزوجات، فكان ارتباطي بمريم كبيرًا، تنام في حضني، تساعدني في أعمال المنزل من ترتيب وتنظيف، أصطحبها معي عند الخروج من المنزل، حتى هنا الجميع يحبها وهي الأحبّ لقلب إخوتها”.

عدّلت الوسادة تحت رأس مريم التي لا تستطيع الحراك، أحكمت الغطاء وأكملت: “قبل شهرين ظهرت على مريم أول علامات المرض، أصيبت بنزيفٍ في اللثة، لم أكن أعلم السبب، ذهبت إلى عيادة وكالة الغوث، وهناك قال الطبيب إنها تعاني التهابًا في الغدد وكتب لها مضاد حيوي ومسكّن، لكن حالتها ازدادت سوءًا”.

هنا راجعت الأم مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح، وبسبب الحرب لم تتوفر الكثير من التحاليل المطلوبة داخل المشفى، وبعد عناء شديد وبحث وجدت الأمُ ضالتها في عيادة خارجية قدمت التحاليل التي طلبها الأطباء، ليكتشفوا إصابتها بالذئبة الحمراء!

والذئبة الحمراء هو مرض مناعي، يهاجم فيه جهاز المناعة أعضاء الجسم الحيوية، ويحتاج إلى علاج تفتقر له مستشفيات قطاع غزة في الوضع العادي، والوضع أصبح أصعب في ظروف الحرب، فأصبح وضع الطفلة في خطر داهم.

غرفةٌ صغيرةٌ، تنكمش بها مريم على أحد الأسرّة الخمس، وآخرين يحملون مرضاهم الصغار بين أيديهم، فلا مكان يتسع لجميع الحالات، خاصة بعد نزوح مدينة رفح، وإعلان جيش الاحتلال بدء عملية عسكرية في رفح، لتصبح مستشفى شهداء الأقصى، من المستشفيات القلائل التي تقدّم الرعاية الصحية للمرضى، بعد تعرض القطاع الصحي في قطاع غزة لتدمير شبه كامل.

ويتناقض استهداف القطاع الصحي مع بنود اتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين وقت الحرب، وخاصة المادة (18) التي تحظر الهجوم على المستشفيات، كما تفرض الاتفاقية ذاتها توفير الرعاية الطبية للمرضى وخاصة النساء والأطفال وكبار السن.

تواصل والدة مريم: “قبل الحرب كانت مريم تأكل جميع المأكولات خاصة الفاكهة، لكن بعد الحرب والنزوح تغير ذلك فلم تعد مريم تتناول الطعام المتوفر والذي كان غالبيته عبارة عن معلبات واقتصر أكلها على القليل فقط، وحاليًا فقط عصائر”.

وأوضح الطبيب زياد أبو فارس أخصائي أطفال في مستشفى شهداء الأقصى، أن مرض الذئبة الحمراء هو مرض مناعي يصيب الفتيات بنسبة أكبر، وتظهر في الغالب أعراض المرض من عمر 6/8 سنوات، وتظهر في الدم أولًا، والجلد وفي اللثة، وانتفاخ الجسم، ومن العوامل المحفّزة لظهور المرض، الضغط النفسي وسوء التغذية، وهو عاملٌ محفّز للكثير من الأمراض خاصة لدى الأطفال الذين لديهم قابلية مناعية لظهور المرض.

وأكد أبو فارس، أن المستشفى حاليًا يفتقر للتحاليل الخاصة، بمرض الذئبة الحمراء وغيرها من الأمراض، والأدوية البيولوجية منقطعة تمامًا لهذا المرض وغيره، وحاليًا يتم الاعتماد فقط على القليل من الأدوية التي -بالكاد- يتم توفيرها.

 عودة إلى والدة مريم، التي طلب الطبيب منها نوعٌ مرهمٍ لعلاجِ الحبوب التي ظهرت في قدميها وسواد الجلد، لم يتوفر في المستشفى، وبحثت عنه خارجها دون جدوى، لتبقى العائلة بانتظار توقّف الحرب كي يتم إدخال الدواء والمرهم اللازمين، أو تحويل الطفلة للعلاج بالخارج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى