حياة لا تٌشبه الحياة.. رنيم تشتاق لخصوصيتها بعد انقلاب حياتها رأسا على عقب

رفح- محمود جودة 

ما عنّدي حاجة ألبسها” تحولت هذه الجملة من عبارة تقال بكامل البذخ والدلال إلى حقيقة فعلية مجردة بعد السابع من أكتوبر حيث انقلبت موازين الحياة في عائلتي كما حال جميع سكان قطاع غزة، تقول رنيم أحمد من شمال قطاع غزة: كُنت في السابق حين أخبر والدتي أنني أشعر بالملل ترد عليَ فورًا: “يلا نروح على دار عمك” وكانت هذه جائزة كبيرة بالنسبة لي فأنا أُحبذ الذهاب إلى هناك يوميًا لو أتيحت لي الفرصة .. مع بداية أحداث السابع من أكتوبر فضَّلنا كعائلة البقاء في شمال قطاع غزة هنا وُلدَ والديَّ بعد هجرة أجدادي الأولى من يافا وطالما كنّا في السابق نعترض على هجرة أجدادنا لذا علينا أن نجرب سبيلًا آخرًا علّه يكون أقل ألمًا، إلا أننا أصبحنا نُوصف باسم آخر (سكان شمال الوادي) خيار البقاء لم يكن سهلاً إلا أنه كان جيدًا لأحظى بفرصة وداع لخصوصيتي، الخصوصية كالماء تمامًا أمر أساسي بالنسبة لنا كعائلة، فمنذ أن كنت طفلة كنا أنا وأختي نرتب غرفة النوم الخاصة بوالديَّ ونحرص جيدًا ألا نفتح أي ورقة مُغلقة حتى لو كانت تبدو أنها فاتورة هاتف أو كهرباء، أي ورقة مغلقة هي بالنسبة لغير صاحبها من المحرمات الاطلاع عليها، هكذا نشأنا وتعودنا على ذلك حتى أمي حين كانت تحتاج إلى شيء ما من غرفتي أثناء غيابي عن البيت تتصل بي تسألني عن مكانه كان اتصالها مبطنًا بأنها لا تريد انتهاك خصوصيتي، إلى أن جاءت حرب الإبادة هذه فإنها لم تنتهك خصوصيتنا فحسب بل أعدمتها تمامًا، خاصة أننا قضينا ليلة كاملة ونصف نهار في الشارع، -لقد نمنا في الشارع- هذا ليس مجازًا بل حدث فعلاً، حدث ذلك بعد انتقالنا لبيت أحد أعمامي في مشروع بيت لاهيا، ومن ثم الانتقال إلى بيت عمي الآخر في جباليا إلى أن نزحنا إلى بيت عمي في معسكر جباليا حيث تعرضت المنطقة حينها إلى حزام ناري عنيف واضطررنا بعدها للنزوح إلى الخارج، كان هذا يوم 5 ديسمبر 2023 وقتها كان معسكر جباليا عبارة عن كرة ملتهبة حيث كان القصف من كافة الجهات ولم نجد ما يأوينا سوى الشارع,

 أصبح بيت عمي الذي يضم 63  شخص من كافة الأعمار ترف ورفاهية، لقد كُنا ننزح في بيت جُمع فيه17  طفلا بأمزجة وعادات مختلفة وأنماط حياة متباينة، وأنا التي كنت أقضي وقتي كاملاً دون أطفال حيث أنني أصغر إخوتي، أصبحت أعيش حياة كاملة مع 17 طفل وصداع لعين وخوف شديد، كنت أشعر حينها أن جميع نوائب الزمن قد اجتمعت علي، ولم أكن أتخيل يوما أن يُصبح بيت عمي عقاب لي بعدما كان خياري الأول كلما شعرت بالملل.

في صباح السادس من ديسمبر 2023 بدأ شكل موت آخر يأخذ بنا حيث نزحنا إلى مدارس الرمال في غرب مدينة غزة، هذا المكان المُشتهى لكل أهل القطاع، هذا المكان الذي كنا ننظر إليه بحب وخجل وخوف ودهشة كلما زرناه، حسدت حينها كل مَن لم يشاهد غرب غزة قبل حرب الإبادة وبعدها، لا أحد يصدق ما حدث للمدينة، لقد اختفت وجهتنا السياحية، اختفت ذكرياتنا مع محلات الملابس والتجميل والأحذية، والمقاهي .. مكثنا لخمسة أيام في مدرسة القاهرة كنت قريبة جدًا من المحل الذي كنت أبتاع منه الورد لجميع المناسبات وأغلف هداياي المختلفة فيه، كنت كل يوم أنظر من شباك النزوح إلى محل الورد وأتذكر جميع المناسبات بدءًا من أفراح إخوتي وأولاد أعمامي وأعياد ميلاد العائلة والأصدقاء كل يوم كنت أدعو أن ينجو هذا المحل على الأقل كي تبقى ذاكرة واحدة لنا حيَة، حين قررت العائلة النزوح إلى مستشفى الشفاء حيث باقي أفراد العائلة هناك ودعت المحل الذي كان رؤيته بمثابة من يربت على كتفي كل يوم وتزيح عني آلام النزوح ” جميلة هذه قصة آلام النزوح  نحن النساء اعتدنا أن نقول آلام الولادة” كنت في مدرسة القاهرة أدعو أن نعود للبيت الذي نزحنا إليه وكنّا 63 شخص فيه، أما اليوم فنحن هنا مئات وربما ألاف لا خصوصية فيها ولا حياة، إنني أشتهي روتينًا واحدًا من أيام ما قبل السابع من أكتوبر حتى لو كان منبه العمل الذي كنت أمقته كثيرًا وكنت أتمنى أن يغيب.

 المهم وصلنا إلى مستشفى الشفاء وخضت جولة تعارف جديدة إلا أن روتين النزوح متشابه إلى حدٍ ما في كل الأماكن – شمال الوادي طبعًا- مع اختلافات بسيطة اعتبارًا للمكان فهنا في مستشفى الشفاء تجوب المدينة شرقها وغربها وربما تصل إلى شمال المدينة حتى تستطيع جلب الماء والغذاء، فصار لكل منّا رقابة ذاتية عالية على أمر استهلاك المياه فأنا التي كنت أرفض ترشيد المياه في بداية النزوح وأغسل ملابسي بمياه وفيرة حيث كنت أحصل في بيت عمي على “جردل” كامل لغسيل ملابسي بالإضافة إلى ماء الاستحمام الخاص بي، وكنت أغسل كما لم تغسل جدتي من قبل ووالدتي تنظر لي بمشاعر مختلطة.

بعد جولة حول مستشفى الشفاء عملت جاهدة على إقناع عائلتي بالسماح لي بالتنقل خارجه كنت دومًا أبحث عن أي شيء يعود بي إلى السادس من أكتوبر، شيء مثل: صديقة، زميلة، منبه لموعد العمل، أريد شيئًا واحدًا يالله، لقد كان دعائي مستجابًا حين التقيت دكتور الجامعة الذي درسني وأشرف على بحثي التخرج، هذا الدكتور الذي كانت طالبات الجامعة يتغزلن دومًا بأناقته وبدله الرسمية المتعددة، بملابس رثّة و”شبشب” مهترئ وشعر كثيف غير مهذب وقفت كما الصنم كل شيء متحجر فيَّ إلا دموعي، وجرجرت نفسي إلى مستشفى الشفاء ثانية لأجد الصاعقة أمامي استشهاد جميع أفراد عائلة عمي. 

لقد نسف ما تبقى من أمل في النجاة والعودة، فالبيت الذي كنا ننزح إليه سوي بالأرض ودفن أصحابه تحت ركامه، فأنا اليوم شهيدة إلا ربع، ربما إلى نهاية المحرقة أصبح شهيدة كاملة وأعاتب من سبقنا بالمغادرة، يا لفظاعة ما كان، ها أنا اليوم فرع صغير ضعيف من شجرة تم حرقها، فرع يشتاق إلى أمه الشجرة ولا يجدها أبدًا ولن يجدها إلا في الأحلام والذكريات، أجلس في خيمة في شمال غزة منصوبة على أنقاض منزلنا الذي كان عامرًا بالمرح والحياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى