فنان مسرحي يعايش أهوال الحرب: استحممت في غرفة تغسيل الموتى واكتشفت ان الحرب ليست مسرحية

رفح: كتب محمود جودة

يروي الفنان المسرحي الشاب كريم ستوم قصة نزوحه وعائلته من غزة وما يواجهوننه من اهوال الحرب والتشرد والنزوح، يقول:

في بداية نوفمبر، كانت الأخبار تتسارع حول اقتحام مستشفى الشفاء، هذا الخبر كان يقتلني كل يوم حيث أن بيتنا لا يبتعد سوى أمتار قليلة عن مستشفى الشفاء ما يعني تدمير كل شيء حوله ومنزلنا هو أول تلك الأشياء، حاولت أن أزيل هذه التصورات من رأسي لكن الاحتلال عاد وأكدها عبر اتصال على هاتف البيت يأمرنا فورًا بإخلاء المنزل وتبليغ المنازل المجاورة بذلك، في البدايةرفضنا هذا الأمر، ومع اشتداد القصف المدفعي على حارتنا قررنا الذهاب إلى مشفى الشفاء باعتباره نقطة صحية آمنة يمكن لنا كنازحين الاحتماء بها، وخرجنا بالفعل أنا وأبي وأخوتي الخمسة مصطحبين معنا بعض الأشياء الخفيفة التي تمكنا من نصب خيمة صغيرة تؤوينا وتحمينا من البرد والانكشاف.

ويواصل ستوم روايته: “كان المشفى عبارة عن مسلخ بشري، عشرات الجثث ملقاة على الأرض، الدم ينزف في كل مكان، سيارات الاسعاف تتوافد كل دقيقة حاملة معها الجثث والإصابات شبه الميتة، كنا نكره قدوم الليل لما يحمله من عتمة وأصوات صواريخ لا نعلم أين ستسقط أو على من ستسقط؟؟

وفي أول ليلة لنا في النزوح داخل خيمة صنعناها من النايلون وبعض الأخشاب رأيت الكثير من مشاهد الرعب، لا نوم في خيام النزوح فالقلق يسيطر علينا والخوف كذلك، القذائف كانت تتساقط على البيوت المجاورة للمشفى، والطائرات المسيرة من فوقنا تراقب أي حركة وتطلق النار بشكل مستمر، أحد القتلى كان بجانبي وهو يحاول الذهاب إلى الحمام لقضاء الحاجة قامت طائرة الاستطلاع بقنصه فسقط عليَ مباشرة حاولت الهرب لكني سقطت بعد أن تعلق قدمي بحبل إحدى الخيام، نهضت بعد لحظات فكان دم الضحية يسيل في خط مستقيم حيث بقي على هذا الحال لنصف ساعة لم يتمكن أحد من إنقاذه بسبب الطائرات المسيرة.

بقيت في المستشفى أسبوعين، كانت من أقسى الأيام في حياتي أنا الذي أبلغ من العمر 20 عامًا، وأعمل ممثل مسرحي لم أتخيل يومًا أنني سوف أستحم في غرفة تغسيل الموتى، في أخر شهر نوفمبر شعرت أنني بحاجة إلى الاستحمام كي أريح جسدي من التعب والعرق، والجو بارد جدًا والاستحمام من خلال تسخين المياه على النار أمر صعب في ظل الحرب والعدوان وأيضا في مكان مليء بالخيام داخل المشفى يصبح الأمر مستحيل، فقررت أن أحاول الوصول إلى غرفة للاستحمام داخل غرف المستشفى الكثيرة، وأثناء بحثي الذي استمر نصف ساعة دخلت إلى غرفة مزدوجة تبدو أنها غرفة استحمام، فدخلت إلى الغرفة الداخلية فرأيت دكة كبيرة فارغة، عرفت وقتها أنني في غرفة استحمام للموتى، يا للرعب الذي استشعرته، وقتها تبادر إلى ذهني صوركثيرة وفكرت كثيرًا أن أخرج من الغرفة، لكني تذكرت انعدام الخيارات الأخرى للاستحمام، فقررت أن أستحم في هذا المكان وتغافلت عن كل التفاصيل المرعبة من حولي وتخيلت أنني أقوم بدور في مسرحية جديدة.

لقد أنجزت المهمة وأنا خارج صادفت صديق لي فسألني عن كيفية الاستحمام، فأشرت بإصبعي إلى المكان فذهب ليستكشف المكان ووقفت أنتظر عودته، وقد عاد فعلا بعد دقائق قليلة مهرولًا خائفًا يسب ويلعن.

في ليلة الاستحمام تلك وهي آخر ليالي الإقامة في خيمة النزوح بمشفى الشفاء، اشتد القصف وتقدمت الدبابات نحو الحرب وأمرونا جميعًا أن نخرج بشكل جماعي ونتوجه جنوبًا إلى مدينة رفح، وقتها قرر أبي والعائلة أن يذهبوا إلى مدرسة إيواء للنازحين شرق غزة، لكنني قررت أن أنزح ناحية الجنوب، وتفرقنا بعد وداع شديد الألم وأمنيات باللقاء القريب واجتماع الشمل، ووضعت حقيبتي الصغيرة على كتفي وقصدت شارع صلاح الدين متجهًا ناحية الجنوب في أول رحلة تهجير حقيقة أشهدها في حياتي، كان السير تحت تهديد الطائرات المسيرة والدبابات أمر مرعب، لقد درات في رأسي سيناريوها عديدة لمقتلي، مرة برصاصة في الرأس، أو دهس تحت جنازير دبابة ثقيلة، أو بشظايا صاروخ يسقط على المنزل المجاور لي، ثلاث ساعات وأنا أمشي في طقس شديد البرودة حتى وصلت إلى الحاجز الذي يفصل جنوب القطاع عن شماله ومن حولي آلاف البشر التائهين يحملون أشيائهم الصغيرة وأطفالهم، كان المشهد قاسي جدًا ومرعب، كنت أشاهد حولي بقايا الجثث المتحللة من عدة أيام، رائحة الموت وشبحه ظل حولي حتى قطعت الحجاز بعد تصوير وتفتيش من قبل جنود الاحتلال ووصلت إلى مدينة دير البلح، ومن هناك ركبت على عربة يجرها حمار حتى مدينة خانيونس، ومن هناك تعربشت في سيارة نقل كبيرة حتى وصلت إلى مدينة رفح، ولم أكن أشعر أن قدمي يسيل منها الدم إلا حين وصولي إلى مدينة رفح وخلع حذائي في بيت صديق قديم لي، ومن هناك بدأت رحلة النزوح الجديدة المستمرة إلى الآن جلست في بيت صديقي خمسة أيام، كنا نخرج فيها من الصباح الباكر حتى الظهر لنجمع بعض الأخشاب وأوراق الكارتون من أجل إشعال النار وطهي الطعام، وساعات أخرى نقضيها في طوابير الحصول على المواد التموينية والخبر، أنا الآن أجلس في خيمة متنقلة مع مجموعة من الأصدقاء مرة ننام على شاطئ البحر فنهرب من الذباب الصباحي إلى وسط المدينة، فنهرب مرة أخرى من قصف قريب إلى وسط الشارع، نتنقل من مكان إلى آخر في رحلة البحث عن مكان آدمي يمكن أن يصلح لاستعادة الأمل من جديد، ولكن يبدو أن هذا الأمر أصبح بعيد المنال فقد وصلتني الأخبار بأن بيتنا قد تم تدميره من قبل الدبابات الإسرائيلية في آخر اجتياح لمستشفى الشفاء بمدينة غزة، وها انا الآن أعيش مع أسرتي التي نزحت أخيرًا إلى مدينة دير البلح في خيمة صغيرة دون أحلام ودون بيت ودون مستقبل، لقد تدمر كل شيء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى